السيطرة على الشهباء: مفتاح الشمال السوري مقسَّم "شرقية وغربية"

السيطرة على الشهباء: مفتاح الشمال السوري مقسَّم "شرقية وغربية"

28 يناير 2016
الصورة
أقدم مدينة مأهولة في التاريخ (Getty)
+ الخط -
تحتدم المعارك حول حلب، ثاني أهم المدن السورية، وأكبر المحافظات لجهة عدد السكان، وعاصمة الاقتصاد المنهار. تحاول جميع الأطراف الوصول إلى عاصمة الشمال السوري، لأنها تعي أهمية المدينة في معادلة النزاع على سورية.

اقرأ أيضاً: تركيا محذّرة أميركا: لن نقبل ممراً كردياً على حدودنا

حلب، هي أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وميدان حضارات تعود إلى 13000 عام قبل الميلاد، ومن حجارتها البيضاء والسوداء جاء لقبها الأشهر (الشهباء). ترددت في الانخراط بالثورة في عام 2011، وهي التي تجرعت المرارة في عام 1980 عندما حاولت مقاومة الاستبداد، حين ارتكبت قوات النظام في ظهيرة عيد الفطر مجزرة في حي المشارقة لم تفارق ذاكرة الحلبيين لقسوتها.

انضمت جامعتها وبعض أحيائها إلى الثورة في البداية، فقد خرجت تظاهرات حاشدة قابلها النظام وشبيحته بقسوة مفرطة، لعلمه أن حلب بثقلها الاقتصادي والسكاني تحدد مصير سورية. بدأ ريف حلب يخرج عن سيطرة النظام في العام الثاني من الثورة، فاقتربت فصائل المعارضة من حلب شيئاً فشيئاً، حتى جاء شهر يوليو/تموز، فسيطرت قوات المعارضة على بعض أحيائها الغربية، وأحيائها الشرقية الأكثر فقراً في المدينة. 

دخل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) إلى بعض أحيائها الشرقية، خصوصاً في حيي الشعار والصاخور، غير أنه لم يمكث طويلاً، إذ لفظته حلب إلى ريفها الشرقي في بداية عام 2014، حيث فرض التنظيم سيطرة مطلقة على مدن وبلدات وقرى هذا الريف المتصل جغرافياً بريف الرقة الغربي.

في الأشهر الأخيرة من عام 2013، بدأ طيران النظام حملة براميل شرسة على أحياء حلب الشرقية، حيث ارتكب مجازر مروعة، ودمر العديد من أحيائها؛ فاتجه نحو مليون من أهلها إلى الشمال، حيث الجارة تركيا، وتوزعوا في مدنها، خصوصاً في غازي عينتاب التي باتت اليوم "بنت حلب". 

في جنوب الشهباء، تدور المعارك منذ بدء الطيران الروسي تدخله في سورية أواخر سبتمبر/أيلول الماضي. ولا تزال قوات النظام والمليشيات اللبنانية والعراقية والإيرانية، تحاول التقدم في ريف حلب الجنوبي، حيث جرت معارك كر وفر. تكبدت خلالها القوات المهاجمة خسائر فادحة بالأرواح والمعدات رغم تقدمها النسبي في عدة مناطق وتشريدها لغالبية سكان هذا الريف، الذي يعد من أفقر المناطق في سورية. غير أن وتيرة المعارك هدأت أخيراً بسبب الظروف الجوية.

واستطاعت قوات النظام التقدم نحو مطار كويرس العسكري شرق حلب في الشهر الأخير من العام المنصرم، إثر قصف جوي من الطيران الروسي ومساندة من مليشيات طائفية، فكسرت الحصار الذي كان يضربه تنظيم "داعش" على المطار الأكبر مساحة في سورية.

ويحاول جيش النظام والمليشيات الطائفية فتح خط إمداد آخر لما تبقّى له من مواقع ومعاقل عسكرية داخل الأحياء الغربية من حلب، حيث تدور معارك بين وقت وآخر، خصوصاً على محور حي الراشدين الذي تسيطر عليه قوات المعارضة السورية. 

يقول المحلل العسكري العقيد مصطفى البكور، في حديث مع "العربي الجديد"، "تكتسب حلب أهمية استراتيجية انطلاقاً من موقعها الجغرافي كمدينة كبرى في شمال سورية، إضافة إلى كونها مدينة صناعية بامتياز". ويضيف "من يسيطر على حلب يستطيع التحكم بالشمال السوري، ومن ثمَّ يتحكم بحركة العبور بين الداخل السوري، والحدود التركية، ويفصل منطقة الجزيرة السورية عن الداخل السوري".

وعن القوة التي من الممكن أن تحسم الصراع الدائر، يعتقد بكور أن قوات النظام المدعومة بمليشيات طائفية وبغطاء كثيف من الطيران الروسي، وفي ظل تحركات تنظيم "داعش" التي وصفها بـ"المريبة" ربما تستطيع تغيير معادلات المعركة بصعوبة، في حال ما لم يتم تغيير موازين القوى على الأرض لصالح الثوار بزيادة الدعم والحشد.

