الحوثيون يريدون تغيير النظام المصرفي ... والجماعة تبحث "أسلمة" الأذون والسندات

12 فبراير 2020
الصورة
مخاوف من تواصل تدهور الريال (صالح العبيدي/فرانس برس)

تزايدت مخاوف الشارع اليمني من انهيار المصارف، في ظل تصاعد الصراع بين الحكومة الشرعية في عدن (جنوب) والحوثيين في صنعاء حول هذا القطاع الحيوي وسط تدهور العملة المحلية وتفاقم الأزمة المالية في البلاد.

وأصبح هذا القطاع الحساس على أبواب تغيير كبير، إذ يستهدف الحوثيون، طبقاً لمصادر خاصة لـ"العربي الجديد"، تنفيذ سلسلة إجراءات سمّتها الجماعة "تصحيح النظام المصرفي"، ومن أبرز ملامحها تغيير العمل بآلية السندات وأذون الخزانة، وهي الآلية التي تستدين الحكومة من خلالها الأموال من البنوك لتمويل عجز الموازنة العامة والمشروعات الاستثمارية والخدمية للدولة.

وقالت المصادر، التي رفضت ذكر أسمائها، إن الحوثي يبحث "أسلمة نظام أدوات الدين الحكومي" بحيث يتم إلغاء آلية طرح أذون الخزانة والسندات التقليدية واستبدالها بصيغ تمويل إسلامية من أبرزها الصكوك.

كما تمارس الجماعة ضغوطا على البنوك لتمويل مشروعات تنموية وخدمية قد لا تحقق أرباحا للقطاع المصرفي حسب عاملين في القطاع لأنها لا تأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع وتحقيقها عوائد.

ويضم القطاع المصرفي اليمني 17 بنكا ما بين مصارف تقليدية وأخرى تعمل بالنظام الإسلامي الذي لا يعترف بأسلوب سعر الفائدة الثابتة بحجة أنها ربا مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.

وحسب المصادر " شكّلت سلطات صنعاء لجانا لدراسة تغيير النظام المصرفي الراهن والقائم على الاستدانة عبر أدوات دين تقليدية هي السندات وأذون الخزانة، على أن يتم دراسة الموضوع بعناية وتقييم الوضع الراهن قبل اتخاذ القرار".

وتشهد أروقة المحكمة العليا في صنعاء قضية ساخنة على أثر قيام أحد المحامين برفع دعوى قضائية لإلغاء بعض القوانين الاقتصادية المتعلقة بالعمل المصرفي بحجة عدم دستوريتها، وتصحيح بعض الاختلالات القائمة في القطاع، وعلى رأسها طريقة تدوير الودائع المصرفية ورؤوس أموال البنوك وفوائد البنوك التي تجنيها من نظام أذون الخزانة المعمول به في اليمن منذ ما يزيد على 25 عاماً.

وتعتقد سلطة الحوثيين في صنعاء أن إصلاح النظام المصرفي وتصحيح نظام الفوائد سيمكنانها من توفير نحو 500 مليون ريال يمني (الدولار = نحو 250 ريالا رسميا) شهرياً، وحل جزء من مشكلة رواتب الموظفين المتوقفة منذ أربعة أعوام، يتم اقتطاعها من أرباح الخزانة العامة التي تذهب كفوائد للبنوك اليمنية التي تعتمد بشكل كلي عليها في استثماراتها وتدوير رؤوس أموالها وودائعها.

وطبقاً لمصادر مصرفية في البنك المركزي اليمني في صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، فإن هناك توجها وفق خطة "الإنعاش والتعافي الاقتصادي 2020" لتصحيح وتفعيل أداء القطاع المصرفي وتطوير أدائه وزيادة مساهمته في التنمية للقيام بدوره المأمول في توفير تمويل مستدام للمشاريع الصغيرة.

مصير القطاع

تتركز عملية التصحيح في ضبط إدارة ميزان المدفوعات وتنظيم سعر الصرف للحفاظ على الكتلة النقدية من العملة الأجنبية من الاستنزاف، والعمل على استقرار القيمة الشرائية للعملة الوطنية من خلال فرض الرقابة على شركات الصرافة ومنع المضاربة بالعملة، وإعداد استراتيجية وطنية للتمويل الإسلامي.

وعلى الرغم من إجماع خبراء ومتعاملين في القطاع المالي والمصرفي اليمني على ما يمثله نظام أذون الخزانة من عائق اقتصادي كبير وتسببه إلى جانب عوامل أخرى بالحد من تنويع مصادر الدخل وإنعاش الاقتصاد الوطني في البلاد، إلا أن الحوثيين، كما يقول أستاذ العلوم المصرفية في جامعة تعز، حسن عثمان، لا يمتلكون أي صفة شرعية لاتخاذ قرارات سيادية تتعلق بتحديد مصير قطاعات اقتصادية ومصرفية تابعة للدولة تقع تحت سلطتهم وإدارتهم في صنعاء.


