السلطة الفلسطينية وأموال المقاصة... هل انتهت الأزمة؟

08 أكتوبر 2019
الصورة
السلطة الفلسطينية تقول إنها ستستلم أموال المقاصة (Getty)

بعد أيام من إعلان عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" ورئيس هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ، عن إبرام اتفاق خلال لقائه الخميس الماضي، وزير المالية الإسرائيلي، يقضي بتحويل دفعة من مستحقات السلطة الفلسطينية المالية "أموال المقاصة" مع إبقاء الخلاف قائماً على رواتب عائلات الأسرى والشهداء التي خصمتها إسرائيل، يبقى السؤال عن جدوى الاتفاق في ظل استمرار قرصنة إسرائيل مخصصات الشهداء والأسرى والجرحى؟

وأكدت السلطة على لسان أكثر من مسؤول فيها أن رواتب الشهداء والجرحى والأسرى لا يمكن التنازل عن دفعها، لكن بقيت تساؤلات للشارع الفلسطيني حول آلية إنهاء الأزمة، التي أكدت السلطة منذ بدايتها أنها لن تستلم تلك الأموال ما دامت إسرائيل تخصم منها أموال الشهداء والأسرى والجرحى، وهو ما لم يتم بعد نحو سبعة أشهر.

السلطة تصر بأن الاتفاق إنجاز

وعلى الرغم من الإعلان عن الاتفاق باستلام أموال المقاصة والذي أعلن عنه الشيخ عبر تغريدات على موقع تويتر، ثم تبعتها تصريحات لمسؤولين فلسطينيين، إلا أن الفلسطينيين لا يعلمون آليات إنهاء الأزمة، وسط مطالبات بإيضاح ما جرى، فيما عده مسؤولون فلسطينيون أنه "إنجاز" لموافقة إسرائيل بعد 19 عاماً على تفعيل اللجان الفنية المنبثقة عن اتفاق باريس واجتماعها الأحد الماضي، لبحث كل الملفات وتغيير الآليات والمطالبة بإعادة كل الحقوق المالية الفلسطينية، علاوة على موافقة إسرائيل من حيث المبدأ على إعادة نقاش اتفاق باريس الناظم للعلاقة الاقتصادية بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وأوضح الشيخ بتصريحات له، خلال لقاء عقدته غرفة صناعة وتجارة رام الله والبيرة الإثنين، أن القيادة الفلسطينية بدأت بشكل مكثف بمطالبة الجانب الإسرائيلي وجهات إقليمية ودولية، بإعادة النظر في اتفاق (باريس) الاقتصادي التزاماً بقرار القيادة السياسية بإعادة النظر بكل الاتفاقات الموقع عليها بين الفلسطينيين وإسرائيل.

ويرى الشيخ بعدم بقاء البعد الاقتصادي المتعلق بـ "بروتوكول باريس" منذ عام 2000، مؤكداً أن المعركة لم تبدأ مع الإسرائيليين من اقتطاعاتها لأموال الأسرى والشهداء، وأن تعطيل اللجان الفنية، كان طريق القرصنة والسرقة من إسرائيل، لذا جاء القرار بعدم استلام الأموال ناقصة، إلا إذا وافقت إسرائيل من حيث المبدأ على فتح بروتوكول باريس وإعادة إحياء اللجان الفنية المعطلة. ويعتبر الشيخ أن التعهد بفتح النقاش في اتفاق باريس، إنجاز للشعب الفلسطيني وكذلك تفعيل اللجان الفنية، فهي أهم من أموال المقاصة نفسها لأنها إيقاف لقرصنة إسرائيل للأموال الفلسطينية، مؤكداً أن الامتحان الحقيقي سيكون خلال الأسابيع القادمة.

وأشار إلى أن وزير المالية الإسرائيلي، اعترف له شخصيًا أن "هناك فساداً وسرقة من أموال السلطة، وخاصة في معالجة المرضى الفلسطينيين في المشافي الإسرائيلية".

