الانتخابات البلدية الفرنسية بجولتها الثانية: نهاية مشروع "تغلغل الماكرونية"؟

27 يونيو 2020
الصورة
الجولة الثانية حاسمة (Getty)
تنطلق، يوم الأحد، الجولة الثانية والحاسمة من الانتخابات البلدية الفرنسية في نحو 4600 بلدية وقطاع انتخابي، بعد تأجيلها 3 أشهر بسبب جائحة كورونا. وتعقد الانتخابات في جو تنافس شديد، مع سيناريوهات قد تمهد لتبدل جذري في خريطة السيطرة الحزبية، خصوصاً بالنسبة لمدن كبرى، وتحديداً مرسيليا.
وبرغم أنّ التركيز يتمحور حول المدن الكبرى تقليدياً، إلا أنّ المعارك الحقيقية ستدور في بلديات صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن 1000 نسمة، وهي مناطق الريف الفرنسي التي امتنع سكانها بشكل شبه كامل عن التصويت خلال الجولة الأولى خشية من فيروس كورونا، خصوصاً وأنّ قاطنيها من كبار السن. وتمثل هذه البلديات، وفق إحصائيات نشرتها وزارة الداخلية، 70% من البلديات المعنية بالجولة الثانية.
وللمفارقة، وفقاً لتحقيق أجرته صحيفة "سود وست" (الجنوب الغربي)، أدلى 29 شخصاً فقط بأصواتهم خلال الجولة الأولى في بلدية دوبيز على سبيل المثال، لكن رغم ذلك لم ينجح أي من المرشحين، الذين حصلوا كلهم على 70% وهو الحد الأدنى من الأصوات.

الجولة الأولى، التي جرت في 15 مارس/ آذار الماضي، لم تحسم كذلك مصير كبرى المدن الفرنسية، مثل باريس ومرسيليا وبوردو ولوهافر، والأخيرة أصبحت مركز اهتمام خاص حيث تصدر فيها رئيس الوزراء الحالي والعمدة السابق إدوارد فيليب نتائج الجولة الأولى.

ثلاثي نسائي في باريس
آن هيدالغو، رشيدة داتي، أنياس بوزان، ثلاث نساء يتنافسن على منصب عمدة باريس الذي شغلته هيدالغو، وكل الحظوظ تشير إليها في الفوز بالجولة الثانية، حيث حصلت السيدة اليسارية في الجولة الأولى على 29.3% من الأصوات، وهي نتيجة تاريخية دفعت وسائل الإعلام إلى القول إنّ هيدالغو الفائزة بمنصب العمدة من الجولة الأولى. أما رشيدة داتي، مرشحة "الحزب الجمهوري" اليميني، فقد حلت ثانيةً بـ22.7%، في حين حلّت وزيرة الصحة السابقة أنياس بوزان، مرشحة حزب الرئيس إيمانويل ماكرون "الجمهورية إلى الأمام"، في ذيل القائمة مع 17.3% من الأصوات.
وكان المشهد قبل بضعة أيام فقط يشير إلى احتمال حدوث تنازل من قبل حزب الرئيس ماكرون لصالح داتي، وسط حمى التحالفات التي خيّمت على المشهد، حيث أعلن مرشح "حزب الخضر" داغيد بليار، الذي حصل على 10.8% خلال الجولة الأولى، دعمه لهيدالغو، إلا أن ظهور داتي وبوزان في مناظرة تلفزيونية، قبل يومين، حسم هذا السيناريو بعدم حدوث اتفاق بينهما.


مرسيليا ضربة اليسار القاضية؟

لـ25 عاماً ظلّت مدينة مرسيليا بيد اليمين، حيث تربّع على عرشها جان كلود غودان، لكنها للمرة الأولى منذ ربع قرن تميل إلى اليسار، مع تفوّق ممثلة قائمة "ربيع مرسيليا" اليسارية ميشال ريبرولا على منافستها من "الحزب الجمهوري" مارتين فاسال، حيث نالت 23.44% من الأصوات مقابل 22.32% لمنافستها.

