التدخين ما زال يقتل الفرنسيين

09 يونيو 2019
الصورة
"خالٍ من التدخين" (سيباستيان بوزون/ فرانس برس)

ما زال التدخين يقتل شخصاً واحداً من بين كلّ ثمانية أشخاص في فرنسا، على الرغم من كل حملات الوقاية التي تجهد فيها الجهات المعنية في البلاد. هذا ما أكّدته الوكالة الوطنية للصحة العامة في نشرتها الأسبوعية الخاصة بعلم الأوبئة، في حين أنّها قدّرت عدد ضحايا التدخين لعام 2015 بنحو 75 ألف وفاة من بين مجموع الوفيات المقدّر بـ 580 ألفاً للعام نفسه. وإذ يرى القائمون على النشرة أنّ الحال في فرنسا لا تختلف عمّا هي عليه في معظم البلدان المتطوّرة لجهة تسبّب التدخين بالوفاة، فإنّهم يؤكدون أنّه في الإمكان تجنّب ذلك في فرنسا.

وبحسب إحصاءات 2015، فإنّ الرجال هم أكثر عرضة للموت بالتدخين من النساء، فقد توفي 55 ألفاً و400 رجل في مقابل 19 ألف امرأة، وهو ما يعني 19 في المائة (رجال) وسبعة في المائة (نساء) من مجموع وفيات العام المذكور. وعلى الرغم من هذا الفارق بين الجنسَين، فإنّ البيانات تشير إلى تصاعد نسبة الوفيات بين النساء منذ عام 2000. والموت المرتبط بالتدخين يعود إلى أسباب عدّة، منها أمراض السرطان مع أكثر من 61 في المائة (في مقدّمتها سرطان الرئة) ثمّ أمراض القلب والشرايين والأمراض التنفسية.

وفي حين لم تتغيّر نسبة المدخّنين في عامَي 2017 و2018 بين البالغين (18 - 75 عاماً) مع 32 في المائة، إلا أنّ وزارة الصحة تشير إلى انخفاض في عدد المدخنين بصورة يومية. منذ عام 2016 انخفض عدد المدخّنين مليوناً و600 ألف شخص. ويمكن ربط هذا الانخفاض بالسياسة التي تتبعها السلطات الفرنسية المتعاقبة لحثّ الناس على وقف التدخين، خصوصاً الإجراءات الرادعة المتمثلة في رفع ثمن علبة السجائر، التي من المتوقّع أن تصل في عام 2020 إلى 10 يورو، بالإضافة إلى تعويضات تُقدّم إلى من يستخدم بدائل النيكوتين، من دون أن ننسى فعالية "شهر من دون تدخين" في نوفمبر/ تشرين الثاني.




في الواقع، عرفت فعالية "شهر من دون تدخين" في دورتها الثالثة (2018) نجاحاً كبيراً، مع تسجيل أكثر من 241 ألف شخص من الراغبين في الإقلاع عن التدخين، أي بزيادة 84 ألف شخص بالمقارنة مع عام 2017 (157 ألف شخص)، في حين تسجّل 180 ألف شخص في عام 2016. وتتلخص فكرة الفعالية في حثّ المدخّنين على الإقلاع عن التدخين على مدى شهر كامل، الأمر الذي يعني مضاعفة احتمالات التوقف النهائي عن التدخين خمس مرّات. ولأنّ الجهات الصحية المختصة تعلم جيداً أنّ الإقلاع عن التدخين ليس سهلاً، فقد توفّرت وسائل مساعدة مختلفة للراغبين في ذلك.

أمّا الإقبال على بدائل النيكوتين فيبدو كبيراً وقد فاق التوقعات، إذ إنّ مبيعات عام 2018 ارتفعت بنسبة 66 في المائة بالمقارنة مع تلك المسجّلة في عام 2017. وصار أكثر من 300 ألف مدخّن فرنسي يشترون شهرياً أقراصاً للمصّ وعلكة النيكوتين أو لاصقات النيكوتين. وهذا "رقم قياسيّ" باعتراف "المرصد الفرنسي للمخدّرات ومختلف أنواع الإدمان" (أو إف تيه ديه). يُذكر أنّ وزارة الصحة أقرّت في عام 2018 تعويضات مالية لتلك البدائل، بعدما أكّدت أنّ من شأن تلك البدائل أن ترفع احتمالات الإقلاع عن التدخين بنسبة تتراوح ما بين 50 و70 في المائة.

على الرغم من النتائج الإيجابية المسجّلة في هذا المجال والجهود التي تبذلها وزارة الصحة والحملات المختلفة الهادفة إلى الإقلاع عن التدخين، فإنّ نسبة التدخين في فرنسا تظلّ مرتفعة بالمقارنة مع بلدان من المستوى الاقتصادي نفسه. كذلك، فإنّ نسبة الإقلاع عن التدخين تختلف من شريحة اجتماعية إلى أخرى، لذا فإنّ الفئات "الأكثر ضعفاً"، خصوصاً العاطلين من العمل أو أصحاب الدخل المتدنّي أو الأقلّ تعليماً، ما زالت تعاني من "الوباء". ولا تتوقف في فرنسا حملات التوعية حول مخاطر التدخين واستهلاك التبغ بأشكاله، وهي لا تُحصر بمناسبة معينة أو يوم عالمي أو غير ذلك. فالسلطات تدرك جيداً التكلفة الباهظة للتدخين والخسائر الكبيرة بشرياً واقتصادياً. وقد تلجأ الحملات إلى فعل الصدم من خلال إعلانات تُبثّ عبر وسائل الإعلام أو تُطبع على علب السجائر.




تجدر الإشارة إلى توجّه كبير صوب السيجارة الإلكترونية كبديل للسجائر العادية، وتفيد بيانات بأنّ ثمانية مدخّنين من بين كلّ عشرة مدخنين بالغين جرّبوا السيجارة الإلكترونية. وبينما يرى متخصصون في مكافحة التدخين أنّ استخدام تلك السيجارة أفضل من سواها بسبب عدم احتوائها على تبغ يحترق فيعرّض المدخّن إلى مخاطر كثيرة، إلا أنّ ثمّة دراسات علمية حديثة تحمّل السيجارة الإلكترونية مخاطر أخرى تهدّد صحة المدخّن. ومن تلك المخاطر السرطان الذي تتسبب به بعض مواد تلك السيجارة، بالإضافة إلى أمراض القلب وأمراض تنفسية.