السعودية وحرب اليمن: الغضب يتصاعد

04 أكتوبر 2019
الصورة
تحوّلت المناطق الحدودية السعودية لمدن منكوبة (فايز نورالدين/فرانس برس)
+ الخط -
تحوّلت الحرب التي أدخل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بلاده فيها ضد الحوثيين في اليمن، من حرب كان يتوقع ألّا تستغرق سوى بضعة أشهر، إلى مستنقع دموي علقت فيه القوات السعودية، وتكبّدت خسائر كبيرة على الصعيدين البشري والمعنوي. وتحوّلت المناطق الحدودية السعودية مع اليمن إلى مدن منكوبة، بفعل الهجمات المتتالية لجماعة "أنصار الله" (الحوثيين). وعلى الرغم من الخسائر العسكرية الكبيرة التي يتكبّدها الجيش السعودي والحرس الوطني، الذي استنزفت قدراته العسكرية وهو يخوض الحرب الحدودية الشرسة، فإن نظام الحكم السعودي يحاول احتواء الغضب الشعبي المتزايد عبر تجاهل وجود الخسائر تارة، ومحاولة تبريرها وتكذيبها تارة أخرى.

وفي سياق الغضب على بن سلمان، ذكرت وكالة "رويترز" أن بعض أفراد الأسرة الحاكمة ونخبة رجال الأعمال في السعودية عبروا عن إحباطهم منه، في أعقاب أكبر هجوم على أرامكو الشهر الماضي. وقال دبلوماسي أجنبي رفيع المستوى وخمسة مصادر تربطها علاقات مع العائلة المالكة ونخبة رجال الأعمال، للوكالة، إن هذا الأمر أثار قلقاً وسط عدد من الفروع البارزة لعائلة آل سعود، بشأن قدرة ولي العهد على الدفاع عن البلاد. وقال أحد المصادر "ثمة حالة استياء شديد من قيادة ولي العهد. كيف لم يتمكنوا من رصد الهجوم؟". وأضاف أن بعض الأشخاص في أوساط النخبة يقولون إنهم "لا يثقون" في ولي العهد، الأمر الذي أكدته المصادر الأربعة الأخرى والدبلوماسي. وينظر بعض الأمراء إلى الأمير أحمد بن عبد العزيز، البالغ من العمر 77 عاماً، وهو الأخ الشقيق الوحيد للملك سلمان المتبقي على قيد الحياة، كبديل ممكن أن يحظى بدعم أفراد الأسرة والجهاز الأمني وبعض القوى الغربية، على حد قول اثنين من المصادر الخمسة التي تربطها علاقات بالنخبة السعودية.

وأعلن الحوثيون في مؤتمر صحافي في 28 سبتمبر/أيلول الماضي، "أسر المئات من الجنود السعوديين واليمنيين خلال هجوم واسع في محور نجران، ووجود عدد كبير من القتلى وتدمير عدد من المركبات والمعدات". وحاولت السلطات السعودية تجاهل الإعلان الحوثي واعتباره مجرد "كذبة"، لكن تغطية وسائل الإعلام المتواصلة لدعاوى الهجوم الحوثية دفعت السلطات السعودية إلى تنظيم مؤتمر صحافي، أعلن فيه المتحدث باسم التحالف الذي تقوده السعودية تركي المالكي، أن كلام الحوثيين مجرد "مسرحية"، وأن الحوثيين تعرضوا لخسائر كبيرة في الأيام الأخيرة، ملقياً باللوم على وسائل الإعلام العالمية بتغطيتها المتواصلة لما سمّاه مزاعم الحوثيين بتعرض القوات السعودية للخسائر. وأكد أيضاً أن "التحالف ليس لديه ما يخفيه".

لكن مؤتمر المالكي الذي نفى فيه ما سمّاه الادعاءات الحوثية وتجاهل الإعلام السعودي نقل حقيقة ما يجري من حرب دموية في أرض المعركة، لم يُلغ حقيقة وجود مئات الأسرى من الجنود السعوديين لدى الحوثيين، ولم يُلغ حقيقة وصول عشرات التوابيت أسبوعياً إلى عائلات القتلى من العسكريين في مناطقهم ومدنهم المتفرقة. ونشر الحوثيون مقاطع فيديو لجنود سعوديين، ذكروا فيه أسماءهم الكاملة والألوية التي ينتمون إليها. وكان من الواضح انتقاء الحوثيين للأسرى المنتمين إلى قبائل سعودية كبيرة، وذلك لضرب المعنويات الشعبية في البلاد.

