الجيش الرديف لحزب الله يتشقق

08 يوليو 2014
الصورة
مقربون من حزب الله خلال أحداث مايو/أيار 2008 (Getty)
أسّس حزب الله اللبناني "سرايا المقاومة اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي" عام 1997 لتبدأ عملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي وعملائه عام 1998. وعند تحرير جنوب لبنان في مايو/أيار 2000، تجاوز عدد العمليات التي نفذتها السرايا 300 عملية. استمر وجود السرايا، كتنظيم يضبط حزب الله إيقاعه بشكلٍ كامل، ومن دون أي تأثير على المجتمع اللبناني حتى انسحاب الجيش السوري من لبنان في أبريل/نيسان 2005، فقد قرّر الحزب إعطاء دور آخر لهذه السرايا، لملء الفراغ الأمني والعسكري الذي تركه هذا الانسحاب.

وبعد العملية العسكرية التي نفذها حزب الله وحلفاؤه في بيروت في مايو/أيار 2008، قرر تفعيل "السرايا" بشكلٍ أكبر. فقد كشفت هذه المعارك عن خلل في جهاز العلاقات السياسية للحزب مع التنظيمات الحليفة له. كما كشفت عن ضعف جدي لدى هذه القوى التي يُفترض أنها حليفة حزب الله، إذ انقلب مقاتلون من الحزب الديمقراطي اللبناني (يترأسه النائب طلال إرسلان) والتنظيم الشعبي الناصري (برئاسة النائب السابق أسامة سعد) وحزب الاتحاد (برئاسة الوزير السابق عبد الرحيم مراد) وقوى أخرى، على الحزب، رغم أن الأخير هو من تولى تدريب وتسليح وتمويل هذه المجموعات.

لكن منذ عام 2013، بدأت الأصوات المنتقدة للسرايا ترتفع. اشتبك معها الشيخ أحمد الأسير، وحاول أحد المنتسبين إليها حرق مبنى تلفزيون "الجديد"، كما اضطر التنظيم الشعبي الناصري، وهو حليف الحزب، لتشكيل لجنة مشتركة مع الحزب لحلّ الإشكالات بين أعضاء السرايا ومناصري التنظيم منعاً لتفاقمها؛ وصولاً إلى اليوم، إذ تتكرر الاشتباكات بين أعضاء في السرايا والجماعة الإسلامية في صيدا، ووصل الأمر بهيئة علماء المسلمين في صيدا إلى تحريم الانتساب إليها، بعد "الاعتداء على عدد من رجال الدين" كما يقول أعضاء في الهيئة. ومنذ فترة، لا يكاد يمرّ يوم من دون حصول تلاسن أو تضارب بين أعضاء هذه السرايا وصيداويين. لكن أحد أعضاء اللجنة التي شكّلها حزب الله والتنظيم الشعبي الناصري، يقول إن هناك من يسعى لتشويه سمعة هذه السرايا عبر نسب أفعال إليها لم تقم بها.

كذلك، اعترضت القوى الفلسطينيّة في الجنوب اللبناني على هذه السرايا. وقد طلب ممثل الجهاد الإسلامي في لبنان، أبو عماد الرفاعي، تسجيل اعتراضه عليها في المحضر الرسمي للقاء هيئة دعم المقاومة الفلسطينية، وهي هيئة يُديرها ويُمولها حزب الله. وقال الرفاعي خلال الاجتماع: "هؤلاء مجموعة زعران يسوّدون وجهكم. سجِّلوا كلامي في المحضر حتى يعرف (الأمين العام لحزب الله) السيد حسن (نصرالله)". بعد كلام الرفاعي، بادر أحد المشاركين للقول إن آخرين يعترضون أيضاً على عمل السرايا، مثل رئيس تيار "الفجر"، عبد الله الترياقي، والنائب السابق أسامة سعد.

ما هي السرايا؟

كبرت سرايا المقاومة خلال سنوات، وصارت جيشاً رديفاً لحزب الله. لا يُعلن عن عديد أفرادها بشكلٍ رسمي، لكنه رقم مؤلف من عشرات الآلاف. يقول العارفون بشؤون السرايا إنها مؤلفة من جزأين: الجزء الأول هو السرايا الخاصة بالطائفة الشيعيّة، والثاني ذلك المتعلق ببقيّة الطوائف.

عندما قرر حزب الله توسيع السرايا، ردد مسؤولون في الحزب أنها وسيلة لضبط جزء من الجمهور الشيعي المتفلت "وتعليمه الدين والأخلاق". واستوعبت السرايا جمهور المراهقين والشباب من الطائفة الشيعيّة. وتستوعب دوراتها العسكرية، فتياناً من فئات عمرية أقلّ من 18 سنة. كما انتشر المنتسبون للسرايا في شوارع العاصمة اللبنانيّة ومختلف المدن ذات الغالبية الشيعية، وباتت الصورة النمطية عن هؤلاء تتجسد بجلوس هؤلاء عند زوايا الشوارع وهم يدخنون النرجيلة.

مع الوقت صارت السرايا موجودة في كل مكان توجد فيه تكتلات من الطائفة الشيعية. ويُردّد الكثير من مناصري الحزب أن الأخير "يحتاج لزعران"، كما يُشارك أعضاء من هذا الجزء من السرايا في القتال في سورية.

أمّا الجزء الثاني في السرايا، أي تلك التي تضم لبنانيين وفلسطينيين من مختلف الطوائف، وربما سوريين حالياً، فإنها توسّعت بشكلٍ كبير أيضاً. ويخضع عناصرها لدورات عسكرية وأمنية، ويقول أحد الذين شاركوا في إحدى الدورات إن "المسيحيين المنتسبين للسرايا باتوا من أفضل عناصرها".

دور غير معلن

تلعب سرايا المقاومة اللبنانية بشقيها، دوراً غير ذلك المعلن. باتت هذه السرايا موجودة في كلّ بلدة لبنانيّة، ويؤدي عناصرها دور مخبرين أمنيين منتشرين على كامل الجغرافيا اللبنانيّة، كما أنهم خلايا عسكرية نائمة يُمكن الاستعانة بهم عند الحاجة. قام أعضاء السرايا بدور رئيسي في مواجهة الشيخ أحمد الأسير ومجموعته العسكرية. كما أدت السرايا دوراً في جمع المعلومات حول المجموعات الإسلاميّة. ويُردد أعضاء في السرايا، إن لمجموعاتهم في البقاع الغربي دوراً بارزاً في كشف ماجد الماجد، القيادي البارز في كتائب عبدالله عزام، القريبة من القاعدة. كما يُردد آخرون إن مجموعات السرايا أحبطت عدداً من العمليات الانتحاريّة.

الإشكالات التي تحصل في صيدا حالياً، ليست الأولى من نوعها. سبقتها اشتباكات في طرابلس بين مقربين من السرايا ومقاتلين إسلاميين. لا يبدو أن هذه الأحداث يُمكن أن تتوقف في المدى القريب، رغم أن حزب الله يُشدد على أنه لا يُغطي أي عضو في السرايا يُشارك في إشكال فردي. لكنَّ الأهم ربما، هو تلك العبارة التي قالها منذ أربع سنوات أحد مسؤولي حزب الله في جلسة خاصة: "إننا نعسكر المجتمع بشكلٍ كامل. لا أعرف ما إذا كان الأمر سيخرج من يدنا يوماً ما".