جولة السترات الصفراء في الإعلام الفرنسي: استمرار الضغط وانتظار النقاش الوطني

06 يناير 2019
الصورة
من الجولة الثامنة (مايكل ستوباك/nurphoto)
+ الخط -
لا تزال حركة "السترات الصفراء" مستمرة بعد مرور خمسين يوماً على انطلاقتها. وهذا رغم وقف السلطات للزيادة على المحروقات ورغم الإجراءات الحكومية من أجل دعم القدرة الشرائية، ورغم قبول بعض شرائح السترات الصفراء بهذه الإجراءات وانسحابها من الاحتجاج.

وقد عادت السترات الصفراء، بعد خفوت خلال فترة الأعياد، أقوى، فتحدثت إحصاءات الشرطة، ولا إحصاء آخر، عن خروج 50 ألف متظاهر في فرنسا.

وليس سراً أن كثيراً من وسائل الإعلام الفرنسية أصبحت أكثر انتقاداً لهده الحركة، وتركز غالباً على مظاهر العنف التي تتخللها، مع التهوين، ما أمكن، من العنف البوليسي، المستخدم ضد المتظاهرين، وهو ما يدفع قطاعات كبيرة من المتظاهرين إلى الاعتداء وطرد الصحافيين من المتظاهرين وإلى الاعتصامات وتنظيم وقفات أمام بعض مقرات الصحف ووسائل الإعلام.

ولم تَسلم تظاهرات أمس السبت 5 يناير/كانون الثاني 2019، من هذه القراءات. وركّزت كل القنوات التلفزيونية، بشكل كبير، على مظاهر اشتباك بين متظاهرين ورجال الدرك، أسفرت عن جرح أحد الدركيين (سيتوقف 15 يوماً عن العمل)، وتناقلت صور الاشتباك، ثم حادث اقتحام بعض المتظاهرين لمقر وزارة الناطق الرسمي باسم الحكومة، بنجامان غريفو، الذي لم يُخف من بداية الحراك عداءه للحركة من خلال تصريحات لم تكن دائما موفقة، وكان آخرها عشية الحراك، حين اعتبر أن ما تبقى من متظاهري السترات الصفراء "مثيرو قلاقل"، وغرضهم "قلب الحكومة".

من جانبها، تساءلت صحيفة "لوباريزيان": "أي مستقبل للسترات الصفراء؟"، ورأت أنه "بعد العنف الجديد الذي طبع الجولة الثامنة يجب العثور على مَخْرَج". وركزت الصحيفة على دخول بعض المتظاهرين بالقوة إلى مقر وزارة الناطق باسم الحكومة، الذي تم إجلاؤه، واعتبرته حدثاً يجعلنا نتساءل عن المستقبل السياسي للحركة.


وفي اعتراف بفشل الرهان على خفوت الحراك، كتبت الصحيفة: "من ركَّز على 10 مليارات يورو أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون، وعلى وهَن التعبئة على مفترقات الطرق في البرد أثناء الأعياد، سيصابون بالخيبة". وكشفت أن مصادر في الوزارة الأولى تقرأ في الحراك "انخفاضاً في التعبئة وأيضاً ظهور راديكاليةٍ لدى من يأتون ليكسروا"، آملةً في أن تفقد السترات الصفراء مصداقيتها لدى عموم الشعب الذي لا تزال أغلبيته تؤيدها.
ورأت الصحيفة وجود نقاشات كثيرة داخل الحراك، حول الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها: "إنشاء قائمة خاصة في الانتخابات، أم قبول عروض بعض الأحزاب التي تريد التحالف معها، أم أخذ الوقت الكافي والضروري لتنظيم أمورها، بعيدا عن النقاش الوطني وتخطي الانتخابات الأوروبية".
وأضافت الصحيفة أن بعض السترات الصفراء تستهويهم تجربة حركة 5 نجوم الإيطالية، ولكن الحركة تنقصها وجوه لتجسيد الغضب. فرغم بروز أسماء جاكلين مورو ومكسيم كوشي وكريستوف شالونسون وآخرين، لكن لا أحد استطاع أن يجمع الكثير من حوله، كما هو حال "بيبي غريو" الإيطالي. واسترسلت الصحيفة اليمينية: "وحتى إيريك درويه، الشخصية الأكثر شهرة في الميديا، والذي أثار إعجاب ميلانشون، ولكنه يسبب نفور كثيرين، لم ينجح في احتلال هذا الدور".
وتحدثت الصحيفة عن التحديات التي يجب على السترات الصفراء رفعها، ومن بينها "توضيح مواقفهم من العنف المبالغ فيه"، وتأسفت الصحيفة في أسلوب اتهامي، وفي نوع من الرغبة في اختيار من يكون الناطق باسم السترات الصفراء: "في الوقت الحاضر، إنّ من يدعون إلى الانتفاضة، ويضاعفون من التصريحات التي تتحدث عن المؤامرات، لا يزالون يتحدثون باسم السترات الصفراء"، في إشارة إلى مكسيم نيكول.

