الجلّابة المغربية للنساء والرجال

24 يونيو 2017
الصورة
قد تستمر خياطتها عشرة أيام (العربي الجديد)
+ الخط -
في المغرب كثير من العادات والتقاليد التي ما زالت باقية، لعلّ من أبرزها الجلاّبة التي تخصص لرمضان والعيد وغيرهما، خصوصاً أنّها تطورت مع العصر

تفتح صفيّة الوهابي محلّها الصغير إلى جانب ثماني خيّاطات أخريات باكراً. لديهنّ يوم طويل ومجهد من خياطة الجلّابة (الزّي التقليدي المغربي). عليهنّ تسليم طلبات الزبائن قبل عيد الفطر. توظف الخيّاطات، وبينهن الوهابي، معلّمي خياطة يساعدونهنّ في التطريز أو تركيب الزينة "الجواهر"، إذ يستحيل على الخيّاطة بمفردها أن تنجز ما يفوق أربعين "جلاّبة" خلال شهر.

تتسابق العائلات المغربية من قبل رمضان على شراء الأقمشة أو الجلّابات المخاطة مسبقاً، والأمر لا يقتصر على الوالدين أو كبار السنّ في العائلة، يل يمتد لبسها من الكبير إلى الصغير.
تخيط المرأة عادة جلّابتين خلال رمضان، الأولى خفيفة الخيط وبسيطة ترتديها طوال أيام الشهر الفضيل والأخرى يجب أن تكون فخمة ذات جمالية وبزينة واضحة. أما الرجل قد يرتدي الـ"قندورة" في الأغلب، ويترك الجلاّبة لمناسبة العيد. أما الأطفال الصغار الذكور فتُفصّل لهم عائلاتهم ما يُسمى بـ"الجابدور"، والإناث يرتدين الجلّابة.

هذا الموروث الشعبي التقليدي يتطلب من العائلة المغربية الواحدة ما ميزانيته 3 آلاف درهم (300 يورو) على أقل تقدير، وتبقى الميزانية تتأرجح بحسب القماش والزينة المستخدمة في الجلّابة.

تتطلب خياطة الجلّابة بواسطة الماكينة ثلاثة أيام على الأقل، أبسطها الجلّابة العادية من دون زينة أو تطريز، وأصعبها قد يستغرق عشرة أيام بتطريز يدوي و"جواهر" أو "تنّبات" تخيّط باستخدام اليّد أيضاً كما تقول الوهابي لـ"العربي الجديد".

تمتلئ شوارع المغرب بهذا التقليد الذي يحمل أجواءً خاصة، فالصائمون على اختلاف توجهاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية يرتدون الجلّابة، وتبرز الظاهرة في المدن الأكثر محافظة مثل مدن الشمال طنجة، وتطوان، وشفشاون وغيرها.



توارث المغاربة ارتداء هذا الزيّ التقليدي منذ مئات السنين. لم تكن بشكلها الحالي المتنوع والمنتشر، إنمّا شكل آخر أكثر أصالة وتعبيراً عن الهوية المغربية وخصوصيتها كان ينعكس في تصميم واحد اختفى مع الوقت. إلاّ أن العصرنة بدأت تتوجه إلى القديم وتضيف إليه وتعيده إلى السطح مرّة أخرى. تقول الوهابي: "تتعامل الأجيال الحالية مع الجلابة بروح أكثر عصرية، لكن عاد التصميم القديم ذو الأكمام العريضة إلى الواجهة. اليوم قد نشاهد الفتاة ترتدي الجلابة مع حذاء أديداس، وهذا يؤشر على أنّ الجلابة تتفاعل مع العصر ولا علامة تدل على انقراضها مستقبلاً".

ترتبط رمزية الجلّابة، ولأنها رداء طويل، بما هو دينيّ- مقدس، قائم على الحجاب والسترة، كما أنّها رمزية لتقليد عريق يظهر في المناسبات الدينية وطقوس الأعراس والحفلات، وظلّت محافظة على مكانتها بين الأوساط الشعبية والرسمية. يرتديها البرلمانيون في جلساتهم، وتعتبر رداء ملكيّاً عززّ حضوره العاهل المغربي محمد السادس في المناسبات الرسمية.