مشهد الحملة الانتخابية في مارسيليا انتهى بأحداث صاخبة، جعل التكهن بالفائز أمراً في غاية الصعوبة، خصوصاً أنه قبل أيام من بدء الجولة الثانية فتحت السلطات تحقيقاً أولياً بقضية فساد بحق فاسال يمكن أن تنهي الأمور لصالح منافستها اليسارية، لكن برغم ذلك استطلاعات الرأي لا تشير إلى أرقام واضحة حول السيناريو المقبل.
المفاجأة الأخرى كانت حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف الذي تقوده مارين لوبين، حيث حلّ مرشحه ستيفان رافييه في المرتبة الثالثة مع حصوله على 19.45% من الأصوات، وهو بذلك لم يعد حزباً يسعى إلى توسيع هيمنته على بلديات في مرسيليا، بل كاد أن يكون الحزب الفائز بكرسي عمدة هذه المدينة الحساسة.

لوهافر... ملجأ إدوارد فيليب من ظلم ماكرون؟
في شمال غرب فرنسا، تشهد مدينة لوهافر الساحلية في النورماندي صراعاً شديداً بين رئيس الوزراء الحالي، المستقل، إدوارد فيليب، ومرشح "الحزب الشيوعي" جان بول لوكوك. فيليب الذي أعلن أنه سيبقى في منصبه رئيساً للوزراء حتى لو فاز بمنصب عمدة لوهافر، حصل على 43.60% من الأصوات خلال الجولة الأولى، مقابل 35.88% لمنافسه.

وبحسب استطلاع للرأي أجراه معهد "إيفوب"، تقدم فيليب على منافسه بـ6 نقاط، ما يشير إلى رغبة أكثرية سكان لوهافر بعودة عمدتهم السابق إلى مدينتهم، بعدما تركها للالتحاق بفريق الرئيس ماكرون رئيساً للوزراء.

إعلان فيليب بقاءه في رئاسة الوزراء إذا ما فاز في الانتخابات البلدية، قد يحمل تبعات سلبية عليه، إذ يستغله الشيوعيون بشكل كبير هذه الأيام. الأمين العام لـ"الحزب الشيوعي" فابيان راسل، على سبيل المثال، اتهم عمدة لوهافر السابق (2010-2017) أخيراً بأنه "مرشح أشباح"، في إشارة إلى غيابه الملحوظ عن المدينة لاضطلاعه بملفات أخرى، خصوصاً تلك التي تتعلق بفيروس كورونا.

غياب فيليب عن لوهافر جعلها مسرحاً للشيوعيين، حيث توافدت شخصيات كثيرة من اليساريين والاشتراكيين إلى تلك المدينة لضرب رئيس الوزراء الحالي، إذ ينظرون إليه على أنه ممثل لماكرون، برغم كل الهمس عن الخلافات بينه وبين الرئيس، وإمكان إقالته من منصبه.

آخر أولئك كان زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون، الذي دعا الناخبين، في مؤتمر صحافي قبل نحو أسبوع، في لوهافر، إلى "المساعدة في هزيمة فيليب (..)، أخبروه أنكم لا تقبلون هذا التوزيع الفاحش للأموال التي يعطونها للشركات الكبرى، من دون أي اعتبار للموظفين والعاملين الآخرين".

يشار إلى أن هذه الانتخابات كانت في أعين السياسيين بمثابة اختبار للرئيس إيمانويل ماكرون، ومدى فعالية ما بات يسمى في فرنسا بسياسة "تغلغل الماكرونية المحلية" والتي تشير إلى شعار الرئيس الفرنسي "لا يمين ولا يسار"، إلا أنّ كل النتائج تشير إلى عدم نجاح هذه السياسة، مع غياب مرشحي حزب الرئيس عن الخريطة الانتخابية، أو على الأقل عدم قدرتهم على منافسة مرشحي الأحزاب التقليدية الكبرى.

دلالات