التعليم "القنبلة" الموقوتة في المغرب

التعليم "القنبلة" الموقوتة في المغرب

08 مارس 2017
الصورة
+ الخط -
"نظام التعليم في المغرب في خطر"، هذا ليس استنتاجا شخصيا، وإنما خلاصة تقرير أعدته مؤسسة رسمية مغربية، يرأسها أحد مستشاري الملك محمد السادس. تقرير المؤسسة الرسمية "المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي"، التي تضم شخصياتٍ تمثل مختلف أشكال الطيف السياسي والثقافي المغربي، دق ناقوس الخطر، عندما أفاد بأن النظام التعليمي، وخصوصا على مستوى المدرسة الثانوية يعاني "وضعا خطيرا".
وسبب هذا الوضع الخطير يعزوه التقرير إلى ضعف قدرة الاستيعاب لدى التلاميذ المغاربة، خصوصا في المواد العلمية، مثل الرياضيات واللغات، إذ جاء في التقرير أن 84% من طلاب القسم العلمي لا ينالون المعدل في الرياضيات، فيما يعاني طلاب القسم الأدبي "تراجعا كبيرا في كتابة اللغة العربية"، كما أن مستواهم "منخفض جدا" في الفرنسية، اللغة الثانية في البلاد. وربط التقرير هذا التراجع بعدة عوامل اجتماعية واقتصادية وأسرية وتربوية ومادية، تؤثر سلبًا على مدى استيعاب التلاميذ.
وليست هذه هي المرة الأولى التي تشير فيها تقارير رسمية مغربية، أو دولية، إلى ما يعانيه قطاع التعليم في المغرب من تراجع، خصوصا في مجال التحصيل والاستيعاب. ففي العام 2014، صدر تقرير عن "اليونسكو" صنّف المغرب ضمن أسوأ دول العالم في مجال التعليم، بسبب ضعف المهارات التعليمية الأساسية التي يتلقاها التلاميذ في مدارسهم، ولا يتعلمون ما يلزمهم من مهاراتٍ أساسية في القراءة والرياضيات. وفي 2008، صدر تقرير عن البنك الدولي، صنف نظام التعليم المغربي في الرتبة الثالثة ما قبل الأخيرة بين الدول العربية، لأنه لا يلقن التلاميذ ما يحتاجونه من مهاراتٍ مطلوبة، وهو ما يترتب عنه مستقبلا ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الخرّيجين الذين لا يجدون لهم مكانا في سوق العمل، بسبب ضعف مهاراتهم المهنية والعملية.
وقبل ذلك، صدر عام 2005 ما سمي في المغرب بتقرير "الخمسينية"، وهو تركيب 
لمجموعة تقارير ودراسات حول ما عرفه المغرب، منذ استقلاله عام 1955 حتى 2005، في مجال السياسات العمومية. وأظهر هذا التقرير الرسمي الذي أشرف عليه أيضا أحد مستشاري الملك أن ما طبع سياسات التعليم في المغرب هو التردّد في اختيار الاستراتيجيات، وتجريب المناهج، واعتماد الإصلاحات الظرفية الانتقائية التي تعتمد الأبعاد الكمية، وتؤجل الجوانب النوعية.
وخلال الشهر الماضي، صدرت دراسة عن "إدارة التخطيط" في المغرب، وهي هيئة رسمية، ذكرت أن نحو 1.7 مليون شابة وشاب مغربي، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين، بسبب ضعف التأهيل الذي يتلقونه في المدارس.
يضاف إلى ذلك كله نسبة الأمية التي مازالت مرتفعةً داخل المجتمع المغربي، وارتفاع نسبة ما يسمى في المغرب "الهدر المدرسي"، أي التلميذات والتلاميذ الذين لا يتمكنون من متابعة دراستهم لأسباب مختلفة، منها ما هو اقتصادي واجتماعي.
يحصل هذا في بلد تخصص فيه الدول نحو 6.4% من الناتج الداخلي الخام للإنفاق على قطاع التعليم. ومع ذلك، يظل التعليم فيه العقبة الرئيسية التي تحول دون تحقيق أداء جيد في مجال التنمية البشرية، حيث ظل المغرب، طوال العشرية الماضية، يحتل المرتبة ما بين 126 و133 من أصل 187 بلدا في مجال التعليم.
يحصل هذا أيضا في واحدٍ من البلدان العربية القليلة التي أنشأت، منذ أكثر من عشر سنوات،
"ميثاقا وطنيا للتربية والتكوين"، تضمن أفكاراً وتصورات وآراء تشكل مرجعية للإصلاح على المدى البعيد. وممن شاركوا في إعداد هذا الميثاق رئيس الحكومة المنتهية ولايته ورئيس الحكومة المعين حاليا، عبد الإله بنكيران. وهذا ما يطرح أسئلةً كثيرة بشأن الخلل الموجود على مستوى الإرادة السياسية، فكل المؤشرات تشير إلى وجود مثل هذه الإرادة للإصلاح على أعلى مستويات الدولة، من خطب الملك حتى تصريحات كبار المسؤولين، وإشراف مستشاري الملك على إعداد الخطط المستقبلية لإصلاح التعليم.
مشكل التعليم في المغرب أنه ظل سنوات منذ الاستقلال رهين حسابات سياسية ضيقة، تتغير مع تغير الأجندات السياسية في كل مرحلة من المراحل السياسية التي عاشها المغرب. في البداية، جرّب المغرب سياسة "مغربة" التعليم باستبدال الأطر (الكوادر) الفرنسية التي تركها الاستعمار بأطر مغربية، أغلبها كانت ضعيفة التكوين، وتفتقد إلى التجربة. بعد ذلك تم تجريب سياسة التعريب، بدون الإعداد الجيد لها، ما أدى إلى تنشئة أجيال هجينة من المتعلمين نصف معربين ونصف مفرنسين. وفي العشريتان الأخيرتان، وبتوصيةٍ من المؤسسات الدولية الممولة، انتهج المغرب سياسة تقليص موازنات التعليم، ما أثر على القطاع نوعاً وكماً. وفي السنوات الأخيرة، نهج المغرب نوعا من "الخصخصة" المواربة، بفتح الباب أمام التعليم الخصوصي الذي تحوّل هاجس أصحابه إلى الربح السريع، ولا شيء غير الربح.
الآن يجد المغرب نفسه مرة أخرى أمام مفترق طرقٍ كبير، بخصوص سياساته التعليمية، فرئيس الحكومة المعين واحد من أنصار خصخصة التعليم، والمؤسسات النقدية الدولية أصبحت اليوم تضغط، أكثر من أي وقت سابق، على المغرب، مراجعة سياساته الاجتماعية، وفي مقدمها قطاع التعليم. ومع صدور التقرير، يتحول التعليم إلى قنبلة موقوتة، الكل يعرف أنها ستنفجر، ومع ذلك لا يعمل أي شيء لتجنب ساعة الانفجار.