التهويل من العنف الذي جرى أمس ورد أيضاً في عنوان مقال في "ويست فرانس": "50 ألف متظاهر، صدامات في باريس والأقاليم واكتساح وزارة". وكتبت الصحيفة، التي أشارت لخروج 50 ألف متظاهر مقابل 32 ألفا في السبت الذي قبله، أن "السترات الصفراء نجحت في رهانها في تعبئة عدد أكبر. على الرغم من أن وزير الداخلية أكد أن هذه الحركة (لا تمثل فرنسا)".
وفي نوع من الانفتاح على السترات الصفراء، ومن التأكيد على أن خطها السياسي مستقل ومهني، كتبت الصحيفة أنّ قناة "بي إف إم تي في" التي تعرض كثير من صحافييها للاعتداء والطرد، وغالباً ما أطلق المتظاهرون شعارات قاسية ضدها: "سوف تقوم، ابتداءً من يوم الأحد 6 يناير/كانون الثاني، بتوظيف الناشطة من السترات الصفراء، القادمة من الميدان الطبي، إنغريد ليفاسّور، معلّقة في أحد برامجها الإخبارية، بين الساعتين السادسة والسابعة مساء".

ولخصت "لوفيغارو" ما جرى أمس بعنوان: "إيقاف 35 متظاهرا في باريس، و"الملاكم" الذي اعتدى على الدركي لا يزال طليقا".


صحيفة "لوموند" تحدثت عن عودة السترات الصفراء إلى الشارع، ونشرت شهادات بعضهم: "نحن نريد أن نكون أسياد أنفسنا". وآخرون تظاهروا، من دون سترات صفراء، كالمتقاعدة التي حرصت على التظاهر، رغم تقاعدها المريح، 2000 يورو: "حتى لا تخفت حركة السترات الصفراء. ومن أجل من يعيشون في ظروف صعبة. ولأنه لا أحد يسمعهم، فإن التمرد سيتحول إلى ثورة".
وكتبت الصحيفة أن قضية القدرة الشرائية لا تزال في قلب المطالب، ولكنها ليست المطلب الجوهري: "المطلب الرئيسي يتمثل في الكرامة، والاحترام والاعتبار"، وهو ما تنص عليه الرسالة المفتوحة التي وجهتها السترات الصفراء ردا على خطاب ماكرون الأخير الذي يهدد فيه المتظاهرين بالنظام الجمهوري: "الغضب يمكن أن يتحول إلى كراهية، إذا واصلتم اعتبار الشعب شحّاذين".
وأنهت الصحيفة مقالها بأنه "يصعب العثور على انسجام بين المواضيع التي يطرحها متظاهرو السترات الصفراء، ولكن الجميع يتفقون حول نقطة واحدة: يُطلَب دائماً من الفقراء بذل تضحيات". وأضافت الصحيفة الفرنسية أن هؤلاء المتظاهرين يتفقون على نقطة ثانية: "يرفضون إدانة العنف رغم أنه تجاوز خطا آخر، عبر الدخول إلى مقر وزير". وأخيرًا يتفقون على أن يعودوا للتظاهر "إذ لا نرى شيئاً يمكن أن يقنعنا، من الآن فصاعدًا، بوقف قضاء أيام السبت في باريس"، وختمت بالقول "بدأت السنة الجديدة، كما انتهت السنة القديمة، بالرغبة في القتال".

