السؤال الذي سقط بين فوكو وكانط

21 يوليو 2020
الصورة

ميشيل فوكو وإيمانويل كانط

"لقد ثمّن فوكو طبيعة سؤال كانط المبدعة، في نهاية القرن الثامن عشر، بيد أنه أعتقد أن هذه الأسئلة لم تعد هامة، إذ إن الهدف اليوم ليس معرفة من نحن، بل رفض من نحن".
وائل حلاق (قصور الاستشراق)
دوّن إيمانويل كانط (كانت) جوابه على القس يوهان فردريك زولنر، في السؤال الذي أضحى إحدى المقدمات الكبرى لمدخل التنوير الأوروبي، ما هو التنوير؟ وفي ترجمة كانط حكاية تبدو في هامش حياته، لكنها تحتاج إلى توقف عميق. هو صاحب الرحلة الفلسفية المهمة، لم يغادر مدينة كونيغسبرغ، مسقط رأسه في بروسيا التي كانت تحت الإمبراطورية الألمانية، بمعنى أنه كتب كل نظرياته الفلسفية في مؤلفاته داخل رحلته المحدودة بين أطراف المدينة وجامعتها. أمضى جزءاً كبيراً من حياته ضمن هندسة أثاثٍ واحدة، لم يكن خلالها يُفضّل أي تعديلٍ على مواقع أثاثه، وأن كرسيه بقي منصوباً إلى النافذة في اتجاه واحد. وحين كبرت شجرة جاره أثرت على مزاجه كثيراً، حين تغيّر المشهد، فطلب من جاره إزالتها ففعل.
كان كانط يبحر في نحته الفلسفي، من خلال هذه الزاوية، فماذا لو كان قد عدّل زاويته قليلاً، وأصبح يُرى ما هو خلف ذلك الأفق البعيد، وعلى الرغم من كل تلك التقليدية الصلبة، لكن كانط حقّق هذا الحضور الواسع والتجديدي في مداولات الفلسفة المعاصرة، فكيف يكون محدوداً برؤيته، ولماذا نادى فوكو إلى ما بعد كانط، أو رفض البقاء على مسلماته.
ليمضي فوكو ليس في تنحية القوة المضللة التي وصل إلى تفكيكها، ولكن لتكريس فلسفته وصناعة حداثةٍ جديدة، تنتشر معالمها اليوم تحت ثنائية الجندر القهري والإلحاد العدمي، وميشيل فوكو ملهِم في عالمها. 
لنترك هذا الجدل قليلاً، حول فوكو ونعود إلى كانط... تظهر رسالة كانط في اتجاهين، المسار الحقوقي والحرية تحت رسالة التنوير للإنسان، والثاني موقف جديد من الدين، ممكن أن نضعه في مسار الدين الأخلاقي، ففي رسالته يركز كانط بمنهجيةٍ متسلسلةٍ في تفكيك الوصاية، وتأصيل معنى الحرية في الخلاص منها، يُظهر، بوضوح وبمنهجية متواصلة، رفض الوصاية السياسية على العقلين، الديني والعلمي، ويُشجع، في رسالته، القس يوهان باعتباره قسا تنويريا، ويرفض وصاية القصر على ما أسماه العهد الديني.

يمضي فوكو ليس في تنحية القوة المضللة التي وصل إلى تفكيكها، ولكن لتكريس فلسفته وصناعة حداثةٍ جديدة، تنتشر معالمها اليوم تحت ثنائية الجندر القهري والإلحاد العدمي

الحرية الفكرية في رسالة كانط، يقوم تحقيقها على رفض الوصاية، حيث لا تولد الحرية من دون رفض الوصاية على العقل، ولكنه يُتبعه بمسألة الاستقلال والشجاعة الفردية. وسيبقى نص رسالته للحرية علامةً فارقة في تاريخ الفلسفة، وتحريراتها عالمياً، لكن كانط، في الرسالة نفسها، يتحدث أيضاً عن الدين، بوصفه مكونا في توازنات العلاقة الإنسانية للبشر. ويتمسك بهذه المعادلة ويجعل ميزان تقدير دور الدين، في رعاية الروح الأخلاقية، لكنه يؤكّد أنه لا يجوز للكاهن أن يطبق العهد المسيحي على حرية العقل، لكنه يرى أن لذلك مساحة زمنية، بحيث يطرح الكهنة المسيحيون رؤيتهم التنويرية، مع احترام الرؤى التقليدية الأخرى.

