الضحايا الموالون للجيش المصري بسيناء: مجرد أرقام في نظر النظام

09 يوليو 2020
الصورة
يمجّد الجيش جنوده القتلى في سيناء ويهمل المدنيين (محمد حكيم/فرانس برس)

تصاعدت، خلال الأيام القليلة الماضية، هجمات تنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش"، ضد المجموعات القبلية الموالية للجيش المصري في محافظة شمال سيناء، شرقي البلاد، ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من هؤلاء المدنيين. وتعد هذه الهجمات الأوسع في المنطقة، وباتت تنفذ بشكل يومي، على مناطق تمركز المجموعات القبلية، كما تستهدف منازلهم ومصالحهم الاقتصادية. في المقابل، لم تتمكن قوات الجيش المصري، ولو لمرةٍ واحدة، من صدّ أي هجوم على مجموعات القبائل المتعاونة معها، أو تقليل خسائرها البشرية والمادية، فيما لا يلاقي مقتل أبناء القبائل، أي اهتمام في الإعلام المصري الذي يمعن في التعتيم على نشاطهم مع الجيش، ما أحدث ضجّة في صفوفهم، وفي أوساط المؤيدين للنظام في سيناء.
وقالت مصادر قبلية وشهود عيان، لـ"العربي الجديد"، إن تنظيم "ولاية سيناء" هاجم، على مدار أيامٍ عدة، مناطق جنوب الشيخ زويد، حيث قرية أبو طويلة وتجمع آل العرجاني، موقعاً 7 قتلى في صفوف أبناء المنطقة على الأقل، بالإضافة إلى سقوط إصابات عدة، في حصيلة هي الأكبر منذ شهور، من حيث العدد والفترة الزمنية القصيرة، والنطاق الجغرافي الضيق التي وقعت فيه. وتجرأ التنظيم على مهاجمة المنطقة أكثر من مرة، وفي وضح النهار، على الرغم من وجود نقاط عسكرية للجيش المصري في المنطقة المحيطة بنطاق الاستهداف، تبين أنها لم تعد بالنفع على الموالين للجيش هناك خلال تعرّضهم للهجوم. كما استطاع "ولاية سيناء"، في غالب الهجمات، الانسحاب من المنطقة من دون وقوع خسائر في صفوف مجموعاته، والتي جاءت جلّها في صفوف الموالين للجيش، على الرغم من نفي اتحاد قبائل سيناء لذلك.

لا يزال المئات من أفراد القبائل يقاتلون إلى جانب الجيش المصري من دون أي ضمانات لحقوقهم وحقوق عائلاتهم

وتحدثت المصادر عن حالة من السخط تسود في أوساط الموالين للجيش، وكذلك المؤيدين للنظام في سيناء، خصوصاً الإعلاميين منهم، نتيجة تجاهل الإعلام المصري الحديث عن مقتل الموالين خلال معركة الجيش ضد الإرهاب في المحافظة، أو عن تعاونهم مع القوات المسلحة أو تصنيفهم كـ"شهداء للجيش". وأدى ذلك، بحسب المصادر، إلى توقع البعض أن تتصاعد الدعوات لوقف التعامل مع الجيش، إلى حين تبدّل نمط النظرة إلى السيناويين العاملين في المجموعات القبلية الموالية له، وهي دعوة متجددة، في ظلّ تجاهل كل مؤسسات الدولة المصرية للضحايا المدنيين الذين يُقتلون على يد "ولاية سيناء" بحجة تعاونهم مع الأمن المصري. ويرتبط التجاهل بعدم اعتماد المصابين والقتلى كضحايا للحرب على الإرهاب، وما يتبع ذلك من استحقاقات معنوية ومادية تصرفها الدولة لهم، أو لذويهم، على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها مجموعات قبلية لخدمة الجيش والاستخبارات، ومخاطرتهم بأرواحهم وعوائلهم ومصادر رزقهم.