موقع "ميديا بارت" الإخباري رأى في ما جرى أمس، "السترات الصفراء تواصل الضغط في كل أنحاء فرنسا". وأشار الموقع إلى الرغبة في التشدد التي عبرت عنها الحكومة طيلة الأسبوع الماضي ضد السترات الصفراء الذين يواصلون التحدي، وخاصة بنجامان غريفو الذي أعلن أنه بعد الإعلانات الحكومية، لم يعد من داع لمواصلة الحراك، وأن من يواصل التظاهر: "انخرطوا في صراع سياسي من أجل انتقاد شرعية الحكومة ورئيس الجمهورية".
وذكّر الموقع بأمثلة القمع التي مارستها السلطات، والتي عبر عنها اعتقال إيريك درويه، وهو وجه من وجوه السترات الصفراء. وهو ما ردت عليه السترات الصفراء بتقديم شكوى لدى "المدافع عن الحقوق"، بسبب ما عبر عنه ثلاثة محامين: من أن "القانون الجنائي لم يصنع كي يستخدم من أجل تكميم ما يتعلق بالحقوق الديمقراطية، وخاصة الحق في التظاهر".


أما صحيفة "لوجورنال دي ديمانش" المقرّبة من الإيليزيه، فركزت في صفحتها وملفها الرئيس على النقاش الكبير الذي يريد الرئيس ماكرون منه أن يهدئ الأوضاع في البلاد، وأيضاً الاستجابة بطريقة أو بأخرى، لمطلب رئيس من مطالب السترات الصفراء وأحزاب سياسية عديدة.
وكتبت الصحيفة أنه بينما طبع العنف تظاهرات أمس، فستبدأ يوم 15 يناير/كانون الثاني، الاستشارات التي أرادها ماكرون، للخروج من الأزمة. ورأت الصحيفة فيها "ضربة بوكر"، مؤكدةً على تشديد ماكرون على "عدم المساس بالبرنامج الذي انتخب عليه سنة 2017". ونقلت الصحيفة عن مقرب من الحكومة قوله: "إنه لا يجب تقديم الانطباع بأننا نحاول شغل الناس وفي النهاية لا نأخذ بالحسبان ما تم تداوله. ولكن خطوط السياسة الحكومية معروفة. يمكن تكييفها، من دون التشكيك في أسسها". وحذّرت الصحيفة من الذكرى الأليمة للنقاش الذي أجراه الرئيس الأسبق للجمهورية ساركوزي حول الهوية الوطنية.
وحاورت الصحيفة رئيسة اللجنة الوطنية للنقاش العمومي، شانتال جوانو، التي ستشرف على النقاش الكبير. وأكدت جوانو على أنه "لا يمكن محو خشونة الوضع، وإلا فسنفقد مصداقيتنا"، وشددت على ضرورة الخروج بنتائج ملموسة، وإلا فإن "العملية ستكون مُكْلِفة". وتحدثت عن مواضيع النقاش التي ستكون مفتوحة، دون رقيب، عدا الشتائم: "ومن بينها العدالة الاجتماعية والضريبية، إضافة إلى مطالب العائلات التي يغيب فيها أحد الوالدين، والإعاقة.. وستناقش حتى الأخبار المغلوطة.."
ونشرت الصحيفة نتائج استطلاع للرأي أظهر ميل الفرنسيين إلى التغيير، فـ82 في المائة يؤيدون خفض ثلث عدد البرلمانيين، و80 في المائة يريدون الاعتراف بالورقة البيضاء في التصويت، ونفس النسبة تؤيد إرساء استفتاء المبادرة المواطنية، و77 في المائة يؤيدون إعادة فرض الضريبة على الدخل.
ولم يغب العنف عن الصحيفة فأوردت أن ما تعرض له مقر الوزير غريفو، يوم أمس، حدث أيضا قبل أسابيع، ولكن الوزير قرر هذه المرة استدعاء الشرطة. كما تحدثت الصحيفة عن صعوبة تحديد الضالعين في أعمال العنف، وهو ما يضطر السلطات المعنية إلى القيام بعمل صعب وطويل، يستلزم مشاهدة مئات الساعات من الفيديوهات، ولكن لا شيء يمكن فعله في ظل "غياب كاميرات مراقبة، أي بلا صور، وبحضور رجال مقنّعين ويضعون قفازات في أيديهم".
أما في بعض مواقع الاحتجاج البعيدة عن العاصمة، وعلى مفترقات الطرق، فإن المتظاهرين، كما كتبت الصحيفة "لا يثقون في النقاش الكبير، الذي بشّر به ماكرون"، والذي يراه مفتاحًا لاستعادة شعبيته المنهارة، وتنفيذ إصلاحاته المؤجَّلة، أو بعضها على الأقل.

المساهمون