الذكرى الـ50 لـ"ربيع براغ" بعيون اليوم

20 اغسطس 2018
الصورة
سحب القوات السوفييتية من تشيكوسلوفاكيا في فبراير 1990(فرانس برس)
+ الخط -


في مثل هذا اليوم قبل 50 سنة، دخلت قوات خمس دول أعضاء في حلف وارسو، هي الاتحاد السوفييتي وبلغاريا والمجر وألمانيا الشرقية وبولندا، إلى تشيكوسلوفاكيا، في عملية عسكرية أطلق عليها اسم "الدانوب"، لثني الحزب الشيوعي المحلي عن مواصلة إصلاحات "ربيع براغ"، التي كان من شأنها منح حرية التعبير والتنقل للسكان وبناء "اشتراكية ذات وجه إنساني". وتحل هذه الذكرى وسط موجة جديدة من الحرب الباردة والصراع بين القوى الكبرى، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة، من أجل بسط النفوذ ودعم الأنظمة الموالية، ما يتضح بجلاء في مواجهتهما في أوكرانيا وسورية.

ومنذ تولي ألكسندر دوبتشيك منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، بدأت بلاده تظهر استقلالاً متزايداً عن الاتحاد السوفييتي في سياستها الداخلية، ما أثار استياء القادة السوفييت. وجاء قرار التدخل العسكري في عام 1968 بعد أن استشعرت القيادة السوفييتية خطورة إصلاحات دوبتشيك، التي كان يمكن أن تؤدي إلى انسحاب جمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية من حلف وارسو، وما كان سيترتب على هذا الأمر من تقويض رؤية موسكو للمنظومة الأمنية لأوروبا الشرقية.

وليلة 20 ـ 21 أغسطس/ آب 1968، بدأت الدول الخمس العملية العسكرية بهدف وقف الإصلاحات التي بدأها دوبتشيك، بينما ظل الجيش التشيكوسلوفاكي في ثكناته والتزم الحياد. ومع ذلك، نظم سكان براغ وبراتيسلافا وغيرهما من المدن الكبرى وقفات على طريق سير قوافل الدبابات، ما أسفر عن مقتل نحو 25 شخصاً، وفق بيانات غير رسمية. وخلال 36 ساعة فقط، تمكنت قوات حلف وارسو، وأغلبها سوفييتية، من بسط السيطرة الكاملة على أراضي تشيكوسلوفاكيا، قبل أن تعقد محادثات في موسكو أسفرت عن ربط القيادة السوفييتية موعد سحب القوات بتطبيع الوضع في الجمهورية المتمردة. وانتهى الأمر بتوقيع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا على اتفاقية تتضمن شروط الوجود المؤقت للقوات السوفييتية في البلاد، كما تمت استعادة الرقابة على الصحافة وحل المنظمات المناهضة للشيوعية.

ونتيجة لذلك، قضت عملية "الدانوب" على آمال وتطلعات بلدان الكتلة الاشتراكية في الستينيات، التي كانت نابعة من المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي السوفييتي في عام 1956، حين قدم زعيم الاتحاد السوفييتي الجديد آنذاك، نيكيتا خروتشوف، تقريراً ندد فيه بجرائم سلفه، جوزيف ستالين، وقمعه ودكتاتوريته. وهكذا نجح الاحتلال السوفييتي في ثني تشيكوسلوفاكيا عن طريق الإصلاحات السياسية والاقتصادية. وفي 1969، تم انتخاب غوستاف غوساك لتولي قيادة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي خلفاً لدوبتشيك. وفي العام التالي، أصدرت اللجنة المركزية للحزب تقريراً استنكرت فيه المسار السياسي والاقتصادي الذي اختاره دوبتشيك، لتبقى الجمهورية ضمن الكتلة السوفييتية لعقدين آخرين.

وعلى الصعيد الدولي، دعت مجموعة من الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلى مناقشة الأمر في مجلس الأمن والمطالبة بانسحاب قوات حلف وارسو من تشيكوسلوفاكيا فوراً، إلا أن المجر والاتحاد السوفييتي صوّتا ضد ذلك. وفي وقت لاحق، طالب مندوب تشيكوسلوفاكيا لدى الأمم المتحدة هو الآخر بحذف القضية من جدول الأعمال. ومع ذلك، شكل "ربيع براغ" محطة مهمة في تاريخ الحرب الباردة، إذ خسر الكرملين تعاطف النخبة اليسارية وقيادات الأحزاب الشيوعية الغربية، وحتى بعض النخب داخل الاتحاد السوفييتي. إلا أن "ربيع براغ" لم يحدث تغييراً جوهرياً في توازن القوى في العالم، بل ظلت أوروبا الشرقية ساحة نفوذ لموسكو على ضوء تمسك الزعيم السوفييتي آنذاك، ليونيد بريجنيف، بعقيدته التي كانت تشمل إمكانية التدخل العسكري في الدول الحليفة. وكانت هذه العقيدة نابعة عن الطبيعة الجديدة للمواجهة غير المباشرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) وإقامة ستالين حكومات موالية في دول الجوار، حتى لا تشكل أي خطر على الأمن السوفييتي.

ولم تسقط الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا والدول المجاورة سوى في عام 1989، بعد تراجع مكانة الاتحاد السوفييتي، وإقدام الأمين العام لحزبه الشيوعي الجديد، ميخائيل غورباتشوف، على تطبيق برنامج الإصلاحات "بيريسترويكا" داخلياً، وإعادة النظر في السياسة الخارجية وسحب القوات السوفييتية من الدول الحليفة والتخلي عن "عقيدة بريجنيف". إلا أنه بتدخلها العسكري في جورجيا في عام 2008 ثم أوكرانيا في 2014 وسورية بدءاً من 2015، عادت روسيا ما بعد السوفييتية إلى الساحة الدولية بثوب جديد لفرض الأمر الواقع والدفاع عن مصالحها الجيوسياسية بقوة السلاح، ليبدو العالم في ذكرى "ربيع براغ" أشبه بالأمس.

المساهمون