وأشار البكور إلى أن "إعادة السيطرة على حلب وريفيها الشمالي والغربي من قبل قوات النظام، يعني أن الإمداد للثوار في إدلب وحماة واللاذقية سوف ينقطع، وتصبح مناطق إدلب تحت النيران، ومناطق ريف حماة التي يسيطر عليها الثوار محاصرة".

وتتميز محافظة حلب بتنوعها البشري، بحيث تضم غالبية مكونات الشعب السوري. ورغم أن العرب هم النسبة الأعلى بين سكانها، إلا أن ريفها يضم قرى كثيرة ينتمي إليها سوريون أكراد، خصوصاً مدينة عفرين شمال غربي حلب، ومدينة عين العرب ومحيطها، حيث تتمركز ما تُسمى وحدات (حماية الشعب)، وهي الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والذي يُعرف اختصارا بـ (PYD). كما ينتشر التركمان في عدة مناطق في ريف حلب، لهذا أعرب بكور في سياق حديثه مع "العربي الجديد" عن اعتقاده بأن التنوع البشري في حلب ومحيطها  يمكن أن يجعل منها بؤرة نزاع كبرى.

ودخلت في الفترة الأخيرة "قوات سورية الديمقراطية" التي تضم خليطاً من فصائل عربية وكردية وتركمانية معادلة الصراع على حلب، حيث تدور رحى معارك شمال حلب وشرقها بين هذه القوات المدعومة من قبل الطيران الروسي وطيران التحالف الدولي، وبين تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي يسيطر على مجمل ريف حلب الشرقي وأجزاء من ريفها الشمالي.

واستطاعت "سورية الديمقراطية" انتزاع السيطرة على مواقع استراتيجية شمال شرق حلب من تنظيم "داعش"، في مقدّمتها سدّ تشرين بالقرب من مدينة منبج والذي يعد من المنشآت المائية الكبرى في سورية، ومن المتوقع أن تتحرك هذه القوات باتجاه مدينتي منبج والباب شرقي حلب.

وتجري مناوشات بين هذه القوات وبين فصائل المعارضة السورية في شمال حلب، حيث تُتهم "سورية الديمقراطية" التي تشكّل وحدات (حماية الشعب) الكردية القوة الأكبر فيها بـ "مشاغلة" قوات المعارضة لصالح قوات النظام. غير أن طارق أبو زيد، المتحدث باسم "جيش الثوار" المنضوي في هذه القوات، نفى في حديث مع "العربي الجديد" هذه الاتهامات، مؤكداً أن مهمة "قوات سورية الديمقراطية" هي قتال تنظيم "داعش"، متهماً فصائل في المعارضة السورية بمهاجمة مواقع للقوات شمال حلب، وقتل عناصر تابعين لها، مضيفاً: "قمنا بالرد على العدوان". ويرى أبو زيد أن حلب هي أهم محافظة سورية في الشمال ولهذا تحاول قوات النظام، وتنظيم "داعش" السيطرة عليها بأي ثمن.

ويتابع أبو زيد أن "أمام هجوم قوات النظام وتنظيم "داعش" تشكّلت غرف عسكرية للدفاع عن حلب، ومعظمها باء بالفشل فلم تستطع إيقاف تقدم التنظيم، فسلكنا نحن في قوات سورية الديموقراطية خطة جديدة غير تلك التي سلكها الثوار، ألا وهي ضرب تنظيم "داعش" في عمقها لنخفف عن حلب، وهذا ما تم بالفعل، فبعد سيطرتنا على سد تشرين بات موقف (داعش) شمال حلب ضعيفاً وهشاً".

اقرأ أيضاً: "سورية الديمقراطية" تنفي سيطرة قوات أميركية على سدّ تشرين 

ويؤكد أبو زيد أن كل القوى تحاول السيطرة على حلب "والكل يدعي القدرة على ذلك". ويضيف "ولكن الأيام هي ستثبت من هو القادر على السيطرة". وخلص إلى القول إن "استراتيجية (قوات سورية الديمقراطية) واضحة، وهي طرد (داعش) من كامل التراب السوري، والأولوية لما يضعه العسكريون من خطط تتناسب مع إضعاف العدو".

تعيش "الشهباء" اليوم على وقع المعارك في جهاتها الأربع، وهي تترقب المجهول بعدما هجرها عدد كبير من أهلها، ودمرت غالبية مصانعها، وباتت "غربية" و"شرقية"، وكأن المتنبي الذي خاطب في يوم بعيدٍ سيف الدولة بالقول: "وسوى الروم خلف ظهرك روم فعلى أي جانبيك تميل"، يصف حال حلب اليوم، حيث تكاثر عليها الأعداء من كل جانب "حتى تكسرت النصال على النصال".

المساهمون