ويوضح عثمان لـ"العربي الجديد" أن المصارف اليمنية بفروعها وإداراتها الرئيسية ما تزال تعمل في نطاق سيطرة الحوثيين، ويرجع ذلك إلى عدم قدرة الحكومة اليمنية على ممارسة دورها في تفعيل المؤسسات وإدارة الشأن الاقتصادي بسبب عرقلة التحالف وعدم تمكينها من ممارسة عملها الاقتصادي والمالي والنقدي.

ويعتبر عثمان أن النظام المصرفي القائم حالياً والمعتمد على سندات الخزانة الذي تعتمد عليه البنوك اليمنية، هو استثمار غير مجد تنموياً، إضافة إلى كونه نظاما "ربويا" ينبغي تصحيحه وإصلاحه لكن ليس في ظل الوضع الراهن، حسب كلامه.

ويقول مسؤولون في عدن إن تصحيح النظام المصرفي وتنفيذ الاستراتيجية يهدفان إلى زيادة برامج التمويل الإسلامي وفق آليات حديثة وموضوعية وبعيداً عن السياسات القائمة التي تحول دون انتفاع الكثير من الشرائح من هذه التمويلات نتيجة للشروط التعجيزية التي تطرحها المصارف والتي حالت دون أن يكون لها إسهام فاعل في تمويل الكثير من المشاريع الصغيرة والأصغر.

ويحذر وكيل وزارة المالية (التابعة للحوثيين)، أحمد محمد حجر، من الانتقال السريع غير المدروس للنظام المقترح والذي قد تترتب عليه إشكالية ليست فقط اقتصادية بل وسياسية واجتماعية في نفس الوقت، وبالتالي حلها لا يتم بالقرارات المستعجلة وإنما لابد من وجود رؤية ثاقبة بعيدة الأمد لحل هذه الإشكالية.

ويقول حجر في حديث لـ "العربي الجديد": صحيح أن هناك من يطرح إمكانية للانتقال من النظام الربوي بالفوائد إلى الدين العام "اللاربوي"، ولكن في ظل الوضع القائم ستكون مغامرة غير محسوبة.

ويرى أن إيرادات الدولة لا تستطيع الإيفاء بالحد الأدنى من مستحقات النفقات العامة، مشيرا إلى أن الوضع الاقتصادي الحالي حجم الأنشطة الاقتصادية فيه محدود للغاية خصوصا بعد تدمير جزء منه، وبالتالي إمكانية توسيع الأوعية الادخارية تحتاج إلى فترة من الزمن، ولهذا هناك أفكار من عدة جهات تطرح إمكانية الانتقال من أذون الخزانة إلى وسائل أخرى مثل نظام التمويل الإسلامي المتعلق بالمرابحة والمشاركة وغيرها.

وحسب تجارب عدد من الدول التي انتقلت من نظام مصرفي إلى آخر، ثبت وجود صعوبات تواجه عملية الانتقال لعدة أسباب يشرحها حجر، على رأسها حجم الدين الداخلي الكبير جداً، كما أن الانتقال قد يحدث هزة في الوضع الاقتصادي بدرجة كبيرة وبالأخص في أنشطة القطاع المصرفي، وهذا قد يكون له نتائج سلبية أكبر حسب، وكيل وزارة المالية.

وخاضت دول مثل السودان وباكستان وإيران وماليزيا وغيرها عملية الانتقال، لكن تجاربها كما يقول حجر أثبتت أنه حتى الآن لم تستطع التخلص من النظام "الربوي"، أي الفوائد.

في هذا الشأن ولتهيئة البيئة المناسبة للانتقال، يعدد حجر مجموعة من المتطلبات أهمها قضاء عادل ونزيه وجهاز أمن كفوء وتوفير مقومات البيئة الاستثمارية، ولهذا يتطلب سنوات عدة لتوفير مجمل هذه المتطلبات، إضافة إلى ضرورة أن تكون عملية الانتقال بطريقة تعالج إشكالية الدين العام الحكومي، لأن الدين الحكومي يستحوذ على 80% من إجمالي الدين العام في الجهاز المصرفي.

ارتفاع الديون

ترتب على الحرب الدائرة في اليمن ارتفاع الدين العام الحكومي من حوالي 1.1 تريليون إلى 6 تريليونات ريال، إذ أصبح هذا الدين يتجاوز حجم الإنتاج المحلي الإجمالي ويتجاوز عبء الدين العام حجم الإيرادات.

ويتابع وكيل وزارة المالية أحمد حجر: "الأمر يتطلب حل إشكالية موازنة الدولة، وأن يكون لدى الحكومة القدرة في تمويل أكثر من 90% من مصادرها وإيراداتها، بحيث لا يكون اللجوء إلى تمويل الدين العام الداخلي أو الخارجي إلا بشكل مكمل أو يسير، لكن في ظل الوضع القائم هناك صعوبة كبيرة في الانتقال عبر الاعتماد بدرجة كبيرة على الدين العام في تمويل النفقات.

