الريف المصري بين الأزمة الاقتصادية والتهميش

الريف المصري بين الأزمة الاقتصادية والتهميش

09 مارس 2017
الصورة

مزارع في حقل في دلتا النيل(26/1/2017/فرانس برس)

+ الخط -
أصبح موضوع الأزمة الاقتصادية في مصر محل نقاش واهتمام مجتمعي واسع، إلا إن أغلب ما يطرح يبتعد عن تحليل أثر الأزمة على أوضاع الطبقات والفئات الاجتماعية، وكيف أثرت على أحوالهم المعيشية، ويعد فقراء الريف من ضمن الفئات المنسية عن قصد، فلا يشملهم الخطاب الرسمي، ولا الخطاب الإعلامي التابع للسلطة، ومازالت الاهتمامات السياسية والأكاديمية بالريف محدودة، وتتجاهلها، فهي تنصب على المدن، بوصفها فاعلا سياسيا قويا، قياسا بالريف الذي تنخفض فيه معدلات المشاركة السياسية، وكذلك ينطلق التناول الرسمي والإعلامي لمشكلات الفقر من المدن وينتهي إليها، فيهمش الريفيين والفلاحين من مساحات النقاش داخل المجال العام. وعلى الرغم من أن كثيرين من النخب هم من أبناء الريف، إلا أنهم حين يهجرون مناطقهم الريفية غالبا ما يهجرون الحديث عنها، كأنهم يهربون من معاناةٍ عايشوها، بدلا من تناولها ومحاولة تغيرها. وهكذا يقذف الجميع مشكلات الريف والفلاحين، وكأنها كرات لهب ستحرقهم. وفي هذه الحالة، يتمدّد الإهمال والتهميش المقصود للريف على خارطة لها أبعاد طبقية وجغرافية ومعرفية.
لا تنفصل مشكلات الريف الاقتصادية والاجتماعية عن الأزمة الاقتصادية العامة، لكنها وبحكم ارتباطها بنمط الإنتاج الزراعي، تتفاقم كلما تراجع نشاط هذا القطاع، والذى تعتمد عليه المناطق الريفية في توفير فرص العمل والمحاصيل الغذائية. وبهذا التغيير الكارثي تزداد الهوة بين الريف والحضر، وتتسع معدلات الفقر، وينعكس ذلك على نمط الاستهلاك الذي يتسع فيه الإنفاق على الغذاء في مقابل باقي البنود، تتعدّد أشكال الفقر وأنماطه في الريف المصري، فإلى جانب الفقر النقدي المرتبط بمعدلات دخول العاملين في قطاع الزراعة، هناك فقر الخدمات وتدني مستوياتها. وهنا يبرز فقر الريف، بوصفه فقرا كليا ويشكل معاناة متعدّدة الأوجه.
كان تطبيق برنامج التحرير الاقتصادي في قطاع الزراعة عنوانا لتخلي الدولة المصرية عن
الدعم الموجه إلى الإنتاج الزراعي، ما ساهم في إفقار الفلاحين، وزاد من الفجوة الغذائية، لم تعد تتناسب المساحات المنزرعة بالحبوب والخضر مع نسبة السكان المتزايدة. وعلى الرغم من النداءات الداعية باستمرار الدولة المصرية بشأن الاستثمارات فى مجال الزراعة، فإن المساحات المنزرعة مازالت محدودة (16 مليون فدان)، وكذلك تراجع إنتاج بعض المحاصيل الغذائية والاستراتيجية مع تطبيق سياسة زراعة، تستبدل إنتاج المحاصيل الغذائية بالفواكه، لتصديرها والاستيراد بقيمتها المالية سلعا غذائية. وبهذه السياسة التي ثبت فشلها، انخفضت كمية الإنتاج المحلي من تلك المحاصيل، وتراجع متوسط نصيب الفرد منها، بينما ظل بعضها من دون زيادة. على سبيل المثال، قل الإنتاج المحلي من الخضروات والفاكهة، وكذلك انخفضت إنتاجية المحاصيل الزيتية والبقوليات من 2010 وحتى 2013، كما انخفضت كمية إنتاج لحوم الأبقار والجاموس، وزادت الدواجن بمعدلات بسيطة، بينما زاد السكان من 87 مليون إلى 84 مليون من 2010 وحتى 2013!!، وانعكس ذلك كله على معدلات ارتفاع الأسعار التى تنكوي بنارها الفئات الأكثر فقرا في الريف المصري، وريف الوجه القبلي خصوصاً.
ومع استمرار الدولة فى تنفيذ السياسات التي خربت الزراعة، ستتعمق أزمة الريف المصري، بما فيها عجز سكان الريف على تلبية الاحتياجات الأساسية من الغذاء. وتفيد الإحصائيات الرسمية بأن 56.7% من ريف الوجه القبلي لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، وهذه النسبة مرشحة للزيادة مع عدم تناسب المساحة المحصولية مع الاستهلاك، ما يزيد الفجوة الغذائية عموما.
كان إهمال الإنتاج الزراعي، وتطبيق سياسة تحرير أسعار مستلزمات الزراعة من أسمدة وآلات وتقاوي، وما زال، من أبرز أسباب ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وقد ارتفعت أسعار السلع عموما خلال نهاية عام 2016، فوصل معدل التضخم إلى 24.3%، بينما ارتفعت أسعار السلع الغذائية لتصل إلى ما يقارب 30%. وتشكل هذه السلع أبرز أبواب الإنفاق لدى الفقراء عموما، والريف خصوصا، حسب نتائج بحث الإنفاق والاستهلاك للأسر.
بينما ارتفعت أسعار خدمات النقل والصحة والتعليم إلى ما يقارب الثلث خلال عام 2016. وإذا أخذنا في الاعتبار الفارق بين تلك الخدمات في الريف والمدن، من حيث توفرها ومستوي جودتها، ندرك أن معاناة قطاع الريف أكبر. وهنا يشكل نقص الخدمات، بجانب آثار تراجع النشاط الزراعي، إطارا لاستدامة الفقر وزيادة معدلاته. وإن كان بعضهم يربط الفقر بالنساء، عبر مفهوم تأنيث الفقر، فان فقر النساء في الريف أشد قسوةً، نظرا لندرة فرص العمل فى ظل تراجع النشاط الزراعي الذي تستوعب فيه أعداد كبيرة من النساء والرجال. أضف إلى ذلك قلة المشروعات الصناعية عموما، وتراجع الصناعات المرتبطة بالمحاصيل الزراعية، مثل صناعات الغزل والنسيج المرتبطة بالكتان والقطن، والتي تراجع إنتاجها.
هناك ترابط بين النشاط الاقتصادي في الريف ونمط المعيشة، فنقص خدمات السكن وعدم وجود فرص عمل تدر دخلا يكفي أفراد المجتمع الريفي مع بروز أزمة السكن تدفع الفلاحين إلى بيع أراضيهم، للحصول على عوائد مالية أو بناء مساكن عليها. وهنا تتحول الأرض الزراعية من وسيلةٍ للإنتاج إلى سلعةٍ، سرعان ما تنتهي عوائدها ببيعها أو البناء عليها. ومن هذا المنطلق، يمكن الحديث عن ريفية الفقر أو ترييف الفقر، مصطلحاً موازيا لتأنيث الفقر، بل إن ترييف الفقر يتجاوز تأنيث الفقر. إذا كانت نساء المدن تتعرض للفقر، فان نساء الأرياف ورجاله أشد فقرا. فالريف المصري لم يعد يوفر من خلال النشاط الزراعي ما يسد بعض حاجات أبنائه، الأمر الذي ينعكس على تدني مستويات حياة الفلاحين، ويفاقم أزمتهم.