وأضاف: "خلال اللقاء أصررنا على أن رواتب الأسرى والشهداء، ستدفع مهما كان الثمن، وبدون تفعيل اللجان الفنية بيننا وبينهم لن نستلم أموال المقاصة حتى لو وصل الأمر إلى انهيار السلطة، إذ إن خيار انهيار السلطة وارد في ظل الأزمة المالية والتي كادت أن تعصف بالنظام السياسي الفلسطيني كله"، مشيراً إلى أن حرباً مفتوحة بكل الأوجه على السلطة في ظل وجود قرصنة إسرائيلية وأن السلطة مكشوفة الظهر عربياً ومحاصرة أميركا بهدف تركيع السلطة سياساً للقبول بصفقة القرن.


اشتية: أزمة الأموال المحتجزة لم تحل

وبرغم الاتفاق الذي أعلن عنه حسين الشيخ بشأن حل أموال المقاصة، إلا أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، أكد في كلمة له بمستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة، التي عقدت الإثنين، في رام الله، "إن المشكلة مع الجانب الاسرائيلي (الأموال المحتجزة لدى إسرائيل)، لم تحل حتى هذه اللحظة، لا توجد حكومة في إسـرائيل لتأخذ قراراً سياسياً في هذا الأمر".


اشتية أكد أن الحكومة ستبقى ملتزمة برواتب الشهداء والأسرى، وقال: "منذ اليوم الأول للأزمة، بقينا أوفياء ودفعنا كامل الاستحقاقات لجميع الأسرى والشهداء".

وأوضح اشتية "وصلتنا دفعة بقيمة 1.5 مليار شيقل (عملة إسرائيلية)، وعلينا ديون للبنوك وصلت لـ480 مليون دولار، وأصبحت البنوك تعاني من نقص سيولة جدية. هناك لجنة مشتركة تناقش كل الاستحقاقات المالية لنا، من رسوم المعابر والخصومات غير المدققة، وجميع حقوقنا بما فيها خصومات الأسرى، وهي إجراءات مالية أحادية تهدف الى الابتزاز السياسي، ونحن لم نخضع لذلك، وسنبقى نطالب بكل قرش من استحقاقاتنا".



نزول السلطة عن الشجرة

وبرغم التفاؤل الرسمي بالاتفاق، إلا أن عدة خبراء اقتصاديين ومسؤولين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي اعتبروا أنه "نزول للسلطة عن الشجرة"، حيث اعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الأميركية والخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم في حديث لـ"العربي الجديد"، بأن ما حصل هو نزول للسلطة عن الشجرة، مع تفهمه لتبريرات ذلك النزول بأنه تحت ضغط الحاجة الاقتصادية واستنفاذ كل الخيارات والمراهنات التي كانت لدى السلطة الفلسطينية، وقال عبد الكريم "الموضوع استلام أموال بدون تسوية موضوع خصم مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى".

ويرى عبد الكريم أن الفلسطينيين حاولوا تسويق هذا التنازل وتمريره للناس بشكل ذكي، عبر ربطه بإعادة إحياء اللجان الفنية لنقاش القضايا المالية العالقة، وبالتالي كأنه انتصار فلسطيني أعاد تلك اللجان التي غيبت لتسعة عشر عاماً، لأن هذه اللجان ستكشف محاولات الاحتلال سرقة الأموال، وتمكن من إعادتها.

عبد الكريم قال إن ما هو معروف بالاتفاق الأخير هو تحصيل الأموال، وعودة  اجتماعات اللجان الفنية، ولكن سيبقى ما هو طي الكتمان مرهوناً بنتائج تلك الاجتماعات.

