الشعر الشعبي: ذاكرة المجتمع الحساني

21 ديسمبر 2015
الصورة
(بيروت: المركز الثقافي العربي، 2014)
+ الخط -
ثمّة شعر متوحّد بذاته ومتفرد في بحوره ومعانيه و"تبراعه" ظهر في أرض "البيضان" بعد أن استقرت بها قبائل بني حسّان العربية من بني سليم ومعقل، حين زحفت من الصعيد المصري عبر شمال إفريقيا مرورا بالمغرب الأٌقصى ثم وصولا إلى بلاد شنقيط بداية القرن الثامن الهجري.

توطنت هذه القبائل في صحراء الملثمين وسيطرت على السلطة فيها وتداخلت لغتها مع مجموعة من اللهجات المحلية (الصنهاجية، البنيارية) وغيرها ليصلنا الشعر الشعبي الحساني على ما هو عليه الآن.


إن كان الشعر "أسمى الفنون جميعا" وفق أطروحة هيغل، فإن الـ"لَغْن" أو الشعر الشعبي الحساني أسمى ما عبّر عن ثقافة أهل "البيضان" وذاكرتهم، امتدادا من واد نويد إلى نهر السينغال جنوبا، ومن المحيط الأطلسي إلى مالي شرقا. ضمت اللغة الحسانية التي تعود إلى فصيلة اللهجات البدوية المشرقية وتختلف عنها بمستواها التركيبي. وفي هذا الطرح، يجد الباحث المغربي إبراهيم الحيسن في كتابه "الشعر الحساني-الصور البلاغية والأنساق الموسيقية" بأن هذه اللغة تتميز في "صوتها"، أي أن "بنية الخطاب فيها شفهية بامتياز"، وتحتفي بالكلام أكثر من الحرف، حيث وضعت للحرف شروطا حتى ينتظم داخل وحدة كلامية مؤسسة على ضوابط وزنية لبحر شعري، وتتم صياغته وفق تراكيب لغوية سهلة.

أنجز المثقف الصحراوي، إن أمكن القول، بحثه حول مستوى النصوص والمصطلحات والتوثيق والمعلومات، فقد جمع عددا لا يستهان به من متون الشعر، تتفاوت في موضوعاتها ومعاجمها وجماليتها التي كشفت عن مدى ارتباط الشعر الحساني بالشعر العربي الفصيح، وعن انفتاحه على المعجم الصنهاجي والموسيقى الإفريقية وثقافة الطوارق، وعن جذوره الممتدة للأزجال الشعبية العامة التي رافقت دخول عرب بني معقل إلى الصحراء الصنهاجية ودونت أولى الأشعار قبل اندلاع حرب "ببّة" الشهيرة بأربعين عاما.

شكل الشعر الحساني ثلاث مراحل أنطولوجية تشابهت في أولها وحدة الشعر الحساني "الكَاف" مع بيت الشعر العربي الفصيح، ثم مرحلة "اتهَيْدين" الذي يعد أقدم صنف في الشعر الحساني وكان بمثابة زجل شعبي عامي. أما الثالثة فكانت الركن الذي اهتم به الباحث جليا وتفصيليا، وهو تزاوج الشعر "لَغْن" المكون من (23 بتّا- بحراً) مع الموسيقى "إيكّاون".

تنطلق المقامات الموسيقية "اظهورَت لْهَول" كما يراها الباحث من الوزن ومن الحركات المنطوقة وتعتمد على تساوي الأشطر "تيفلواتين" وتوافقها في القافية والروي على غرار تفعيلات الشعر العربي الفصيح. ولكن العلاقة الوظيفية التي حكمت الشعر بالموسيقى أظهرت تشابها بين عدد البحور، وتحركت فيها الموسيقى أفقيا لتمزج أصول ومرجعيات الشعر من جهة، وتغلغلها داخل طبقات مجتمع البيضان من جهة أخرى.

أصبحت الموسيقى دعامة الشعر، وتوطدت العلاقة التبادلية بينهما بعد أن وُضعت حروف خاصة لضبط التفعيلة الشعرية وحروف أخرى مغايرة تحدد النبرات الموسيقية، ومثلت "موسيقى الأنساق العروضية لدى الكثيرين الحد الفاصل بين الشعر وقسيمه المسمى نثراً".

هنا، يستخلص الحيسن في نهاية الفصل الرابع "الشعر والموسيقى-معايشة جمالية" أن "نمطين موسيقيين حكما الشعر، موسيقى دلالية تحكمها قواعد علميّ العروض والقوافي، وثانية مستقرة وداخلية تنبع من طبيعة المفردات والألفاظ التي يجتازها الشاعر مع ما يستلزم من حروف وعلامات".

لقد ظلّ الشعر الشعبي الحساني بنيويا وإيقاعيا ولغويا وحتى موسيقيا وفيّا لعُرف "التعويذة الكلامية" بفعل تأثره ببحور العربي الفصيح التي نشأت أوقات الحداء ومطابقا لها أيضا، إذ يرى الباحث أن مدلولاته تحركت وتفاعلت بين ثلاثة فضاءات: بصري وتحرك فيه الخطاب الشعري بكل مكوناته الشكلية والأسلوبية، ثم فضاء زماني متصل بزمن القصيدة (زمن لَغْن)، ثم الجغرافي الذي يجمع الزماني والمكاني معاً، وحتى يبقى لصيقا بالتجربة وقويا أضاف الغناء إلى عناصره، وتغذى من روافد عدة لنجد فيه التناص يحيل إلى مرجعيات ثقافية ودينية واجتماعية وأخرى تتعلق بالبيئة ومرجعية الترحال التي حققت قيمة كبرى في تأسيس الخطاب الشعري الحساني.

بالتالي، ساهمت هذه العوامل بتكثيف "التشكل الكلامي" للشعر الشعبي الحساني من خلال توظيف تقنيات التشبيه والتصوير وظاهرتي التدوير والصريع إلى جانب تقنية "التبوريد" أي اللعب بألفاظ القصيدة دون التأثير على وزنها، وأيضا التشريع أو التوشيح، والتوأمة، والترجمة التي حولت القصيدة من طابع تقليدي إلى آخر فصيح. وطاول في مطالعه ذاكرة المجتمع الحساني بمجملها، حتى عن التابوهات المسكوت عنها، مثل الحب الذي كان يخلق في سرية تامة، فجاءت النساء الحسانيات بـ"التبّراع".

شعر يخص تجاربهنّ في التغزل بالرجال. فعاد إبداعا كلاميا على المستوى الجمالي الصوتي وعلى مستوى الروافد، وتطور إلى جنس أدبي رئيسي متفردا داخل النسيج الثقافي الشعبي بفعل مثنويته، أي اعتماده قافية واحدة في شطريه، مما جعله يشبه "الإبغرام"*.


برعت الحسانيات بـ"التبراع" وألقينه بعيدا في شعاب الأودية والكثبان الرملية عند تحلقهنّ حول "الشنة" أو "الطبل"، يشكين غياب المحبوب، حيث "لا نجد لهذا الغرض النسائي ضربا في الشعر العربي وإن كانت النساء في تلك العصور يذكرن الرجال، لكن بنفس النمط الشعري الذي يذكرهن به الرجال".

الإبغرام: قصيدة موجزة مكونة من بيتين تنقش على قبور الموتى تخليدا لذكراهم.

(صحفية فلسطينية)



المساهمون