الربيع العربي مجدداً

06 أكتوبر 2019
الصورة
سقطوا جميعاً (أحمد غرابلي/ فرانس برس)
في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2011، قال الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، للمحتجين ضد نظام حكمه: "فهمتكم"، في محاولة بائسة للبقاء في السلطة، لكنه سقط. وفي مطلع فبراير/شباط من العام نفسه، قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مستعطفاً المحتجين ضده: "لم أكن أنوي الترشح لفترة رئاسية جديدة"، لكنه أيضاً سقط، ولاحقاً كرر معمر القذافي في ليبيا، وعلي عبد الله صالح في اليمن، مقولات مشابهة، لكنهم أيضاً أزيحوا من السلطة.

يمكننا اعتبار إسقاط رأس النظام جزءاً مهماً في الثورة على أي نظام حكم فاسد أو فاشل أو مستبد، لكن ذلك لا يعني انتصار الثورة، بل هو خطوة كبيرة في طريق طويل يجب أن يؤدي إلى إقرار عدالة شاملة، وحقوق وحريات متكاملة، ونظام ديمقراطي يمنع تكرار وصول أيّ مستبد إلى سدة الحكم، أو بقاء أي حاكم لفترات طويلة.

ليست الثورة نزهة، ولا توجد ثورة تحقق أهدافها بين ليلة وضحاها، والثورة الفرنسية التي يضرب بها المثل عادة، استغرقت 80 سنة لتحقق أهدافها، وشهدت تلك السنوات فترات انتصار وفترات اندحار مختلفة.

لسنا أول الفاشلين إذاً، فما يمكن وصفه بأنه "الربيع الأوروبي" الذي انطلقت شرارته عام 1848، من خلال عدة ثورات شعبية ضد أنظمة الحكم الملكية، تحالفت الملكيات ضده، لكنه تكرر مجدداً حتى استطاع إسقاطها، أو تحويلها إلى ملكيات دستورية تملك ولا تحكم. وبعد أكثر من قرن من الزمان، انتصر المطالبون بالتغيير، وحصلت الشعوب على حقوقها كاملة في اختيار من يحكمها، ومحاسبته إذا أخطأ، وعزله إن فشل، ومحاكمته إن أجرم.

في بلادنا التي تشتعل فيها الثورات، وإن تحت الرماد، يكرر أنصار الثورة المضادة طوال السنوات الأخيرة مقولات ممجوجة، منها أن الثورات لم تخلّف إلا الدمار، بينما الدمار أحدثته الأنظمة الفاسدة التي قامت ضدها الثورات. ويزعمون أن الثورات ممولة من الخارج بهدف تدمير الدول العربية، وكأن هذه الدول التي قامت فيها الثورات كانت نموذجاً للرخاء أو العدل، حتى إن بعضهم يستخدم مصطلح "الخريف العربي" للسخرية من مصطلح "الربيع العربي" الذي يتشبث به المطالبون بالتغيير والتحرر.




في ظل هذه الظروف، قد يشعر الثائر باليأس من إمكانية تحقق مطالبه، فيركن إلى الصمت، أو يتجاهل ما يجري من حوله، محاولاً عيش حياة طبيعية، رغم أن الأوضاع المحيطة به غير طبيعية ولا مستقرة، ولا ينتظر أن تستقر إلا إن حدث تغيير حقيقي. التاريخ والمنطق يؤكدان أن عملية التغيير تستغرق وقتاً طويلاً، وتستلزم جهداً كبيراً، وأن الثورة لا تموت ما دام المؤمنون بها أحياءً.