الجمهورية السادسة في فرنسا

الجمهورية السادسة في فرنسا

10 فبراير 2017
الصورة

بونوا آمون..الدعوة لإصلاحات تتجاوز الإطار الدستوري لجمهورية 1958(2/2/2017/Getty)

+ الخط -
بمناسبة اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، يتجدّد النقاش بشأن ضرورة إصلاح السياسة والمؤسسات، وحول مراجعة طبيعة الحكم في بلاد الأنوار. وتتوجه، كالعادة، سهام النقد إلى دستور 1958 الذي أدخل فرنسا في عهد الجمهورية الخامسة، التي جعلت النظام السياسي الفرنسي مختلفا عن النظام الرئاسي الأميركي، وعن الأنظمة البرلمانية الأوروبية، وفي الوقت نفسه، نظاما يجمع خصائص من الأنظمة الرئاسية وأخرى من الأنظمة البرلمانية. 
في الواقع، كان النظام الفرنسي المختلط، شبه الرئاسي وشبه البرلماني في الآن نفسه، جوابا مؤسساتيا على حالة تخوفٍ تاريخيٍّ من الانزياحات البرلمانية للجمهوريات الفرنسية السابقة، والتي خلفت ضعفا مهولا للاستقرار السياسي، جرّاء انعدام التوازن بين سلطتين، تشريعية قوية ومهيمنة وأخرى تنفيذية هشّة وفاقدة للاستقلالية، وجوابا سياسيا مرحليا على سياقٍ مرتبط بزعامة استثنائية، ترتبط بالجنرال ديغول.

في نقد ملامح قصور هذا النظام، والتي تتجلى أساسا في الآثار السلبية لاقتسام السلطة التنفيذية بين الرئيس والحكومة، خصوصاً في العلاقة مع فكرة المسؤولية السياسية، برزت أطروحة الدعوة إلى "الجمهورية السادسة"، خصوصاً من طرف يسار الحزب الاشتراكي (مونتبورغ وبونوا آمون)، وتيارات يسار اليسار، والحساسيات البيئية، وبعض الأصوات المحسوبة على الوسط. وتشترك الأدبيات السياسية والأكاديمية، المنشغلة بأطروحة الجمهورية السادسة، في الأفكار التالية:
نقد النزعة الرئاسوية للجمهورية الخامسة، والتي تجعل من رئيس الجمهورية "ملِكا غير
متوج"، بصلاحيات واسعة، لا مثيل لها في كل أوروبا الغربية. الترافع من أجل عودة السلطة للحكومة المنبثقة من الأغلبية البرلمانية، والمسؤولة أمام ممثلي الأمة. تعزيز مخرجات النظام البرلماني، بوصفه نظاماً مستنداً على فكرة المسؤولية السياسية، وعلى ربط ممارسة السلطة بالرقابة والمحاسبة. تقوية مسالك الديمقراطية المواطنة والتشاركية، من أجل الوفاء لجوهر الديمقراطية المستند على المشاركة، وتجاوز أعطاب النموذج التمثيلي. تعميق شفافية الحياة السياسية، وتخليق العمل السياسي، عبر الحد من الجمع بين الوظائف التمثيلية وضمان مراقبة المواطنين ثروات مدبري الشأن العام.
مرشّح الحزب الاشتراكي، بونوا آمون، والذي يعلن، منذ سنوات، انخراطه في الدعوة إلى إصلاحات مؤسساتية عميقة، من شأنها أن تفضي إلى تجاوز الإطار الدستوري لجمهورية 1958، خصّص جزءا من مشروعه السياسي لحزمة من الاقتراحات الواردة تحت باب بعنوان "الجمهورية السادسة"، حيث يدافع الفائز في تمهيديات اليسار عن فكرة تعزيز الأبعاد المواطنة والتشاركية للديمقراطية الفرنسية، عبر إلزام البرلمان بمناقشة اقتراح قانون مقدّم من 1% من الجسم الانتخابي، وعلى إمكانية المبادرة المواطنة على تعليق تنفيذ قانون صادر عن البرلمان، وإحالته على الاستفتاء الشعبي، فضلا عن السماح للمواطنين بإمكانية تقديم تعديلات على مشاريع القوانين المعروضة للتداول، وفتح المجال أمام اقتراحاتهم بشأن توزيع جزء من الميزانية العامة .
على أن الاقتراح الأكثر إثارة في هذا السياق يبقى هو الاعتراف بالتصويت الأبيض، حيث يدعو هذا المرشح إلى إلغاء الاقتراع، إذا كان التصويت الأبيض حائزا على "الأغلبية".
على مستوى الإصلاح المؤسساتي، فيطالب آمون بإقرار ولاية رئاسية وحيدة من سبع سنوات، غير قابلة للتجديد، مع إعادة تعريف الوظيفة الرئاسية، بحيث يبتعد الرئيس عن الصلاحيات التنفيذية المباشرة، ليصبح مسؤولا عن التوازن بين السلطات واحترام الحريات ورعاية المصالح الكبرى للأمة، مع إصلاح مجلس الشيوخ، بفتح المجال أمام إمكانية تمثيل المجتمع المدني، إلى جانب تمثيلية المجالات الترابية.
في باب الجمهورية السادسة، دائما يدافع آمون عن تعزيز صلاحيات البرلمان، من خلال تقوية اختصاصاته في الرقابة على التعيينات الرئاسية، ومن خلال تقوية صلاحيات المعارضة
البرلمانية وتحديث عمل اللجان البرلمانية الدائمة، وتدعيم العمل البرلماني بالخبرة اللازمة للتشريع والرقابة، وبتقييد لجوء الوزير الأول لمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل 49 من الدستور، والتي تسمح الحكومة بتجاوز إمكانية الرفض البرلماني لمشاريع قوانينها، وحذف الفصل 40 الذي يمنع النواب من اقتراح نفقاتٍ إضافية، بمناسبة مناقشة قوانين المالية.
أما مرشح يسار اليسار، ميلونشون، فيتمنى أن يكون آخر رئيس للجمهورية الخامسة، وأن يغادر الإليزيه سريعا، بعدما يكون قد رافق عملية انتخاب مجلس تأسيسي، تكون مهمته الأساسية تأمين الانتقال المباشر إلى الجمهورية السادسة، من خلال نظام دستوري برلماني، ومواطن حديث يتجاوز نمط الحكم المبني على "ملكية رئاسية"، وإعادة السلطة إلى مصدرها الأصلي: المبادرة الشعبية.
هواجس الإصلاح السياسي ومراجعة المؤسسات وتغيير الجمهورية الخامسة لا تبدو مغرية لليمين، ذلك أن برنامج فرانسوا فيون لا يتضمن، مثلا، سواء في محاوره الكبرى، أو في إجراءاته الخامسة عشرة، ما قد يبدو رغبةً في إصلاح الديمقراطية الفرنسية، ذلك أن الطابع الرئاسي للجمهورية الخامسة يبدو متوافقا مع تمثل هذا المرشح، ووراءه جزء من اليمين الفرنسي لفكرة السلطة ولحاجة الوظيفة السياسية الأسمى في الدولة، لتجسيد هذه السلطة.