الصحافة في زمن كورونا بإيران: مغامرات وقيود

30 مارس 2020
الصورة
حصد فيروس كورونا أرواحاً تخطت الألفين (فاطمة بهرامي/الأناضول)
"راجعتُ أحد المستشفيات في طهران على أنني مريضة مشتبه في إصابتها بفيروس كورونا. بمجرد دخولي المستشفى، وضعت سيدة من طاقمها جهازاً على جبيني لقياس درجات الحرارة من مسافة عشرين سنتمتر، لم تمضِ ثوانٍ حتى قالت لي: "ليست عندك حرارة. ما سبب مراجعتك المستشفى؟"، حينها صُدِمتُ لأن أمري قد انكشف"... بهذه الكلمات، تشرح الصحافية الإيرانية، سودابة رنجبر، كيف قررت خوض مغامرة خطيرة، في وقت تكاد تقضي فيه مثل هذه المجازفات على الحياة لسهولة انتقال عدوى كورونا. 
وتقول رنجبر عنها: "كنت أريد أن أجري تحرياً صحافياً، كمريضة، من خلال عمل ميداني أجيب من خلاله عن أسئلة كثيرة لأبناء المجتمع حول جميع المراحل التي يجب أن يسلكها المشتبه في الإصابة بكورونا داخل المستشفيات... لكن حيلتي لم تنفع، لأنها لم تكن فاعلة وفشلت".
تضيف الصحافية الإيرانية أنها اضطرت إلى أن تقدم نفسها كمراسلة للمستشفى و"انتظرت نحو ساعة حتى جرى التنسيق مع إدارة المستشفى لتنتج مادة صحافية تشرح تلك المراحل كافة، لكن ليس كمريضة بل كمراسلة"، فنشرت وكالة "فارس" الإيرانية تقريرها في الرابع من الشهر الجاري.
ما ترويه الصحافية رنجبر، يعكس جانباً من العمل الصحافي المشفوع بالشغف والمغامرة في أثناء تغطية تطورات كورونا الجديد في إيران، وهو عمل يواجه صعاباً كثيرة الأيام. فمن جهة، على الصحافي أن يهتم بصحته الشخصية ويتخذ إجراءات وقائية في مواجهة عدو لا يرحم ولا يستثني أحداً؛ ومن جهة ثانية، عليه مزاولة مهنته في هذه الظروف الصعبة، التي تبرز أهميتها هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى. ففي ظل حجر صحي فرضه كورونا على الإيرانين في البيوت، يشكل الصحافيون والإعلاميون مصدرهم الرئيس للإطلاع على الحدث الجديد المؤلم وتطوراته اليومية، والوصول إلى حقيقة ما يجري في البلاد من تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية، خصوصاً تلك التي ترتبط بكورونا، لكونه ترك آثاراً على جميع مناحي الحياة في إيران.

