السلطة وتغييب المؤسسات

السلطة وتغييب المؤسسات

24 يونيو 2018
الصورة
كشف مرض عباس مؤخراً الكثير من الحقائق(عباس مومني/فرانس برس)
+ الخط -
يتقاطع النظام السياسي الفلسطيني في كونه جزءاً من المنظومة العربية بجل تركيباتها ومكوناتها، وإن كانت الحالة الفلسطينية تعكس واقعاً مصغراً رغم خصوصيتها كونها ما زالت تحت وقع الاحتلال، لكن ما يجمع بين المنظومة العربية والفلسطينية هو الفردانية والشخصنة واحتكار القرار، وكلا المنظومتين لا تعترفان بالنظريات السياسية المتعلقة بعملية صنع واتخاذ القرار سواء فيما قاله "دافيد ايستون" أو ما قاله "غابريل الموند" أو غيرهما من علماء النظرية السياسية، ولست بمعرض التنظير هنا لواقع صناعة القرار السياسي فلسطينيا كان أم عربيا، ولكن التجربة الفلسطينية استطاعت في العام 2006 أن تقدم نموذجا لمظهر من مظاهر التحول الديمقراطي ممثلا في الانتخابات التشريعية التي بُترت بعد عام واحد أو أقل من حدوثها، وبالتالي تم وأد واحدة من أهم التجارب التي كان يُمكن البناء عليها والتأسيس لها، حتى بات احتكار القرار وشخصنته وتغييب المؤسسة واحداً من أهم المواضع التي أقرتها الحالة الفلسطينية ومررتها وقبلتها.
وكشف مرض الرئيس محمود عباس مؤخراً الكثير من الحقائق المسكوت عنها داخلياً، أهمها أن هناك تشخيصاً بالفعل وإدراكاً مسبقا بعملية الاحتكار والشخصنة، فالرجل أقر بذلك فور اجتماعه باللجنة المركزية لحركة فتح في رام الله عقب خروجه من المستشفى منتصف شهر رمضان وقال متوعدا ومتعهدا بأنه "سيعمل على إرساء نظام المؤسسات، بدل نظام الفرد الواحد". وأضاف في أول مهمة له بعد خروجه من المستشفى: "إذا المؤسسة تعمل، فإن كل الأمور تكون بخير ولا داعي للقلق، لأنه بصراحة نحن لا نريد أن تبقى ثقافة الفرد، بل نريد ثقافة المؤسسة... من العيب أن نقول إن المؤسسة دولة واقفة على شخص، البلد عامرة برجالها".
تشابهت الظروف التي مرض فيها الرئيس أبو مازن مع تلك الأجواء التي تزامنت مع سقوط طائرة الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات في السابع من إبريل/نيسان من العام 1992، حينها تساءلت قيادات فتح كيف ستدفع رواتب الحركة؟!، ليكتشفوا جميعا أنهم لا يعرفون شيئا ولا توجد حسابات مصرفية واضحة، وما أشبه حالة اليوم بالبارحة فالراتب حتى اللحظة هو مربط الفرس، فكل السلطات كانت وما زالت مركّزة بنص القانون وغير القانون بيد الرئيس.
لا توجد مؤسسات -باعتراف الرجل- ترعى انتقال السلطة، ولا نائب للرئيس يمكن أن يشغل منصب الرئاسة حال شغوره حتى هذه سكت عنها المُشرع الفلسطيني، والآن بعد مضي أكثر من عقد على وجود أبو مازن في رئاسة السلطة ورئاسة فتح ورئاسة المنظمة يريد استدراك ما فاته ويبني دولة المؤسسات التي لا تزول بزوال الأفراد، لا بدافع مهني ولكن لأن المرض غيب الرجل لثمانية أيام، فاكتشف أن بطانته ومقربيه كانوا يتربصون بالكرسي ويتقاسمون الرئاسات بينهم.
لست بمعرض الخوض في حيثيات مرض الرئيس والروايات التي تزامنت مع الحدث وتعلقت بخليفته وبمن سيرثه، خاصة أنه لا خليفة ولا نائب للرئيس وهو ما سكت عنه المُشرع في القانون الأساسي الفلسطيني، فعلى الرغم من أن المُشرع لم يُغفل الحالات التي يغيب فيها الرئيس ومن يحل محله، إلا أنه لم يتطرق من بعيد أو قريب إلى نائب الرئيس وأسقط الحديث عنه، وأقصد هنا رئيس السلطة الفلسطينية، فالحالة الفلسطينية واستغراقا في الاحتكار والشخصنة أقرت أن يكون الرئيس رئيس السلطة ورئيس المنظمة ورئيس حركة فتح، وحدث أنه اقترح في بعض الأحيان ولتجاوز عقدة تسمية رئيس الحكومة بين حماس وفتح أن تطوع الرجل - الرئيس- بأن يكون هو أيضا رئيس الحكومة وربما وزير الداخلية والخارجية أيضا.
