الرئيس التونسي و"النهضة" .. وعود الثقاب

26 يوليو 2020
الصورة

ليست المرّة الأولى التي تمر فيها تونس بأزمة سياسية بعد ثورتها. ولكن يبدو أنها الأكثر حدّة وتعقيدا وتركيبا. حكومة لم تعمّر سوى خمسة أشهر غير مكتملة، مؤسسات دولة متنافرة لا تتورع عن إعلان عدائها بعضها لبعض، علاوة على شبه شلل أصابها. حكومة مستقيلة، برلمان معطل، ورئاسة جمهورية، "كل في فلك يسبحون"، ونخبٌ صامتةٌ يتابع أغلبها ما يحدث بكثير من التلصص والتشفي سرّا وعلانية. يحرّض بعضهم على بعض آخر، من أجل الإجهاز على خصمٍ ما يعتقد أن صناديق الاقتراع أو القانون لم يسمحا بتحقيق ما يرغب فيه. يتم التحشيد هذه المرة تحت لافتة مقاومة الإسلام السياسي. طبعا تتراوح أطروحات هذه المقاومة من الاستئصال الأمني إلى استئصال ناعم، عبّر عنه أخيرا، في بيان طويل، الزعيم التاريخي للمعارضة التونسية أحمد نجيب الشابي.

يتغذّى هذا التحشيد والاستنفار من منسوب الكراهية والحقد الذي طفح على مجالنا العمومي، شارعا وافتراضا، فتتعاظم رغبات التشفي والإذلال. تدل تعبيراتٌ تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي عن هذه الروح الشرّيرة "زده (ضربا)، إنه ما زال يتنفس". لم تعد السياقات الاقتصادية قادرةً على تلطيف حجم الكارثة التي ستسقط فيها تونس، لو استمرّ الأمر على هذا النحو، إذ يذهب بعضهم إلى توقع إن تنحدر نسبة النمو إلى ما دون 12% تحت الصفر، وقد تصل نسبة البطالة إلى ما يفوق 25%، حيث يتوقع أن يتجاوز عدد العاطلين عن العمل المليون نسمة. كان المجتمع المدني التونسي، في الأزمات السياسية السابقة، حاضرا، وكانت جسور الواسطة ناشطة، شخصيات اعتبارية حقيقة أو وهما، منظمات وطنية نزيهة في تدخلاتها، محايدة في مواقفها أو منحازة إلى حد ما. لا شيء الآن يُنجز بهذه الروح الإيجابية، حتى ولو كانت وراءها للاستثمار في الحالة، بل يتم الاستثمار في دفع الأزمة إلى أوج شدّتها، وهذه استراتيجية التعفين.

تحشيد واستنفار يتغذّى من منسوب الكراهية والحقد الذي طفح على المجال العمومي التونسي، شارعا وافتراضا

لن تكون سحابة الصيف في تونس عابرة هذه المرة، وقد قدر لهذه البلاد منذ سنوات أن تحيا شهر يوليو/ تموز على تغيرات مفاجئة مؤلمة. توفي الرئيس الباجي قائد السبسي في مثل هذا الشهر من السنة الماضية، وذهبت تونس إلى انتخابات سابقة لأوانها، جاءت بالرئيس قيس سعيد. لا شيء يوحي، حتى ولو تم تشكيل الحكومة، بأن سماء البلاد ستخلو من غمام العواصف في أجواء ثقافة التنافي والإقصاء المتبادل.

ظلت مؤسسة رئاسة الجمهورية، في كل الأزمات الفارطة، حكما ووسيطا يلعب دورا مهما في تخفيض منسوب الاحتقان بين مختلف الفرقاء السياسيين، وحتى الاجتماعيين. كان هذا حال الرئيس، فؤاد المبزع، إبّان الفترة الانتقالية الأولى، إثر سقوط النظام وتعليق العمل بدستور 1959. واستمر الأمر مع الرئيس المنصف المرزوقي إثر انتخابات 2011. ومع سن دستور 2014، تم التنصيص صراحةً، في الفصول المتعلقة بالسلطة التنفيذية، على أن على رئيس الجمهورية، حال انتخابه، الاستقالة من حزبه، وعلى أهمية إن يكون ضامنا لوحدة الدولة. وظلت هذه الثوابت حاضرة في كل الفترات الصعبة التي مرّت بها تونس إلى حد انتخاب الرئيس قيس سعيد في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

يرى الرئيس التونسي أن الأحزاب مدعوة إلى الاختفاء، لأنها عفنت الديمقراطية

كانت المعطيات ترجّح أن يكون الرئيس سعيد جامعا لكل التونسيين، خصوصا أنه قادم من خارج الأحزاب. كان الظن أن الأمر يتعلق بموقف شخصي، مردّه بؤس العرض السياسي، غير أن الرجل يعتقد ضمن نظريته إن الأحزاب كالأدوية، لها مدة صلاحية ما، حيث تنتهي بالضرورة بعد عمر محدد. وفي رؤيته أن الأحزاب مدعوة إلى الاختفاء، لأنها عفنت الديمقراطية، ويقترح ديمقراطية مباشرة تلغي الأحزاب وكل الأشكال التمثيلية. وقد تم استدراج الرئيس سعيد إلى حقل المماحكات السياسية المباشرة، وانخرط فيها بشكل حاد، حين اختار حركة النهضة خصما سياسيا رئيسا. وهو لا يفصح عن ذلك بشكل مباشر، ولكن الإيحاءات والإيماءات في خطبه الغامضة أن الخصم المقصود هو "النهضة". لقد كرّر مرارا أن لتونس رئيسغا واحدا، في إشارة إلى رئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، الذي نازعه، حسب رأيه، اللقب علاوة على بعض الاختصاصات، كما دان مواقفه من الصراع الليبي. وقال إن العلاقات الدبلوماسية حكر عليه، وذلك في مقابلة مع قناة فرنسية، إثر زيارته الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) باريس، فضلا عن موقفه المتشنج من قرار مجلس شورى حركة النهضة، الداعي إلى التسريع بالمفاوضات من أجل سحب الثقة من رئيس الحكومة (المستقيل لاحقا)، إلياس الفخفاخ. وها هو، في كلمةٍ ألقاها الأسبوع الماضي، وضمن "استعارات قاتلة"، وفق تعبيرة الألسني جورج لايكوف، يشير إلى أن "النهضة" تشتغل في غرف مظلمة، وتخترق مفاصل الدولة، فضلا عن تهم كثيرة تُنذر بصراع مفتوح قد تدخل فيه البلاد. فيما تدعو أصواتٌ قليلة إلى التعقل، وتجنيب تونس صراعا مفتوحا لا تحتمله مطلقا. ويبدو أن الدوائر المحيطة بالرئيس تحرّضه على ما نخشاه، فيما يصر على أنه لا يتأثر بأحدٍ من حوله، وأن كل القرارات من بنات أفكاره الخاصة.