الزواج إلى انخفاض في سورية

الزواج إلى انخفاض في سورية

19 مايو 2016
الصورة
انخفضت أعداد الأعراس نتيجة للظروف الصعبة (كرم المصري/Getty)
+ الخط -
ترخي الأزمة السورية حملها على المواطنين، مخلّفة مشاكل وأزمات على مختلف الصعد، طاولت آثارها تفاصيل حياة هؤلاء بكلّ أبعادها. وقد يكون من أخطر الأزمات اجتماعياً ارتفاع نسبة الزواج المبكر، والعنوسة، والعنف ضد المرأة، ما يترك آثاراً سلبية على المكوّن الأساسي للمجتمع وهو العائلة.

يقول الناشط في ريف حمص يعرب الدالي لـ"العربي الجديد" إنّ "معظم السوريين كانوا طوال عقود استبداد السلطة بالحكم، يعانون من سوء الإدارة. على الرغم من تنوّع الاقتصاد السوري وكثرة خيرات البلاد، إلا أنّ الغالبية العظمى كانت تعاني من الفقر والتهميش وانعكاساتهما الاجتماعية. جاء الحراك المناهض للسلطة وتطوّر إلى صراع مسلح، ففجّر تلك الأزمات.

ويلاحظ اليوم ارتفاع نسبة الزواج المبكر والعنوسة والعنف ضد المرأة". يضيف: "يظنّ الأهالي أنّ ارتفاع نسبة العنوسة عائد إلى انخفاض أعداد الشباب، فمنهم من هاجر إلى خارج البلاد أو التحق بالقوات العسكرية المتصارعة على الأرض، بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة من القتلى. هذا الأمر فاقم المشكلة وترك آثاره السلبية على الشابات والعائلات، في ظل مفاهيم اجتماعية تدين المرأة غير المتزوجة أو المطلقة أو حتى الأرملة".
يتابع أنّ لا "إحصاءات دقيقة حول هذا الموضوع لحساسية البحث فيه وغياب الجهات المختصة حالياً، إلا أنّ من المتوقع أن يتجاوز عدد النساء غير المتزوجات اللواتي تتراوح أعمارهنّ بين 25 عاماً و40 عاماً في الرستن مثلاً، ثلاثة آلاف حالة في نحو 12 ألفاً و500 أسرة، من بينها أسر نازحة من باقي مناطق حمص".

من جهتها، تقول الطالبة الجامعية هناء إنّ "مدينة الرستن تُعدّ مدينة ريفية كمعظم المدن السورية، وتحكم أهلها مجموعة من العادات والتقاليد الاجتماعية التي يتوارثونها منذ زمن بعيد، ومنها ما يتعلق بالزواج. من المعروف أن الشابة عقب إنهاء دراستها، تنتظر أن تتزوج وتستقر. لكنّ الواقع الحالي يشكّل قلقاً كبيراً لشريحة واسعة من الشابات اللواتي حان وقت الزواج بالنسبة إليهنّ. هنّ بتن ينتظرن المجهول، وأصبح احتمال بقائهنّ في بيوت أهاليهنّ يكبر". تضيف أنّ "العادات القديمة المتخلفة في المجتمع الشرقي، ما زالت تلعب دوراً بارزاً في زيادة عدد غير المتزوجات في المنطقة. الفتيات بأغلبهنّ يتعرّضن لحصار خانق وكبت لحريتهنّ من قبل عائلاتهن. حتى أنّ الأمر يصل أحياناً إلى حدّ ضربهنّ في حال تجاوزن الحدود المرسومة لهنّ من قبل الأسرة، انطلاقاً من مخاوف الوقوع في ما يعدّه المجتمع عاراً أو حراماً، مع العلم أنّ ذلك قد لا يتجاوز تبادل الشابة أطراف الحديث مع أحد الشبان".



وتلفت هناء إلى أنّ "الظروف الاقتصادية اليوم، باتت تشكل أبرز عائق أمام الشباب. شبان كثر من عائلات حسنة الخلق، يصطدمون بطلبات أهل العروس التي يعجز معظمهم عن تأمينها حالياً. أما الأهل، فينصبّ تفكيرهم على تأمين حياة ابنتهم، وليس إضافة فرد جديد إلى العائلة، أي الصهر، كي ينفقوا عليه".
ويؤكّد الدالي أنّ "ما يزيد من هذه الظاهرة هو ارتفاع نسبة الفقر". ويلفت إلى أنّ "مدينة الرستن تشهد حصاراً وانقطاعاً لسبل الحياة وغياب فرص العمل. وفي الوقت نفسه، ما زالت العادات تهيمن على المجتمع. المطلوب من الشاب تأمين المجوهرات والملابس والبيت والمهر وأشياء أخرى قبل الزفاف. وهو مما يصعب تأمينه في الظروف الحالية". يضيف أنّ "في ظل عدم الإقبال على الزواج، هناك عائلات تزوّج بناتها وهنّ قاصرات بأعمار صغيرة جداً، ما يتسبب في تعرضهنّ لمشاكل صحية واجتماعية كالطلاق. تضاف إلى ذلك مشكلة الأرامل ونساء المعتقلين والمفقودين، واللواتي يتعرّضن لضغوط اجتماعية كبيرة تقيّد حريتهنّ".

يقرّ ناشطون بأنّ الحلول المقترحة ما زالت غير فاعلة أو مؤثّرة، كدعوة رجال الدين الشبان المقتدرين مالياً إلى الزواج بأكثر من شابة بحسب الشرع، وهم قلة قليلة. كذلك، ثمّة حديث عن العمل على توعية المجتمع حول ضرورة تيسير أمور الزواج والتخفيف من الطلبات التي يترتب على الشاب تأمينها. أيضاً، ينادي الشباب بتغيير العادات والتقاليد المتعلقة بالزواج، بسبب الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، وذلك وفقاً لمعطيات الواقع. ويرى هؤلاء أنّ العمل على نشر الوعي بين الشباب وتخفيف الكبت الذي يتعرّضون له وتسهيل أمور الزواج، قد تساهم في تخفيف هذه الظاهرة الاجتماعية السلبية.

تجدر الإشارة إلى أنّ مختلف المناطق السورية تعاني من أزمات مماثلة اجتماعياً واقتصادياً، في ظلّ نزوح وهجرة نحو نصف الشعب السوري، ومقتل نحو نصف مليون شخص، واعتقال أو إخفاء وخطف أعداد كبيرة أخرى.