توضح فاطمة الزهراء رياض لـ"العربي الجديد" رمزية الجلّابة في أنها "تعني مجازاً العودة إلى حضن التقاليد، مثل "الشباكية والزميتة والحريرة" وتعتبرها فئة من الملابس الوقورة والساترة.

أمّا محسن صمدي فيجد أنّها "غرس للروح المغربية في الأجيال الناشئة". يقول: "الجلابة المغربية من مظاهر التشبث بالتقاليد الأصيلة، لذا نجدها حاضرة في عدد من المناسبات ذات الصبغة الدينية كالأعياد ويوم الجمعة بالإضافة إلى شهر رمضان. هذا الأخير أصبح بمثابة فرصة للوالدين من أجل زرع بذرة التشبث بالتقاليد في الأجيال الناشئة لذا نجدهم شديدي الحرص خلال هذا الشهر على ارتداء هذا الزيّ وتوصية أبنائهم بارتدائه، كما يعتبر أيضاً بمثابة نوع من الحنين لزمن ماضٍ (بتقاليده وعاداته) وقد بدأ بالاختفاء شيئاً فشيئاً".

في السياق نفسه، يقول سفيان فاسيكي أنّ "الجلّابة لا تغيب عن طقوس الزواج فيرتديها العريس كزي رسمي في ليلة زفافه". ويعتبر أحمد بن عبد الهادي أنّ "الجلابة مظهر للوقار. وفي الآونة الأخيرة بدأت تفقد وقارها وجمالها التقليدي الأصل".

لم تكن المرأة قديماً تعرف الملابس العصرية، وبالرغم من دخول الفرنسيين إلى البلاد بحضارتهم وأزيائهم ظلّت المغربية متمسكة بجلّابتها وارتدت معها الخمار المغربي. تقول الوهابي: "وجدت جدتي ووالدتي يحضّرن جلاباتهن لرمضان، وهو إرث قديم أتذكر به النساء اللواتي يتركن اللباس العصري بعد الزواج، ويبدأن في خياطة الجلاّبة طوال العام".

لكنّ المرأة لا تُجبر على ارتداء الجلاّبة بل فقط من باب الوقار والاحترام والهيبة" بحسب ما تقول سهام النادي لـ"العربي الجديد". فالجلاّبة "تضيف للمرأة شخصية وتعكس الهوية المغربية". لكنّ الفتاة قد تتعرض لكلام مسيء أو تجريح في حال لم ترتديها: "تسمع الفتيات عبارات من قبيل: اذهبي واستري نفسك، لأنها ترتدي الجينز". تقول الوهابي: "قد يدور الشاب بلباس البحر (شورت قصير) في الشارع ولا أحد ينهاه عن الأمر".

في مدينة طنجة حيّ خاص بالخياطين التقليديين للجلاّبة يسمى حي الريسول، تجدهم فيه كخلية نحل تعمل ليلاً نهاراً. يُخرج الخيّاطون آلاتهم أمام محلاتهم الصغيرة إذعاناً بحركة الخيوط الدؤوبة، وهي آلات تستخدم في خياطة "البورشمان". ويحرص العاملون ألاّ تتشابك الخيوط خارج محلاّتهم في مشهد يبدو كشبكة، وإذا لم ينتبه المارّة للخيوط المعلقة قد تشتبك بها رؤوسهم وتعرقل عملية الخياطة في الداخل.

تدخل الجلّابة في باب المفاخرة والمباهاة، وتبيّن لنا الطبقات الاجتماعية التي ينتمي لها الناس: "تعتبر جلّابة العيد سراً لا تفشيه المرأة للأخريات، عليها أن تتفاخر بها خصوصاً إذا كانت مطرّزة باليد ويزينها الجوهر، فهي على هذه الحال الأغلى ثمناً" بحسب الوهابي.

ينتهي رمضان وتبدأ خياطة هذا الزيّ التقليدي لاستقبال الأعراس وعيد الأضحى والمولد النبوي بالإضافة إلى أزياء تقليدية أخرى مثل "التكشيطة" و"القطفان" التي لا تغيب عن بال المرأة المغربية في مختلف الاحتفالات.