ويتصاعد الغليان داخل الشارع السعودي بفعل الحرب اليمنية والخسائر المتتالية التي تتعرض لها العائلات السعودية بفقدانها أبناءها في هذه الحرب الطاحنة. وقال المعارض السعودي عبد الله الغامدي، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك غضباً كبيراً داخل الشارع السعودي، بسبب محاولة نفي وجود خسائر كبيرة، أو التقليل من حجمها في حال حدوثها، وتصويرها على أنها مجرد حوادث عرضية، وليست خسائر كبيرة تهدد بنية الجيش السعودي الضعيفة أصلاً". وأضاف الغامدي: "هلّل الكثير من السعوديين للحرب في بدايتها، حتى أولئك الذين هم على خلاف مع الأسرة الحاكمة، إذ كانوا يعتقدون بضرورة استئصال المليشيات الحوثية والنفوذ الإيراني الذي يتنامى خلف ظهر البلاد، أي اليمن. لكن لو سألت الجميع اليوم، بمن فيهم الموالون لمحمد بن سلمان نفسه، والمؤمنون به، فإنهم سيقولون إنهم يتمنون انتهاء هذه الحرب المفزعة اليوم قبل الغد".

ولا يبدو أن بن سلمان ورجاله المحيطين به من مستشارين وأمنيين يأبهون لحقيقة الخسائر السعودية الكبيرة في الحرب، إذ سبق لبن سلمان أن قال إن "الوقت في اليمن من صالحنا"، متجاهلاً الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها قواته والمليارات التي يصرفها نظامه شهرياً عليها. ويرى الكثير من السعوديين أن ولي العهد السعودي أشعل الحرب في اليمن وزجّ جنوده في معركة كبيرة ومحرقة لا تنتهي، من أجل أغراض الدعاية والتسويق لاسمه فور صعود والده إلى سدة الحكم في عام 2015، وقراره تعيين ابنه وزيراً للدفاع من دون أي خبرة عسكرية أو سياسية أصلاً. ويعتقد السعوديون أن بن سلمان أشعل الحرب الحدودية الطاحنة، ثم نسي وجودها، وتفرغ لمشاريعه الخاصة التي تهدف إلى خصخصة الدولة، وتطبيق السياسات النيوليبرالية، وصرف مئات الملايين على جلب الفرق الموسيقية والمسرحية ومهرجانات الترفيه، على الرغم من رفع الدعم عن الكثير من السلع، وخصم جزء لا يستهان به من رواتب الموظفين الحكومية، بسبب الصعوبات الاقتصادية التي يعانيها النظام السعودي.

وقال المعارض السعودي البارز، رئيس منظمة القسط لحقوق الإنسان يحيى عسيري، لـ"العربي الجديد"، إن القيادة السعودية منفصلة عن الواقع، وتقوم بخيارات لا تعلم ماهيتها في الكثير من الأمور، وأهمها الحرب في اليمن، التي اتُّخِذ قرارها بطريقة ارتجالية وكأنها نزهة بالنسبة إلى بن سلمان حين كان وزيراً للدفاع في عام 2015. وأضاف عسيري، الذي يتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقراً له، أن "بن سلمان لا يهتم لأبناء الوطن الذين يسقطون في هذه الحرب الدموية، لأنه منفصل عن واقعه السعودي، وجل اهتمامه هو القيام بحفلات الترفيه ودفع المبالغ الطائلة لها". وتساءل: "ماذا نسمي تصريحات رئيس هيئة الترفيه ومستشار بن سلمان وصديقه في الوقت نفسه، تركي آل الشيخ، بأن هناك ميزانية تبلغ مئات الملايين ستصرف على المطربين والمطربات والفعاليات الترفيهية، في الوقت الذي يعاني فيه الجنود السعوديون البسطاء من وقف خدماتهم، ومنع عائلاتهم من التصرف بأموالهم، بحجة وجود قروض مصرفية عليهم، نتيجة قلة رواتبهم وتدنيها؟ إنه مؤشر حقيقي على عدم اهتمام بن سلمان بجيشه، بل وبحربه على اليمن، ما سيؤدي إلى إضعاف العقيدة القتالية، الضعيفة أصلاً".

المساهمون