الجزائر: "توبة" الجيش عن الانقلابات والسياسة

25 اغسطس 2017
الصورة
رفض قايد صالح تدخل الجيش في السياسة (العربي الجديد)
+ الخط -
نأت المؤسسة العسكرية في الجزائر بنفسها عن السجال السياسي الدائر بشأن غموض الموقف في أعلى هرم السلطة. وردت برفضها تجاوز الجيش حدود صلاحياته الدستورية، أو الإقدام على أية خطوة سياسية في هذا السياق، رداً على مطالبات قوى وشخصيات سياسية ومدنية لها بالتدخل لوقف ما تعتبره هذه الأطراف "انهيار الدولة" وهيمنة "الكارتل" المالي على الحكم في البلاد. وظهرت نشوة سياسية كبيرة على أنصار الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، بعد تصريحات قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، الرافضة لأي دور للجيش في المشهد السياسي، والتزامه بحدود مهامه الدستورية كحامٍ للبلاد، برغم أن مضمون هذه التصريحات مكرر في مجمل تصريحات وخطابات قائد الجيش السابقة. وتجلت نشوة البوتفليقيين في المسارعة إلى نشر تصريحات قايد صالح على نطاق واسع، كرد مباشر على المطالبين بما يشبه "الانقلاب"، أو الدخول على خط رفض الوضع الرئاسي الراهن. وقال قايد صالح، في لقاء مع قيادات عسكرية ميدانية، بحسب بيان لوزارة الدفاع الوطني نشرته أمس الخميس، إن "الجيش لا يحيد أبداً عن القيام بمهامه الدستورية مهما كانت الظروف والأحوال، وسيظل أيضاً مثابراً على تطوير قدراته، مرابطاً على الثغور، راعياً لمهامه ومعتنياً بمسؤولياته، ومقدراً لحجم واجبه الوطني". وشدد قائد الأركان على أن الجيش سيلتزم حدود مهامه الرئيسية من دون أي دور سياسي، موضحاً: "سيظل الجيش مثلما أكدنا على ذلك مراراً وتكراراً، جيشاً جمهورياً ملتزماً بالدفاع عن السيادة الوطنية وحرمة التراب الوطني". واستعار قايد صالح من بيان رسالة رئاسية أخيرة، قائلاً "يمكن للشعب الجزائري أن يرتكز بأمان على الجيش عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على أمن البلاد ومواطنيها، والحفاظ على سلامة التراب الوطني".

بشكل أو بآخر لا يمكن إخراج تصريحات رئيس الأركان عن سياق التطورات السياسية المتسارعة في البلد، عقب إقالة حكومة عبد المجيد تبون، التي جاءت لمدة شهرين ونصف الشهر، وتعيين حكومة جديدة بقيادة أحمد أويحيى، وشابها الكثير من الغموض عن خلفيات الإقالة والتعيين، وعن مصدر هذه القرارات المتسارعة، وعما إذا كان بوتفليقة يمسك فعلاً بزمام الأمور، أم أن هناك من يمارس صلاحياته بالنيابة عنه، في إشارة إلى شقيقه سعيد بوتفليقة، الذي ينظر إليه قطاع واسع من الجسم السياسي والرأي العام في الجزائر على أنه الفاعل الأبرز في مؤسسة الرئاسة حالياً. كما لا يمكن إبعادها عن سياق رد من المتحدث باسم المؤسسة العسكرية على سلسلة مطالبات قوى وشخصيات سياسية ومدنية للجيش بالتدخل لوقف ما وصفته أبرز أحزاب المعارضة السياسية في الجزائر، مثل جيل جديد، وطلائع الحريات، وحركة مجتمع السلم، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب العمال، وجبهة القوى الاشتراكية، "بالفوضى والانهيار والغموض في أعلى هرم السلطة". وهو ما يذهب إليه المحلل السياسي، مروان الوناس، الذي اعتبر أن ما "ورد على لسان رئيس أركان الجيش نائب وزير الدفاع هو رسالة موجهة لكل الأصوات التي ارتفعت خلال الأيام الأخيرة تطالب بتطبيق المادة 102 من الدستور وإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية. وطبعاً هذه المطالبات تعكس الشعور العام السائد لدى الطبقة السياسية جراء غياب بوتفليقة بسبب المرض، ما رفع مستوى الشكوك من أن هناك جهات أخرى استولت على مصدر القرار، وتتكلم باسم رئيس الجمهورية الذي لا يظهر للرأي العام إلا نادراً ولا يسمع له صوت". ويعتقد الوناس أن "الرهان على دور حاسم للجيش وتدخله هو أمنية لدى جزء من النخبة التي تطالب بالتغيير، رغم أن التاريخ السياسي للجزائر، في أهم منعطفاته، كان العسكر فيه هم صناع القرار، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة". ولفت إلى أن هذا الوضع لم يعد ممكناً بسبب تغييرات بنيوية عميقة أحدثها بوتفليقة في تركيبة الصف الأول من قيادات الجيش. وقال "واهم من ينتظر تدخلاً للمؤسسة العسكرية ضد بوتفليقة".

