البطالة بين الشباب الجزائري والانتخابات الرئاسية

17 فبراير 2019
الصورة
خلال تحرك في الجزائر (فاروق باطيش/فرانس برس)
تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الجزائرية مدّة شهرين وما زالت البطالة تنهش الشباب، الشريحة الأكبر المعوّل عليها في إحداث التغيير من خلال الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات القادمة، لكن للأسف معظم الشباب يعانون من البطالة ومُحبطون بشكل كبير لدرجة العزوف عن المشاركة في الانتخابات والتصويت للشخص الذي يمكن أن يُغيِّر أوضاعهم للأفضل وينتشلهم من حضيض البطالة والضياع. 

واقع خطير جدًّا يمكنه أن يُدمِّر أيضاً مستقبل الأجيال القادمة، وهذا أقلّ شيء يمكن توقُّعه في ظلّ امتزاج البطالة بين الشباب بالإحباط، الأمر الذي يقود إلى افتقار عملية الانتخابات لصوت الشباب ويضمن استمرار تردِّي الأوضاع ويؤكِّد تفشِّي الضياع والشعور باليأس بين الأجيال الحالية والمستقبلية.

البطالة بلغة الأرقام
جدل واسع يشكِّله الوضع الراهن للشباب الجزائري العاطل من العمل، حيث تشير إحصائيات منظمة العمل الدولية إلى تزايد عدد الشباب العاطلين من العمل، حيث وصلت نسبة البطالة بين هؤلاء إلى 10% سنة 2017، وقُدِّر معدل البطالة بين الذكور بـ8.4% مقابل 17.4% بين الإناث.

كما أكَّد صندوق النقد الدولي على أنّ معدل البطالة سيتفاقم في الجزائر وسيرتفع من 11.16% في 2018 إلى 12.91% في 2020، والسبب هو ارتفاع عدد الشباب الباحثين عن فرص عمل، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تتخبَّط فيها البلاد منذ تهاوي أسعار النفط.

وكذا يلعب أداء الاقتصاد الضعيف دوراً في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي الذي بدوره سينخفض، حسب بيانات الصندوق، من 1.98% سنة 2017 إلى 1.84% سنة 2020 وصولاً إلى 0.66% سنة 2022، وبالتالي سيساهم ذلك النمو الاقتصادي الهزيل في تفشِّي البطالة بين الشباب.

هذه الأرقام التي تعكس الواقع الاقتصادي المرير من شأنها أن تجعل شريحة الشباب في البلاد فريسة سهلة للإحباط واليأس اللّذين يقودان إلى مشاكل وتبعات أخرى لا تُحمد عقباها، لكون الجزائر بلد غني بالنفط والغاز مرّت عليه فترات رخاء مالي في ظلّ ارتفاع أسعار النفط.

إذ كان بإمكان الحكومة آنذاك التخطيط لبرامج جادّة لتوفير أكبر قدر من الوظائف لمدّة معتبرة من الزمن عوضاً عن إلهاء الشباب بعقود التوظيف المؤقتة وقروض وكالة دعم تشغيل الشباب أو ما يعرف بـ"أونساج" التي لم تساعد على الحدّ من البطالة ولم تُقدِّم للإنتاجية والنمو الاقتصادي شيئًا يذكر، بل على العكس ساهمت في غرس الكسل في نفوس الشباب وترسيخ العمل غير المنتج الذي يقود الاقتصاد الجزائري نحو الهاوية بدلاً من التشبُّث بالتنويع الاقتصادي.

عزوف الشباب عن التصويت
تُظهر نتائج استطلاعات الرأي للباروميتر العربي (الدورة الرابعة 2016-2017)، أنّ 85.4% من المستجوبين الشباب في الجزائر لم يشاركوا في الانتخابات ولم يُصوِّتوا في آخر انتخابات تمّ إجراؤها، كما أكَّد 42.7% من فئة (العمر 15 - 29) أنّ أداء الحكومة في إيجاد فرص عمل لهم سيئ جدًّا.

الشباب المُحبَط من سياسات التشغيل الحالية التي تشبه إلى حدّ ما عملية التقطير لا يرى في الانتخابات القادمة أيّ بصيص أمل يمكن أن يُغيِّر وضعه للأحسن، فهو يرى حلاً واحداً فقط وهو الهجرة، سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية، بحثاً عن فرص عمل وعيش كريم نظراً لضيق سوق العمل المحلي وعدم تحمُّله لطاقات شابة تُضخّ عليه سنوياً ووقوف صنّاع القرار والمسؤولين مكتوفي الأيدي أمام هذا الوضع الصعب والذي يبدو أنّه مزمن أيضاً.