ويوضح أن القطاع المصرفي مرتبط بكافة الأنشطة الاقتصادية رغم أن دوره محدود في اليمن لكنه مهم للغاية، وبالتالي أي اهتزاز فيه كما يؤكد حجر ينعكس أثره على كل الأنشطة الاقتصادية، ولهذا يجب أن يكون هذا الجهاز حاضراً بشكل حقيقي ومؤثر في ظل الوضع القائم سواء في ظل النظام المصرفي الراهن المتمثل بالخزانة أو إذا تم الانتقال إلى وسائل أخرى لاستثمار الأموال.

صراع مالي

كانت الحكومة اليمنية قد اتخذت في سبتمبر/أيلول 2016 قراراً بنقل البنك المركزي اليمني إلى عدن، لكن منذ ذلك الوقت دخل البلد الذي يشهد حربا وأزمة إنسانية كارثية منذ 2015 في صراع اقتصادي ومالي ونقدي كبير أدى إلى انهيار العملة وانقسام في السياسات والمؤسسات المالية، التي ظل الحوثيون يتحكمون في إدارة أغلبها.

وتتحكم سلطات الجماعة في صنعاء في غالبية صلاحيات البنك المركزي، وتحكم قبضتها على المؤسسات المالية والمصرفية، منها 11 مصرفا رفضت نقل مراكزها الرئيسية إلى عدن جنوب البلاد التي اتخذتها الحكومة اليمنية عاصمة مؤقتة.

وأدى غياب الأمن وعدم استقرار الأوضاع في عدن وغياب سلطات الدولة وعدم تفعيل المؤسسات الحكومية في العاصمة المؤقتة، إلى تفضيل قطاع الأعمال والتجار والمصارف التجارية والإسلامية والمؤسسات المالية وصناديق التقاعد وشركات التأمين وشركات ومكاتب الصرافة البقاء في صنعاء وممارسة عملها في مناطق سيطرة الحوثيين.

ويعتبر المدير التنفيذي لـ"كاك بنك" الإسلامي، عادل الكبسي، في حديث لـ"العربي الجديد" أن أذون سندات الخزانة أعاقت التنمية في البلاد، وأيضاً أعاقت البنوك عن تحقيق أهدافها الأساسية في التنمية الاقتصادية. ويتابع: "لو لا أذون الخزانة لكان دور البنوك والقطاع المصرفي اليمني فعالا في التنمية، وأيضا لكانت القروض والتسهيلات من البنوك تقدم للجميع بكل يسر وسهولة.

ويضيف الكبسي أن الاستثمار في الخزانة أدى إلى مشاكل بالسداد وزيادة الديون المتعثرة، بل وصل الأمر إلى أن البنوك الأجنبية التي لها فروع في اليمن كانت تستورد الأموال من الخارج وتستثمرها في سندات الخزانة اليمنية فأضرت باقتصاد البلاد بشكل كبير.

ضغوط على المصارف

تعرضت المصارف اليمنية لمزيد من الضغوط بسبب تعليق البنك المركزي للمدفوعات على الدين المحلي. وقبل اندلاع الحرب، كانت المصارف التجارية والإسلامية من كبار المستثمرين في صكوك الدين المحلي الصادرة عن البنك المركزي اليمني بالنيابة عن وزارة المالية، إذ تمتلك المصارف التجارية 72% من جميع أذون الخزانة. وفي الوقت نفسه، تستثمر المصارف الإسلامية بكثافة في سندات "الصكوك" الإسلامية.

وقد واصلت إدارة الدين العام، التابعة للبنك المركزي في صنعاء، إعادة إصدار سندات الخزانة عند الاستحقاق، وحولت الفوائد المتولّدة منها إلى حسابات لا يمكن السحب منها نقدا.

وتشير دراسة أعدها في هذا الخصوص مركز صنعاء للدراسات الاقتصادية (مستقل) واطلعت عليها "العربي الجديد" إلى قيام إدارة الدين العام عند الاستحقاق بتحويل المبالغ الأصلية المستثمرة في الصكوك وعوائدها المحققة إلى حسابات لا يمكن أيضا السحب منها نقدا، مع عدم السماح بإعادة الإصدار لهذه الصكوك. وبالتالي لم يعد لدى المصارف الإسلامية أية قنوات بديلة لتوظيف استثماراتها المجمدة.

وفي سبتمبر/أيلول 2018، قام البنك المركزي اليمني برفع أسعار الفائدة على أدوات الدين المحلي وقدم أدوات دين محلي جديدة، في محاولة لجذب أصول المصارف التجارية والإسلامية. ثم باع البنك أدوات دين محلي بقيمة 100 مليار ريال لمجموعة من المصارف التجارية والإسلامية لكنها كانت عبارة عن شيكات في ظل شح السيولة النقدية التي يعاني منها اليمن.