أزمة الخدمات
تبرز أزمة الخدمات في الريف المصري عموما قياسا بالمناطق الحضرية، وتتعاظم المشكلة
فيما يخص خدمات الشرب والصرف الصحي. أغلب المناطق الريفية لا توجد فيها شبكات للصرف الصحي، تغطي نسبة 30% من المناطق الريفية فقط، بينما يعتمد الثلثان على أنظمة صرف أهلية، تهدد بانتشار الأمراض وانهيار المباني، وتؤثر فى الوقت نفسه على صلاحية مياه الشرب والري، وخصوصا في المناطق البعيدة عن شبكات المياه، والتي مازالت تعتمد على المياه الجوفية.
كما تكثر الأمراض في المناطق الريفية، وخصوصا التى تعرف بأمراض الفقر، وترتبط معظمها بتلوث مصادر المياه، وغياب شبكات الصرف الصحي، إضافة إلى أمراض سوء التغذية. ويتفاقم الوضع الصحي في ظل تراجع الخدمات الصحية وتخفيض الصرف على الوحدات الصحية في القرى والاتجاه إلى بيع مستشفيات الأسرة، وعلى الرغم من التحسن فى ملف الصحة، إلا أن معدلات موت الأطفال في الريف أعلى من المدن.
ومازال الفارق واضحا بين الإنفاق العام الموجه إلى الريف قياسا بالحضر، سواء فيما يتعلق بخدمات الصرف والصحة والطرق والموصلات والتعليم.