وكأنّ الشباب البطَّال والممتنع عن التصويت في الانتخابات يوجِّه رسالة بتجاهل الحكومات المتعاقبة لمطالبه بإيجاد عمل وسكن، وهذا ما أدَّى إلى نمو شعور عدم الانتماء لدى هؤلاء الشباب والذي تمثَّل في عدم مشاركتهم في الإدلاء بأصواتهم لاختيار رئيسهم الجديد.

تهميش الشباب وإبقائهم خارج سوق العمل في وقت الرَّخاء المالي يجعل هؤلاء الشباب أنفسهم على يقين من أنّ حالهم لن يتحسَّن ولا سيَّما في ظلّ انخفاض أسعار النفط، وهذا ما يدفعهم إلى تجنُّب المشاركة في الانتخابات، مع العلم أنّ صوت الشباب جدّ مهمّ في انتخابات مصيرية كهذه والتي يمكن أن تقلب الموازين وتجعل من ثروة الشباب محرِّكاً لا يُستهان به للنمو الاقتصادي وتقليل أعمال التطرُّف التي تهدِّد الاستقرار الأمني للبلاد.

وعدم إقبال الشباب على أداء واجبهم الانتخابي سيؤثِّر حتماً بشكل سلبي على نتائج الانتخابات الرئاسية التي بدورها ستسمح باستمرار وضعهم على ما هو عليه، لأنّهم ببساطة لا يدلون برأيهم حول من الأصلح لتولِّي قيادة الجزائر لفترة السنوات الأربع القادمة ومن الأكفأ لحلّ مشكلة بطالتهم.

الطبقة السياسية تتحمَّل المسؤولية
تشير تقارير منظمة العمل الدولية وغيرها من التقارير الدولية التي تحمل الكثير من الحقائق المؤلمة عن اختزان الجزائر لعدد كبير من الشباب العاطل من العمل، بأصابع الاتِّهام إلى تعثُّر السياسات التي طبَّقَتها الطبقة الحاكمة، وإلى أن تجاوز مستوى البطالة بين الشباب في الجزائر للخطوط الحمراء ما هو إلا نتيجة لفشل السياسات الحكومية في خلق نوع من التوازن الرشيد ما بين احتياجات سوق العمل ومخرجات التعليم.

فمثلاً مناهج التعليم والتكوين المهني لم تستطع لحدّ الآن مواكبة مُتطلَّبات سوق العمل في القطاعين العام والخاص.

وعند الحديث عن دور القطاع الخاص في خلق فرص العمل للشباب، لا يسعُنا إلا أن نتذكَّر الإعانات الحكومية على شكل أراض وقروض وتسهيلات أخرى حصل عليها القطاع الخاص والذي لا يوجد لديه عذر لعدم تمكُّنِه من فتح أبوابه للشباب البطَّال الحالم بالظفر بمنصب شغل.

فعند ظهور بوادر ارتفاع أسعار النفط وامتلاء الخزينة العمومية يظهر على الفور القطاع الخاص حاملاً شعارات توظيف الشباب، وفور حصوله على الدعم يتذرع بعدم ملاءمة خبرات الشباب لمُتطلَّبات العمل. والغريب في الأمر أنّ الحكومة تمنح وبسخاء إعاناتها للقطاع الخاص في كل مرّة دون أن تلمس نتائجه على أرض الواقع.

لذلك ينبغي على صنّاع القرار تمكين الشباب ومطالبة أصحاب العمل الخاص المستفيدين من دعم حكومي بتخصيص مناصب شغل للعاطلين من العمل وتدريبهم، كما يجب عليهم أيضاً أثناء صياغة السياسات الاعتماد على إحصائيات واقعية وتجنُّب تقديم بيانات مغلوطة وغير صحيحة بغية حجب الحقيقة المرّة عن المواطنين، فمشكلة البطالة موجودة ولا يمكن تجاهلها بتاتاً.

خلاصة يمكن القول إنّه لو كان بإمكان الانتخابات الرئاسية القادمة أن تتحدَّث، لقالت: لقد حان الوقت للحصول على حلّ سياسي، فمشكلة البطالة مرتبطة بشكل وثيق بالسياسات التي وضعها وطبَّقَها صنّاع القرار في الفترات السابقة.

لذلك آن الأوان لتصحيح الأوضاع وإيجاد نظام جديد يعطي للشباب العاطل من العمل أملاً جديداً وفرصاً أخرى تُجنِّبهم المكوث في شرك البطالة لفترة أطول، ولا سيَّما أنّ الثورات العربية قد بيَّنَت كيف يُستخدَم الشباب العاطل كوقود للصراعات السياسية، فالجزائر الآن تمرّ بمرحلة دقيقة تتطلَّب تحرُّكاً سريعاً يبدأ أوّلاً وقبل كلّ شيء بتصويت الشباب في الانتخابات.