وحول تعديل اقتصاد باريس قال "خطاب الرئيس محمود عباس ورئيس هيئة الشؤون المدنية أظهرا وكأن هذا الاتفاق سيمهد لفتح بروتوكول باريس الاقتصادي من جديد وتعديله، وكأنها رسائل إلى الفلسطينيين والمجلسين الوطني والمركزي بأن هناك إنجازاً فلسطينياً، وأن السلطة ستفي بوعود إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية، لكن هذا خارج السياق الذي قصدته قرارات المجلس الوطني والمركزي".

ويرى عبد الكريم بأن أية تعديلات على بروتوكول باريس لن تؤدي إلى إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية، لأن الاحتلال يدرك أهمية الاقتصاد للفلسطينيين، ويمسك اليد التي توجعهم، ولو أدخلت نصوص مرضية للفلسطينيين على البروتوكول لن تلتزم بها بحكم القوة على الأرض.

ما حصل هو شراء للوقت من الطرفين، يشير عبد الكريم، الذي يوضح "من تنازل هم الفلسطينيون، يشترون وقتاً لأنهم بحاجة لتخفيف الضغط الاقتصادي، لأنها قد تعود بالسلب على مشروعية وهيبة السلطة، وقيمتها الاقتصادية لدى الناس، وهو أيضاً شراء وقت من الإسرائيليين لأنهم لا يريدون انفجاراً في الوضع".

 وتوقع عبد الكريم انتهاء أزمة المقاصة نهائياً خلال شهرين أو على أبعد تقدير مع بداية العام القادم، باستلام السلطة للأموال مع بقاء الخصم، لكن بالاستمرار بالمطالبة بتلك الأموال وربما عن طريق لجان تحكيم، والاستمرار بدفع مرتبات الأسرى والشهداء.

مطالبات بتوضيح ما جرى

تساءل مغردون ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عن أبعاد القرار وأسبابه مطالبين بتوضيح، الصحافي فادي العاروري أورد في تساؤله "إذا تم الاتفاق على تحويل جزء من مستحقاتنا (مع إبقاء) الخلاف على خصم مستحقات أسر الشهداء والأسرى، هل ممكن أسال ليش حالة الحرمان اللي دخلنا فيها بإرادتنا طوال الأشهر اللي فاتت وهينا رجعنا وافقنا على تلقي جزء من أموال المقاصة (مع الاحتفاظ) على موقفنا؟ بالمشرمحي لشو تعربشنا على الشجرة واحنا مش قدها؟".


وطالب إبراهيم مسلم على تويتر بالتوضيح متسائلاً "ألا يستحق الشعب توضيحاً من السلطة حول الأسس التي أعادوا استلام جزء من أموال المقاصة، بعد أن عانى المواطن الأمرين نتيجة قرار عدم استلام هذه الاموال؟ ولماذا لم يتم تحويل المبلغ كاملاً للسلطة؟".


وبذات السياق، طالب جاد قدومي بتصريح رسمي من الناطق باسم الحكومة: "ما الذي يحدث لو خرج علينا الناطق باسم الحكومة وقال: بعد أن طالت الأزمة تراجعنا عن موقفنا وفضلنا استلام المقاصة منقوصة مع الاستمرار في دفع رواتب الشهداء، على أن لا نتنازل عن الباقي؟!".


أما مدير ائتلاف أمان للنزاهة والمساءلة مجدي أبو زيد فعلق على طريقة إعلان القرار والاتفاق مع الاحتلال عبر تغريدات لرئيس هيئة الشؤون المدنية حسين الشيخ عبر تويتر: "لو كنت رئيس حكومة مجتهد وعندي مشروع مثل رئيس حكومتنا وعرفت عن موضوع أموال المقاصة واللجان المشتركة من تغريدة تويتر لعضو مركزية بقدم استقالة حكومتي على الفيسبوك".


ونشر بعض النشطاء تصميمات تقارن بين إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعدم استلام الأموال منقوصة، وبين القرار الأخير باستلامها مستخدمين هاشتاغ #مش_قدها.