هكذا بدت الحالة الفلسطينية قبل التحرير والاستقلال وبناء الدولة وهي حالة ممتدة ومتجذرة ولا تتوقف عند تسمية رئيس فلسطيني بعينه، الاحتكار صناعة فلسطينية بامتياز ومحمية قانونية والانقسام جاء ليُكمل ما ينقص لاحتكار القرار، وبالتالي نحن أمام عملية تكامل ما بين القانوني والسياسي في إجازة وتمرير الاحتكار وشخصنة القرار، بدليل نص القانون الذي أعطى للرئيس بغض النظر عن شخصه واسمه صلاحيات مفتوحة حتى أن من حق الرئيس أن يُسن تشريعات لها قوة القانون، وبالتالي المشكلة ليست في شخص الرئيس الراحل ياسر عرفات ولا في شخص أبو مازن ولا في شخص الرئيس القادم، لكن القانون الأساسي الفلسطيني يُقر الفردانية ويؤسس لشخصنة القرار والتفرد به، وهو ما أفضى للواقع الحاصل الآن في اختطاف المشروع الوطني الفلسطيني.
احتكار القرار الوطني لا يتعلق بقيام السلطة فقط ولا باحتكار شخص الرئيس لصناعة القرار فقط، احتكار القرار مرض مزمن في الحالة الفلسطينية ويمتد من احتكار الفرد للقرار إلى احتكار التنظيم أو المؤسسة للقرار، فحركة فتح منذ نشأتها وهي تحتكر القرار الوطني وتحتكر توصيف وتسمية الحزب الحاكم ولم يُعرف عنها منذ نشأتها أن كانت فتح يوما في موقع المعارضة مثلا أو مارستها.
إن الموضوعية تقتضي القول إنه قبل الحديث عن الديمقراطية والتعددية والحرية والصلاحيات والمساءلة والشفافية وتجاوز مرحلة احتكار القرار والفرد القائد والقائد الرئيس وقبل الذهاب بعيداً في وعود بناء دولة المؤسسات قبل ذلك كله تجب إعادة النظر في ما خصصه القانون الأساسي للرئيس من صلاحيات تقر كلها وتقنن احتكار القرار، واكتفي بعرض عينة فقط، تقول المادة (36) مدة رئاسة السلطة الوطنية هي المرحلة الانتقالية، ويتم انتخاب الرئيس بعد ذلك وفقاً للقانون. (لم يُعرف المشرع ما هي المدة الانتقالية)، وتنص المادة (39) رئيس السلطة الوطنية هو القائد الأعلى للقوات الفلسطينية. (هو هنا رئيس وقائد). وتنص المادة (40) يعين رئيس السلطة الوطنية ممثلي السلطة الوطنية لدى الدول والمنظمات الدولية والهيئات الأجنبية وينهي مهامهم، كما يعتمد ممثلي هذه الجهات لدى السلطة الوطنية الفلسطينية. (الرئيس هنا هو وزارة الخارجية أيضا)، وتنص المادة (42) لرئيس السلطة الوطنية حق العفو الخاص عن العقوبة أو تخفيضها، وأما العفو العام أو العفو عن الجريمة فلا يكون إلا بقانون.( هو السلطة القضائية هنا).
وتذهب المادة (43) لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون.( الرئيس هو السلطة التشريعية هنا أيضا). وتقول مادة (45) يختار رئيس السلطة الوطنية رئيس الوزراء ويكلفه بتشكيل حكومته وله أن يقيله أو يقبل استقالته، وله أن يطلب منه دعوة مجلس الوزراء للانعقاد.
تلك عينة من مواد القانون الأساسي الفلسطيني التي تُقر الاحتكار وتقننه، ويُكمل الانقسام المفضي لتغييب المجلس التشريعي باقي حلقات التفرد والاحتكار، وبهذا يُقر الفلسطينيون التفرد قبل إقرارهم وبنائهم للدولة وغُيبت المؤسسات بنص القانون وبمزاجية صانع القرار وبالاتفاق على إدامة الانقسام.
وفي الوقت الذي تواجه فيه القضية الفلسطينية عموماً جملة من المخاطر غير المسبوقة والتي تستهدفها والثوابت الوطنية، تتطلب الشراكة والاتفاق والوحدة والتكامل يُصر كل فريق أن يكون هو الحزب الحاكم ليتفرد بالقرار بعدما ارتضت باقي المؤسسات الغياب والتغييب.

المساهمون