إلا أن الحقيقة التي ينبغي أن ينقلها الصحافيون الإيرانيون للمواطنين باتت مهمة معقدة للغاية، لعدة أسباب. أولاً لجهة قيود، فرضها كورونا على تحركهم الميداني، كنظرائهم في العالم في الدول التي تشهد تفشي الفيروس، سواء بدافع الحفاظ على صحتهم وصحة الناس أو لرفض مختلف الجهات التعامل معهم عن قريب في سياق التدابير الاحترازية، سواء كانت جهات رسمية أو غير رسمية أو مواطنين في الشوارع.
كذلك إن وسائل الإعلام الإيرانية، نفسها، صحفاً ووكالات أنباء ومواقع إخبارية، اتخذت من جهتها تدابير وقائية، منذ الأيام الأولى لإعلان اكتشاف حالات الإصابة بكورونا في البلاد، يوم التاسع عشر من فبراير/ شباط الماضي. وجاء في مقدمة هذه التدابير، منح العمل عن البعد، أي في المنازل، للمراسلين والصحافيين. ثم إن المتحدثين باسم الحكومة والخارجية والسلطة القضائية في إيران أيضاً، حوّلوا مؤتمراتهم الصحافية الأسبوعية إلى "مؤتمرات رقمية" تنظم عبر "الفيديو كونفرانس".
ولعلّ التعميم الذي أصدرته وزارة الصحة الإيرانية في الرابع من مارس/ آذار الحالي تحت عنوان "دليل الوقاية من كورونا للمراسلين والصحافيين"، يظهر كيف قيّد كورونا قدرة الصحافيين والمراسلين في إيران على التحرك الميداني. ويتضمّن التعميم نوعين من التوصيات أو التعليمات، إن صح التعبير. النوع الأول يرتبط بالصحة الفردية للإعلامين الإيرانيين، ومعظم بنوده توصيات صحية عامة، كتلك التي تقدمها وزارة الصحة للإيرانيين بشكل عام، لكن هذا الجزء أيضاً يضم توصيات خاصة، مثل ضرورة تعقيم الأجهزة والمعدات الإعلامية. والنوع الثاني من التوصيات، يعكس قيوداً يواجهها هؤلاء، مثل مطالبة وسائل الإعلام بتجنب إيفاد المراسلين والصحافيين إلى داخل المدن والتجمعات، إلا في حالات ضرورية قصوى، أو إجراء المقابلات مع المسؤولين والخبراء وغيرهم عبر أدوات التواصل والاتصال أو تقليل أعضاء الفرق التي تبعثها الوكالات لتغطية الأحداث، فضلاً عن تقليل ساعات دوام الإعلاميين.
قلّصت هذه القيود، بطبيعة الحال، قدرة الصحافيين الإيرانيين على الوصول إلى المعلومة، في شتى مجالات تخصصهم الإعلامي، ولا سيما الصحافيون العاملون في قسمي الشؤون الاجتماعية والصحية، حيث يستدعي عملهم هذه الأيام زيارات ميدانية للمستشفيات، تتطلب من جهة، موافقة مسبقة، بات من الصعب بمكان الحصول عليها. ومن جهة ثانية، تشكل هذه الزيارات مخاطر كبيرة على صحتهم، لكون المستشفيات تحولت إلى بؤرة لفيروس كورونا هذه الأيام. والدخول إليها إن حصلت الموافقة، بحاجة إلى مستلزمات واقية، أصبحت اليوم غير متوافرة لجميع أعضاء الطواقم الصحية في إيران، فضلاً عن غيرهم، لوجود نقص كبير فيها.
هذا فضلاً عن أنّ إجراء الاتصالات الهاتفية مع المستشفيات للاطلاع على أوضاعها، لا ينفع كثيراً، لانشغالات طواقمها بشكل. علماً بأن هذا التدبير يرتكز عليه العمل الصحافي اليوم في إيران، ويغني الصحافيين عن تحركات ميدانية. لذلك، بات الوصول إلى المستشفيات حكراً على القنوات الرسمية، التي تصل إليها، أحياناً، وتنشر تقارير مصورة منها.
أما السبب الثاني الذي يعقّد العمل الإعلامي هذه الأيام في إيران في ما يرتبط بكورونا، فهو أنّ المعلومة التي قد يصل إليها الصحافيون من مصادرهم في ضوء المشاكل آنفة الذكر، قد تنظر إليها السلطات على أنها "شائعات" أو "أكاذيب"، ما يسبب مشاكل لهم، قد تصل إلى عقوبة السجن لثلاث سنوات، بحسب المتحدث باسم لجنة القضاء البرلمانية، حسن نوروزي، في حديث لوكالة "خانه ملت" التابعة للبرلمان الإيراني. إذ قال إن نشر "الأخبار الكاذبة عن انتشار فيروس كورونا في المجتمع يعتبر جرماً، عقوبته من سنة إلى ثلاث سنوات".
لم يتعرض الصحافيون الإيرانيون لهذه العقوبة بعد، إلا أنّ وسائل إعلام محلية، كشفت خلال الأسابيع الأخيرة عن استدعاء صحافيين إيرانيين من قبل المحاكم، لانتقادات على طريقة تعامل وزارة الصحة مع الوضع الراهن أو لنشر أرقام مغايرة عن تلك التي تنشرها الوزارة حول أعداد الضحايا والمصابين، فضلاً عن اعتقالات طاولت ناشطين إعلاميين على مواقع التواصل الاجتماعي، ليسوا صحافيين، لكنهم يزاولون المهمة نفسها تقريباً، وذلك بتهمة نشر "شائعات". وأشار موقع "رويداد 24" الإيراني، في تقرير نشره في 14 من مارس/ آذار الجاري، إلى استدعاء كل من الصحافي والمخرج حسين دهباشي، والصحافي مصطفى فقيهي، وهو مدير موقع "انتخاب" الإخباري الإصلاحي.

وفي هذا السياق أيضاً، أعلنت معاونية الشؤون الصحافية والإعلامية بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، يوم 18 من الجاري، أنها وجهت تحذيرات إلى ثلاث صحف، هي "الشرق" و"أفتاب يزد" الإصلاحيتان وصحيفة "وطن أمروز" المحافظة، بسبب انتقادات لعمل اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا.
ولا يخفى أيضاً أن كورونا قد ترك آثاراً أخرى على الصحف الإيرانية، وبينها كان التقليل اللافت في عدد نسخها المطبوعة، بسبب تجنّب الكثير من المواطنين الخروج من المنازل أو عمل عدد كبير من الموظفين من البيوت، وفقاً لما أورده موقع "فراز" الإيراني، في تقرير نشره في العاشر من الجاري.
والاثنين الماضي، أعلنت وكالة "فارس" الإيرانية (محسوبة على الخط المحافظ)، وفاة رئيس تحرير الفترة الصباحية في الوكالة عبد الله سيد أحمدي زاويه، في أحد مستشفيات العاصمة طهران، بعد إصابته بفيروس كورونا. فيما أعلن رئيس وكالة أنباء الإذاعة والتلفزيون، مهرداد سيد مهدي، في تغريدة على "تويتر"، أن 19 من مراسلي التلفزيون الإيراني مصابون بفيروس كورونا المستجدّ.
تعليق: