الدولة المدنية خيار المسيحيين العرب

07 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تعيش المجتمعات العربية مخاضا غير مسبوق في تاريخها يعكس توقها، ليس فقط للحرية، بمفهومها الواسع، والتحرّر من استبداد السلطات القمعية، وإنما سعي الجيل الجديد إلى فرض وجوده ونظرته ومفاهيمه فاعلا أساسيا في الشأن العام ورافعة للتغيير. ما يجري في العراق ولبنان، وما سبقه في السودان، وما هو جار حاليا في الجزائر، يثبت أن هذه الشعوب قد تحرّرت من عقدة الخوف، وخرجت من انتمائها للجماعة، عشيرة كانت أو طائفة أو مذهبا أو حزبا، وسلكت درب إثبات كينونتها مواطنا فردا صاحب شخصية قائمة بذاتها. الشباب اليوم في الساحات يثورون ضد السلطات المستبدة والقمعية والمرتهنة للخارج، سلطات الفساد ونهب المال العام بمليارات الدولارات في لبنان والعراق الجزائر، وكما كان يجري في السودان إلى درجة ان جشع الرئيس المخلوع، عمر البشير، دفعه إلى تكديس الأموال في صناديق في القصر الرئاسي! سلطات وحكام نصبوا أنفسهم بالقوة أو عبر انتخابات معلبة، أو يستمدون سلطتهم ونفوذهم من سلطات خارجية كسلطة "ولاية الفقيه" في إيران. أو تجربة الأنظمة القومية والشمولية التي محت، باسم العروبة والتحرير، المواطن الفرد، وتعاملت عقودا مع شعوبها باعتبارها جماعة مساوية للقطيع. 
جيل شباب اليوم هو جيل الهواتف الذكية التي تسمح له في لحظة بالتجوال في أربعة أصقاع 
الأرض، وتمكّنه من الاطلاع على ما يجري من أحداث ومعلومات وتطورات هائلة ومتسارعة واختراعات الإنسان. كيف يمكن لهذا الجيل أن يثق بسلطة قمعية ومتخلفة وقصيرة النظر تحاول حتى أن تعزله عن العالم، وعن التواصل بين بعضه بعضا عبر قطع الإنترنت كما يحصل في العراق. جيل اليوم يحاول أن يتعظ من تجربة الجيل الذي سبقه صانع "الربيع العربي"، الذي انتهى أو تم إنهاؤه في عدد من الدول بسفك الدماء وتحويل الثورات إلى حروب أهلية كما حصل في ليبيا وسورية واليمن، أو إلى عودة سلطات أحادية وقمعية إلى الحكم كما في مصر. جيل اليوم متمسّك بسلمية انتفاضته، يطالب بالحرية التي اكتشف أن ترسيخها وصونها يتحققان عبر دولة المواطنة والقانون، دولة الحقوق التي تشكل ضمانة لجميع المواطنين الأفراد، وتؤمن العدالة والمساواة للجميع وبين الجميع. وهذه الدولة لا يمكن إلا أن تكون مدنية ديمقراطية، لا قومية ولا شمولية ولا دينية أو طائفية، ولا دولة الحزب الواحد. وكذلك التنوع الثقافي والديني والإثني واللغوي لا تصونه إلا الدولة المدنية. كما أن الإرهاب المنفلت والمتفشي في المجتمعات العربية والإسلامية، والذي يعاني منه أبناء هذا الجيل، وهم أيضا ضحاياه، وضحايا عنف الأنظمة المستبدة (أكثر من 400 قتيل في العراق)، لا يمكن التصدّي له ومحاربته إلا عبر قيام الدولة المدنية ومؤسساتها التي تشكل ضمانة لجميع فئات المجتمع، ولخصوصيات الأقليات أو الجماعات الدينية القلقة على مصيرها، ففي العراق ينتفض العراقيون، وليس الشيعة أو السنة، ضد سلطة جائرة ومرتهنة ومتحاصصة وناهبة، وينتفضون ضد الوصاية والتجبر الإيرانيين اللذين يخنقان بلدهم. وفي لبنان، على الرغم من أنه يتمتع بدستورٍ يساوي بين جميع المكونات، ويحمي حقوق المواطنين بدون تمييز طائفي أو مذهبي، إلا أن الانتفاضة الشعبية العارمة لا لون طائفيا أو مذهبيا لها، ولا حتى حزبيا. وهي انتفاضة ضد عجز الطبقة السياسية، وفشلها وفسادها وفجورها، بمجملها، وبكل تلاوينها الطائفية والمذهبية والحزبية.
ومع ذلك، هناك من يحاول التخويف من هذه التحولات العميقة والجذرية، وتوظيفها باتجاه القول إن الأقليات المسيحية قلقة على مصيرها، ومهدّدة بوجودها، وتحتاج بالتالي إلى حمايات أجنبية. ويدعو بعضهم إلى تحالف الأقليات الدينية في المنطقة في مواجهة الأكثرية العربية السنية. وهناك من راح ينظّر لما سماها "المسيحية المشرقية"، ويقيم مؤتمرات عنها، مقتصرا دعوته على لبنان وسورية والعراق وفلسطين، ومروّجا بالتالي حماية المسيحيين من "محور الممانعة". لا جدال في مشروعية هذا القلق، إذ إن العنف استهدف المسيحيين بصفتهم هذه، وبوصفهم أقلية دينية في بلدانهم، وعلى يد مجموعاتٍ متطرّفة ادّعت أو تلطت بالإسلام. كما أن هذا العنف قد طاول أيضا أقليات دينية وعرقية وإثنية غير مسيحية، إلا أن هذا القلق لا ينبغي أن يحرف نظر المسيحيين عن معنى وجودهم ودورهم التاريخي في المنطقة وفي أوطانهم، فهم جزء أصيل من الاجتماع الإنساني في المنطقة، ومن الاجتماع الوطني في كل بلد من بلدانهم، وهم بالتالي مسؤولون عن مستقبل الاجتماعيْن، بالشراكة مع سائر المكونات، مثلما كانوا رواد النهضة العربية الحديثة، ومن أركان الدول الوطنية القائمة على السيادة والاستقلال عن الاحتلالات والوصايات الأجنبية والخارجية. يعبارة أخرى، المسيحيون ليسوا أصحاب حقوق فحسب، بل هم خصوصا أصحاب خياراتٍ تنسجم مع قناعتهم بالعيش معا بسلام، متساوين ومختلفين، إذ ليس بينهم من لم يختر العيش في "وطن نهائي لجميع أبنائه عربي الهوية والانتماء".
ترسيخا لهذه القناعات، ودحضا لنظرية "المسيحية المشرقية" وحاجتها إلى حلف الأقليات، وتأكيدا لعروبة المسيحيين، تداعت فاعليات وشخصيات مسيحية لبنانية وعربية لعقد المؤتمر الأول للمسيحيين العرب في باريس، بمبادرة من رئيس لقاء سيدة الجبل، النائب السابق فارس سعيد بالتعاون مع المركز اللبناني للأبحاث والدراسات – بوليتيكا. وشارك في هذا المؤتمر نحو مئة 
شخصية مسيحية وإسلامية، وحضور ممثل عن الفاتيكان، كما شارك في أعماله سياسيون ومثقفون وباحثون وإعلاميون وناشطون من لبنان وسورية وفلسطين والعراق والأردن ومصر، منهم ميشال كيلو وجورج صبرا وسميرة مبيض وفداء حوراني وسام منسى ورضوان السيد وطارق متري وخطار أبو دياب وجمال قموه وعماد جاد والأب فادي ضو وأنطوان قربان. لماذا في باريس وليس في بيروت؟ لأن مشاركين سوريين معارضين للنظام السوري، ويعيشون في المنفى، لم يكن في وسعهم دخول لبنان "بلد الحريات والإشعاع والنور"، وكذلك بعض الشخصيات الفلسطينية!
استرجع المسيحيون الفكرة التأسيسية التي استند إليها البطريرك اللبناني، إلياس الحويك، عندما سافر عام 1919 إلى مؤتمر فرساي في باريس، مفوضا من المسيحيين والمسلمين، ليطالب بلبنان وطنا لجميع أبنائه على أساس "الوطنية السياسية لا الدينية"، ليؤكدوا أن خيارهم اليوم لم يتغير، أي دولة وطنية تنقلهم من حالة الجماعة إلى حالة المواطن الفرد، والتي يتساوى فيها الجميع أمام القانون. وكما رفضوا البارحة تقسيم أوطانهم يؤكدون اليوم رفضهم قيام كيانات مستقلة. وكرّروا رفضهم مبدأ تحالف الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية، أو مناداة الخارج القريب والبعيد للحماية أو الغلبة في داخل أوطانهم. وقد أعلن المشاركون انتسابهم إلى أوطانهم ومساهمتهم في بنائها مع جميع المواطنين على قاعدة الحرية والعدالة والحداثة. وقد تقدم المسيحيون العرب بجرأة، مطالبين بقيام الدولة الوطنية المدنية الحديثة المرتكزة على الفصل بين الدين والدولة، والتي تؤمن حقوق الإنسان والمواطن الفرد، لا الجماعة. وتاكيدا لوقوفهم إلى جانب الثورات العربية ناشدوا الشباب في لبنان وسورية والعراق وليبيا والسودان والجزائر وتونس التمسّك بالطابع السلمي لثوراتهم، مستفيدين من تجرية "الربيع العربي". ودعوا إلى السلام بين الجميع، مواطنين متساوين، مسيحيين ومسلمين، سنة وشيعة وعلويين ودروز وإيزيديين وكردا وتركمانيين وكلدانيين وآشوريين وسريان. سلام تحت مظلة أنظمة ديمقراطية حديثة، وضمن دول وطنية دستورية تسود فيها العدالة الاجتماعية وحكم القانون. ولم ينسوا أن يعلنوا وقوفهم إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس مهد الأديان السماوية. وكان مسك الختام إعلانهم الحفاظ على الهوية العربية الجامعة التي يعتبرونها رابطة ثقافية، لا قومية، أو أيديولوجية أو دينية.