الأجور والعمل
تتجاوز نسبة سكان الريف 57% من إجمالى عدد السكان في مصر منذ 1995، وقد ارتفع معدل البطالة في الريف من 6.9٪ عام 2010 إلى 11.4٪ عام 2016. يعمل في الريف ما يزيد عن 13مليون يعمل معظمهم في قطاعي الزراعة والصيد، وهما قطاعان يستوعبان عمالة كثيفة، تصل إلى ما يزيد عن 6 مليون عامل، بينما يعمل في قطاع التشييد والبناء ما يقارب ثلاثة ملايين، أغلبهم مهاجرون من الريف إلى المدن.
وعلى الرغم من أن الأرقام الرسمية غير موثوق فيها، وتخفى أكثر مما تظهر، عبر اختيار
طرق إحصائية خادعة، إلا أن ذلك لا يخفي تزايد معدلات البطالة في الريف، خلال الأعوام الست الماضية، وتراجع الدعم الموجه إلى الزراعة، والمقدّم من الجمعيات التعاونية الزراعية.
وقد انعكس تراجع الإنتاج الزراعي، وتقلص المساحات المحصلية، في قلة فرص العمل. كما أثرت أزمة الاقتصاديات العربية في دول الخليج على زيادة البطالة في الريف، حيث كانت تلك الدول تستوعب أعداداً كبيرة من العمالة المصرية، أغلبها من الريف. وتفيد الإحصائيات الرسمية لعام 2015 بأن هناك 16% من الأسر مصدر دخلها تحويلات مالية، وهذه النسبة سوف تتضرّر، إذ ما لم تستوعبها أسواق العمل في الخليج.
وفيما يخص ظروف العمل وطبيعة الأعمال التي يشتغل بها الريفيون، فهي تتصف بالمشقة من جانب، وأنها مؤقتة وموسمية من جانب آخر. أضف إلى ذلك أن دخول العاملين فى قطاع الزراعة والصيد وأجورهم منخفضة نسبيا، قياسا بقطاعات النشاط الاقتصادي الأخرى، كما تؤدي محدودية الملكية الزراعية إلى اقتراب نمط معيشة حائزي الأراضي الزراعية (أقل من خمسة أفدنة) لمعيشة الفلاحين الأجراء.
ومع غياب نسبة كبيرة من قوة العمل في الريف عن سوق العمل الرسمي والمنتظم، تصبح هذه الفئات، سواء المعطلين أو العمالة الموسمية خارج التغطية من الخدمات الصحية، ومحرومة، في الوقت نفسه، من خدمات التامين الاجتماعي.

متوسط الدخل والإنفاق والاستهلاك
حسب بيانات مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2013، كان متوسط إنفاق الأسر المصرية 22.7 ألف جنيه. ويبلغ في الحضر 26.3 ألف. بينما يقل في الريف 19.8 ألف. وتظهر المؤشرات أن إنفاق الأسر الريفية على السلع الغذائية مرتفع، بينما يتدنى على التعليم قياسا بالمدن، وإن كانت العوامل الثقافية تشكل رافدا مهما لذلك. لكن، لا يخفي ذلك الضغوط الاقتصادية التى يعيشها أهل الريف، وتدفعهم إلى توجيه مواردهم المالية إلى الاحتياجات الأساسية، مثل شراء السلع الغذائية.
يمكن القول إن أزمة الريف المصري من بطالة ونقص خدمات وارتفاع نسبة الفقر ترتبط بالإهمال والتراجع الذي شهده القطاع الزراعي، وإن تراجع معدلات الإنتاج الزراعي تعمق الأزمة الاقتصادية عموما، وتزيد الأعباء على الريف خصوصا. وقد ارتبط هذا التراجع بسياسات اقتصادية فاشلة، طبقت ومازالت تطبق، منها تحرير أسعار مستلزمات الزراعة، ورفع الدعم الموجه إلى الفلاحين، وإهمال المؤسسات المعنية بالزراعة، سواء كانت الجمعيات الزراعية أو مراكز الأبحاث، وتغير أدوار الدولة من تقديم العون للفلاحين إلى استغلالهم بشتى الطرق، عبر تحديد أسعار مرتفعة للأسمدة والبذور وأسعار منخفضة لشراء المحاصيل الزراعية، وترك الفلاحين فريسة للتجار. وقد كانت محصلة تلك السياسات تحول مصر إلى سوق استهلاكي، لا يوفر حتى أبسط المنتجات الزراعية من الخضر والفاكهة. ويقع الشعب المصري ضحية مافيا الاستيراد التي تزداد ثراء على حساب تعمق أزمة الطبقات الشعبية العاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، تحمل أزمة الزراعة الدولة المصرية أعباء على الموازنة، نتيجة تغطية احتياجات السوق عن طريق الاستيراد.