الدولة وخيار الفرد

17 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
عادةً ما تثير علاقة الفرد بالجماعة أسئلةً ونقاشاتٍ فلسفية كبيرة، إذ يدور الحديث عن حدود تحكّم الجماعات بالأفراد، وحق الفرد في الاختيار بعيداً عن سطوة الجماعة. الجماعة هنا، على الأغلب، هي الجماعة التراحمية العضوية التي ينتمي إليها الإنسان بالولادة، ولا يختار انتماءه لها، مثل القبيلة، والنقاش دائماً هو حول حق الفرد في اختيار ما يتضادّ مع أعراف جماعته، وما اعتادوه، وماذا يكون موقف الدولة وأجهزتها في هذه الحالة، إذ يفضّل بعضهم ترك الجماعة تحكم الأفراد بأعرافها، تاركاً المسألة للتدافع الاجتماعي، وتغيُّر الأعراف مع الزمن، لكن دور أجهزة الدولة يتمثل في حماية حق الأفراد في الاختيار، ولو تناقض ذلك مع أعراف الجماعة، بحسب طرح اتجاهٍ آخر.
حق الأفراد البالغين الأكفاء، أي من هم في سن الرشد، ولا يشكّون من إعاقاتٍ ذهنية، في اختيار تصوّرهم لحياتهم، وما يرونه خيراً لهم، يُطرح للنقاش مع تعدّد الحوادث التي تقف فيها أجهزة الدولة متفرجةً أو مساندةً لوصاية العائلة والقبيلة على الفرد وخياراته. في السعودية مثالان على هذا النوع من القضايا، الأول ما حصل أخيراً من إعادة شابة سعودية هربت من أهلها، بالتعاون مع السلطات الفيليبينية، وهي في طريقها إلى أستراليا. والثاني سلسة من قضايا "تكافؤ النسب" التي يرفعها بعض أهل الزوج أو الزوجة، لإنهاء عقد الزواج في المحكمة، بسبب اختلاف نسب الزوجين القبلي، فيحدث التطليق، على الرغم من إرادة الزوجين.
في المثالين، يُلغى حق الفرد في اختيار ما يرغبه لحياته، ويبقى أسير النظام الأبوي، الذي يملي عليه تصوّراً محدّداً لخيره ومصلحته. يشير الفيلسوف الأميركي، جون راولز، إلى أهمية أن يعترف المواطنون ببعضهم، بوصفهم كائناتٍ ذات قدرة أخلاقية على امتلاك تصوراتهم الخاصة لما فيه خيرهم، وأيضاً على مراجعة تصوراتهم تلك وتغييرها. يؤكد راولز، ومعه فيلسوف
الليبرالية الاجتماعية الآخر، رونالد دوركين، أن دور الدولة يتمثل في حماية حق الأفراد في الحكم على مختلف تصورات الحياة، والعمل على توزيعٍ منصفٍ للحقوق والموارد، ليتسنّى لهؤلاء الأفراد تحديد تصوراتهم لما هو خير.
إذا تناولنا مسألةً مثل الزواج، وتحدثنا عن حق الأفراد في الاختيار، بعيداً عن سطوة أعراف الجماعة، سنصل إلى دورٍ مهم تلعبه أجهزة الدولة في حماية خيارات الأفراد، فالدولة الحديثة تحمي الفرد من تغوّل الجماعة، وهذه إحدى أهم مسؤولياتها، فإذا أراد الفرد الزواج بطريقةٍ لا تتناسب مع أعراف الجماعة، أو في ظل اعتراض بعض أفراد الجماعة بحججٍ تتعلق بالعادات والأعراف، فدور أجهزة الدولة الحديثة أن تنتصر لحق الفرد في اختيار ما يلائمه، وألا تسمح للجماعة بأن تفرض على الفرد رأيها في الزواج الذي يخصّه هو وشريكه، طالما أن القبول قائم في الزيجة بين الشريكين.
الحديث عن تغييب دور أجهزة الدولة الحديثة في هذا الشأن، وتركه للتدافع الاجتماعي، والتفاعل بين أبناء الجماعة، هو جزء من حديثٍ مستمر عن تغييب دور الدولة التحديثي لصالح الجماعات الأهلية، ومن يتبنون هذا الخطاب لا يتجاوزون فقط الدور المفترض أن تلعبه الدولة لحماية حرية الفرد في الاختيار، ولا يتركون الفرد فريسة تسلط جماعته عليه وحسب، وإنما يتغافلون أيضاً عن أن الزواج، بصيغته الحديثة، أمر في صميم عمل الدولة الحديثة، من خلال الاعتراف به وتوثيقه قانونياً، وما يترتب على هذا التوثيق من حقوقٍ أساسية لأفراد الأسرة المتولدة من الزواج، بما في ذلك تقديم الخدمات الأساسية للأولاد الناتجين عن الزواج، ولا يمكن فهم المطالبة بإخراج الدولة من قضية الزواج، ثم مطالبتها بتحمل المسؤولية تجاه ما ينتج عنه.
لكن الأزمة في حقيقتها، داخل مجتمعاتنا العربية، ليست أزمة تسلط الجماعة على خيار الفرد وحسب، بل في الأساس، أزمة انحياز الدولة وأجهزتها لهذا التسلط، نظراً لتبنيها القيم الأبوية، وتمسّكها بالذهنية القبلية في إدارة الأمور، وهذا الانحياز أحد مؤشرات غياب الدولة العربية عن القيام بعملية التحديث، وتشابكها مع الجماعات الأهلية والعصبيات التقليدية، ما يجعل الفرد واختياره في مواجهة الجماعة والدولة معاً.
النزاع الفكري، في مثل هذه القضايا، هو بين اتجاه أبوي يرى أن على الدولة أن تُلزِم الناس بنمط حياة معين، وألا تسمح للفود باختيار نمط حياةٍ غيره، وهو اتجاه المحافظين والإسلاميين في الغالب، واتجاهٍ تحديثي يؤكد على واجب الدولة في حماية حق الفرد في الاختيار، حتى حين لا يروق هذا الاختيار لجماعته، من دون إغفال الاتجاه الذي يرغب في تعزيز سلطة القبيلة، إما باسم الدفاع عن قيمها، أو في إطار رفض تغوّل الدولة، وترك المسألة للمجتمع.
الانتصار لحق الفرد في الاختيار لا يعني تهشيم الجماعة، أو عدم احترام ثقافتها الخاصة، لكنه يعني أن للفرد الحق في أن يختار الخروج على أعراف جماعته، وأن يتمتع بحماية أجهزة الدولة إذ يمارس هذا الحق، ولا يمكن فهم منطق الدفاع عن قمع اختيار الفرد فيما يخصه باسم الدفاع عن الجماعة، أو الحديث عن التدافع الاجتماعي الذي نعرف أنه لا يحدث عفويا، بل ضمن تراكماتٍ تسهم فيها قوى تحرّك عجلة التغيير، أهمها أجهزة الدولة.