ومنذ مجيء بوتفليقة تراجع دور الجيش، ودان بالولاء للرئيس، بدليل أنه تمكن من إضعاف والقضاء على كل مراكز القرار الموازية الأخرى، مثلما أقال كل من لا يدين له بالولاء، ووضع مكانهم من يحسبون عليه بعدما حصلوا على ترقيات أو اعادة الاعتبار، مثلما حصل مع نائب وزير الدفاع، أحمد قايد صالح، الذي يدين بالولاء الكامل للرئيس. ولا يمكن مطلقاً، على الأقل وفق المعطيات الراهنة، الكلام عن انقلاب أو تدخل الجيش بعدما حل جهاز الاستخبارات المتغول في زمن صانع الرؤساء، محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، وهو آخر من كان يمكنه أن يشكل قوة موازية للرئاسة التي هيمنت على كل شيء، وقضت على مكامن المقاومة ومصادر الخطر الممكنة.



لكن ورغم أن توصيفاً كهذا يتطابق مع واقع الحال بشكل كبير، إلا أن الكثير من القرارات والتحليلات لا تستبعد استمرار قيام الجيش بدور فاعل ومهم في مؤسسة الحكم في الجزائر، خصوصاً بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي الجزائري المركب منذ انقلاب الجيش على الحكومة المؤقتة في صيف عام 1962، عشية استقلال الجزائر، واستمرار ضعف المؤسسات السياسية الدستورية الأخرى، كالحكومة والبرلمان والمؤسسة الحزبية المشكلة للمشهد السياسي. ويعتقد المحلل السياسي، أحسن خلاص، أن "وجود الجيش في الخلفية السياسية جزء من طبيعة النظام نفسه. في الجزائر الجيش هو الذي شكل الدولة وليس العكس. ويظل الجيش العمود الفقري للنظام القائم، لكنه لا يحب الواجهة"، في إشارة إلى دور محوري مستمر للجيش في الحكم في البلاد، بحكم طبيعة تشكل النظام السياسي في الجزائر، والذي انبثق عن ثورة التحرير، وورث فيها جيش التحرير، الذي تحول لاحقاً إلى جيش نظامي، الدولة ومؤسساتها. ويضيف خلاص "لا بد من التفريق بين الجيش كمؤسسة وأفراد نافذين في قيادة الجيش الذين يتابعون الشأن السياسي عن كثب، وظِلهم قائم في التوجهات والقرارات الكبرى للدولة. ليست المرة الأولى التي ذكر فيها الجيش بموقعه ومهامه الدستورية في خارطة الدولة ككل. مرة يكون تدخله كرد فعل على دعوات للتدخل المباشر، ومرة يكون متناسقاً مع الظرف، وهو ما يحدث الآن". ويربط خلاص بعض المطالبات السياسية والمدنية للجيش بالتدخل لكون "الكثيرين يظنون أن الجيش هو الوحيد القادر على تحريك الأمور وتطبيق المادة 102 أمام صمت المجلس الدستوري، لكن إذا تدخل الجيش فإن الأمر يعد انقلاباً كامل الأركان. وتلك رسالة مشفرة إلى المؤسسات الأخرى بأنه إذا أرادت القيام بدورها الدستوري فإن الجيش لا يملك إلا موافقتها واحترام قراراتها".

وينظر قطاع آخر من المتابعين لتطورات المشهد السياسي في الجزائر إلى تصريحات قايد صالح على أنها استدراك لموقف التأييد الذي أبدته وزارة الدفاع لرئيس الحكومة المقال، عبد المجيد تبون، في حملته ضد رجال المال، وعلى رأسهم رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الخاصة، علي حداد، الذي يعد أبرز المقربين من شقيق بوتفليقة وممول حملته الرئاسية عام 2014، وهي الحملة التي مثلت الأساس لإقالة تبون من رئاسة الحكومة، إذ كانت وزارة الدفاع من بين الهيئات الحكومية التي أرسلت اعتذارات إلى شركات علي حداد، التي تقوم بتنفيذ مشاريع بنية تحتية لصالح الجيش، بعد انتقادها بسبب تأخر إنجازها، وهو ما وضع رئيس أركان الجيش ضمن كتلة موازية لكتلة ثانية في هرم السلطة، في خضم أولى المنازلات التي تسبق الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في ربيع 2019. لكن هذا الاستدراك، بحسب بعض التقارير، لن يمنع بوتفليقة من تنفيذ سلسلة تغييرات في قيادات الصف الأول في الجيش خلال الفترة التي تسبق بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. ويفهم من مواقف قيادة الجيش الجزائري المتواترة في الفترة الأخيرة بشأن عدم التدخل في الشأن السياسي، تركه المجال السياسي العمومي وتخليه عن أدوار سياسية تحمّلها لفترة طويلة وتحمّل أعباءها وتداعياتها، بعد سلسلة انقلابات، بدءاً من الانقلاب على الحكومة المؤقتة صيف 1962 إلى الانقلاب على الرئيس أحمد بن بلة في يونيو/ حزيران 1965، إلى دفع أكبر عقيد في الجيش حينها، الشاذلي بن جديد، إلى سدة الحكم وقطع الطريق على وزير الخارجية في العام 1979 عبد العزيز بوتفليقة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، وصولاً إلى الانقلاب على المسار الديمقراطي في يناير/ كانون الثاني 1992، وإرغام الشاذلي بن جديد على الاستقالة، ما أدخل البلاد في حمام دم وأزمة أمنية خطيرة. ويكون الجيش الجزائري بذلك بصدد "التوبة" من الانقلابات، وخصوصاً أن تطور الجبهة السياسية الداخلية والمناخ الدولي لا يترك مجالاً لتصريف تدخل عسكري في الجزائر، ينسف تراكماً من صورة الدولة المستقرة والتحول المدني الذي يرسم عن الجزائر في العقد الأخير.

المساهمون