وخلال السنوات السبع الماضية، قُتل مئات المدنيين في محافظة شمال سيناء على يد "ولاية سيناء" بدعوى تعاونهم مع الأمن المصري، وذلك شمل كافة مدن المحافظة من رفح، مروراً بالشيخ زويد والعريش وبئر العبد، ووصولاً إلى مناطق وسط سيناء. وشمل القتل شباناً وصبية ومسنين، وحتى نساء، فيما خسر المتعاونون مع الأمن الكثير من أموالهم ومصادر دخلهم، نتيجة تعرّضها للهجمات على يد التنظيم، خصوصاً في مناطق وسط سيناء التي تتميز بحركة اقتصادية أكبر من بقية مناطق المحافظة، فيما لا يزال المئات من أفراد القبائل يقاتلون إلى جانب الجيش المصري من دون أي ضمانات لحقوقهم وحقوق عائلاتهم، في حال تعرّضهم للقتل أو الإصابة.
وتعليقاً على ذلك، رأى أحد مشايخ سيناء، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن ما يحصل بحق المواطنين العاملين في صفوف المجموعات القبلية المساندة للجيش المصري في سيناء، "يعتبر مهزلة لم تعرفها صحراء سيناء منذ عقود"، معتبراً أنه "يتم تجنيد المدنيين من دون وجه حق، في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، من ثم يتعرضون للإصابة أو القتل أو التنكيل على يد التنظيم الإرهابي، من دون أن يجدوا لاحقاً من يقف إلى جانبهم أو يدعم عوائلهم بعد مقتلهم". كما انتقد الشيخ القبلي "تجاهل الحكومة المصرية صرف أي مستحقات مالية لعوائل القتلى، وحتى الإعلام المصري التابع للنظام لم يأتِ على ذكرهم، وكأنهم أرقام لمدنيين قُتلوا في حادث سير، ولم يكونوا في المقدمة بمواجهة التنظيم". وقال المصدر إن هذا الواقع "يدركه جيداً ضباط ومسؤولو الجيش المصري في سيناء"، فيما يستمر أبناء من القبائل "بالعمل في صفوف المجموعات المساندة للجيش، بعدما باتوا متورطين في هذه المعركة، وليس بإمكانهم الانسحاب منها".
ولفت الشيخ القبلي إلى أن "عقلاء سيناء كانوا ولا يزالون يخشون تعاون أي مدني مصري في المحافظة مع الأمن، تحت أي مسمى أو ظرف، لأنهم لن يسْلموا من بطش التنظيم أو الجيش على حدٍّ سواء، إذ إن التنظيم يحاربهم بكل الأشكال، في حين أن الجيش لم يفرق بين متعاون وغير متعاون خلال حملاته العسكرية التي أتت على البشر والحجر والشجر في سيناء منذ الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الفتاح السيسي في عام 2013". ورأى المصدر أن دخول أبناء القبائل في المعركة "لن يعود بالنفع عليهم مطلقاً، مهما بذلوا من تضحيات، ولن ينالوا مقابل نشاطهم أي مكافاة أو تكريما من الدولة، التي لا تهتم بهم أحياء، فكيف حين يصبحون أمواتاً، بل حتى إنها ترى فيهم جزءاً من المشكلة في المحافظة، على اعتبار أن مسؤوليهم من المهربين تاريخياً في سيناء، ولبعضهم ثأر قديم مع الدولة، كسالم أبو لافي (من قبيلة الترابين) الذي قتل على يد "ولاية سيناء" في عام 2017 (بسبب تعاونه مع الجيش بعدما كان هارباً ومحكوماً عليه بالإعدام)، ورجل الأعمال إبراهيم العرجاني الذي يتزعّم اتحاد القبائل الموالي للجيش بسيناء، والذي يدعم المجموعات المسلحة المساندة للجيش بالمال والسلاح، بهدف الحفاظ على علاقاته الاقتصادية مع مسؤولي أجهزة الاستخبارات المصرية". واعتبر الشيخ القبلي أخيراً أن في ذلك "دعوة لكل المدنيين للتراجع عن عملهم في هذه المجموعات، والانسحاب من الحرب التي هم وقودها".