ما هو دين كانط الأخلاقي، وما هو الشرط المعرفي، أو إعادة الهيكلة التي يحتاجها ذلك الدين، وحدّدها كانط في رسالته؟

من الواضح هنا أن كانط يتحدث عن عقل ديني محدّد، وموقفه المجمل من العلوم، في مقابل العقل العلمي التجريبي. ونحن اليوم إذ نعود إلى مساءلة ميشيل فوكو في رفض من نحن، مدخلا جدليا أوليا، فإن الأسئلة هنا نحو كانط تدور عن أي عقل ممكن أن يُفهم جوابه وفلسفته، هل العقل العلمي هو العقل الجسمي، هل هو تلك الخلايا والأعصاب التي يصدُر من وعائها الفكر، هل يصدر من وعائها الفكر المتمرّد على الوصاية المستبدّة، أم أن هذا العقل هو وعاء مادي لتلقّي الفكرة وسماع الحرف، وتأمل المشهد.. إذن ما الفارق بين عقل كانط وعقل رهبانٍ فَرضوا الوصاية؟ يُطرح هنا بناءً على ذلك تساؤل آخر، هل العقل هو مخزون الفكرة والتحليل الذي يمارسه، عقل الروح أو عقل الوجدان الذي دُمج في الإطار البيولوجي لحياة البشر، ولكنه اختلف بين عقل وعقل آخر، بحسب المخزون المعرفي.

الحرية الفكرية في رسالة كانط يقوم تحقيقها على رفض الوصاية، حيث لا تولد الحرية من دون رفض الوصاية على العقل، ولكنه يُتبعه بمسألة الاستقلال والشجاعة الفردية

وإذن هل نحن أمام معادلة أخرى، هي محل جدل فلسفي قديم وحديث، أن العقل هنا هو تلك الكينونة المعرفية، لا خلايا الجسم التي تتحوّل إلى التراب، بعد أن تنتهي حياتها، ولا تختلف بين أي عقلين، هل كان كانط يقارب مسألة الدين من خلال هذه القاعدة. ولذلك بقي الدين الأخلاقي حاضراً لديه. وهنا يُطرح سؤال آخر، ما هو العقل التجريبي إذن! هل هو مخزون المعرفة، أم نسيج التخلّق؟ يعيدنا هذا الحوار إلى الحصيلة التي تشكلت لدى كانط في زمنه، ثم ظروف الفكر العقلي والعقل الديني في حينه، وبالتالي في ميدان التحرير الفلسفي المطلق، نحن أمام أسئلة كبرى، ما هو الدين الذي يعنيه كانط، ما هو حدوده؟ إن كان الدين مرتهنا بمحيط أوروبا في حينه، فإن له نمطا محدّدا. وبناء عليه، ما هو دين كانط الأخلاقي، وما هو الشرط المعرفي، أو إعادة الهيكلة التي يحتاجها ذلك الدين، وحدّدها كانط في رسالته.

تحت قاعدة رفض من نحن، ونحن هنا هو القوة الفلسفية للنطاق المركزي، منذ عهد كانط إلى عهد فوكو، ويندرج فوكو تحتها، وقد تبنّى تحرير الفكرة وتاريخ الواقع وجذورها (الجندرية) من السائد والقوة في زمنه، نفهم تعامل المشهد الفلسفي اليوم، خصوصا أن منتجاته تمثل اليوم حركة التقليد الفلسفي والحداثي الجديد في العالم، وتتمسّك أيضاً بنظرية فوكو، ولكنها لا تطرح رفض من نحن الفوكوية، في معاهد الشرق أو الاستقلال المعرفي الكلّي، فالولاء للفوكوية منع نظرية فوكو نفسه في رفض السائد. فما هو المعادل العقلي الذي سيصل إليه كانط أو فوكو لو تغير لديه نموذج القياس، واطلع على دلائل أخرى في تعريف العقل، وفي عقل المعرفة والحرية، وما هي الوصاية التي تحجبها اليوم؟