الانتخابات الإسرائيلية: الانقسامات الداخلية و"الانفجار الكبير" (1)

04 يناير 2019
الصورة
مناصرون لحزب "ييش عتيد" في مهرجان انتخابي بكفرسابا(جيلي يعري/Getty)
عندما قرّر رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، أرييل شارون، في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2005، بعد تنفيذ خطة الانسحاب من غزة، تأسيس حزب جديد والانفصال عن حزب "الليكود" بفعل المعارضة المتزايدة له داخل الحزب، والتي كان قطبها الأساسي بنيامين نتنياهو، اختار مستعيناً بحليفه الجديد، آنذاك، (الرئيس الإسرائيلي الراحل) شمعون بيريز، ومن جاء معه من حزب "العمل"، استخدام التعبير نفسه المأخوذ من علوم الفيزياء للترويج للحزب الجديد، الذي أطلق عليه اسم "كديما" (أي إلى الأمام). ردّد بيريز ومن جاء معه إلى الحزب الجديد مقولة أن حزب "كديما" هو عملياً "الانفجار الكبير" في السياسة الإسرائيلية، فهو يفجّر مسلمات تقسيم الحلبة السياسية الإسرائيلية بين يسار اشتراكي مثل حزب "العمل"، ويمين محافظ وتقليدي مثل "الليكود" الذي يؤمن بأرض إسرائيل الكاملة، ليلد حزباً جديداً يجمع بين الطرفين، ويقدّم حلاً وسطاً لقواسم مشتركة تضمن فرض حلّ تسوية على الجانب الفلسطيني يحظى بإجماع إسرائيلي.

حصل حزب "كديما" في أول انتخابات نيابية بعد تأسيسه عام 2006 على 29 مقعداً، ليصبح أكبر حزب في إسرائيل، وشكّل الحكومة برئاسة إيهود أولمرت، فيما تهاوى حزبا "العمل" و"الليكود" من حيث عدد مقاعد كل منهما، إذ حصل "الليكود" على 12 مقعداً، فيما حصل "العمل" عبر تحالفه مع حركة "ميماد" الدينية على 19 مقعداً.

وشكّلت تلك الانتخابات في العام 2006 حدثاً مفصلياً، ليس فقط لجهة تهاوي الحزبين الرئيسيين في إسرائيل، وإنّما أيضاً لمساعي كل منهما لاستعادة مجده من حيث عدد المقاعد من جهة، وزيادة التطلّع الإسرائيلي لحزب وسطي مشابه من جهة أخرى، يمكنه أن يصبح بديلاً للصراع التاريخي بين يمين إسرائيل ويسارها، مع استمرار اختفاء الفوارق بين الحزبين التاريخيين في كل ما يتعلّق باعتماد تسوية مع الفلسطينيين يحصلون من خلالها على كيان سياسي، لكنه يبقى أقلّ من دولة، وفق خطاب رئيس الحكومة السابق إسحاق رابين أمام الكنيست، قبل اغتياله بشهر تقريباً في الرابع من نوفمبر عام 1995.

لكنّ حزب "كديما" لم يستطع البقاء في أتون الصراعات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي، وازدياد الانحياز العام نحو اليمين. فمع أنّ رئيسة حزب "الحركة" المعارض، تسيبي ليفني، التي قادت حزب "كديما" بعد استقالة إيهود أولمرت لتورطه في قضايا الفساد، تمكّنت في انتخابات عام 2009 من المحافظة على عدد مقاعد الحزب والتفوّق على "الليكود" بمقعد واحد، إلا أنها فشلت في تشكيل ائتلاف حكومي، ليتمكن نتنياهو الذي أعاد تأهيل حزب "الليكود" وقاده للحصول على 28 مقعداً، من تشكيل حكومته الثانية والبقاء في الحكم لثلاث حكومات إضافية. وأتى ذلك وسط تحوّل آخر في المجتمع الإسرائيلي، تمثّل في كثرة الانقسامات داخل معسكر الوسط الذي أخذت قوة أحزابه تتراجع باستمرار، بحيث لم تعد قادرة، بفعل العنصرية الأيديولوجية التي ترفض أي تعامل أو شراكة متساوية وندية مع الأحزاب العربية، على الوصول إلى قوة عددية تمكنها من تشكيل ائتلاف حكومي بديل أو حتى "كتلة مانعة" تمنع "الليكود" من تشكيل ائتلاف حاكم. ومع حلول العام 2015، اضطر حزب "كديما" إلى حلّ نفسه، بعدما انسلخت عنه تسيبي ليفني لتشكّل لاحقاً مع حزب "العمل" تحالف "المعسكر الصهيوني".

عملياً، يمكن القول إنّ الانتخابات الإسرائيلية الحالية تجري تحت مظلتين، أو ربما تحت عنوانين، هما: إعادة إنتاج "الانفجار الكبير" مجدداً وبناء قائمة تحالفية أو كتلة من الوسط واليسار، أو منع حصول انقسامات جديدة داخل اليمين، بعد انشقاق زعيم حزب "البيت اليهودي" نفتالي بينت، ورفيقته في القيادة أيليت شاكيد، عن هذا الحزب، وإعلانهما تأسيس حزب يميني علماني جديد تحت اسم "اليمين الجديد".

من هنا، يمكن القول إنّ عنوان هذه العركة الانتخابية في إسرائيل، أو الطريق منها إلى الحكومة المقبلة، يمرّ من خلال محافظة معسكر اليمين بقيادة نتنياهو، على وحدة هذا المعسكر، وتقليل عدد الأحزاب المتنافسة على أصوات اليمين لتفادي سيناريو العام 1993، عندما أدى الانقسام في صفوف اليمين المتطرّف إلى ضياع عشرات آلاف الأصوات لصالح حزب "هتحيا" الذي لم يجتز نسبة الحسم. أو من خلال تحقيق "أمنية" الوسط واليسار بـ"الانفجار الكبير"، لتكرار تجربة "كديما" عبر كبح "الأنا" أو غريزة النرجسية البارزة عند المرشحين الثلاثة لقيادة هذا المعسكر اليوم، وهم رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، الجنرال بيني غانتس، ورئيس حزب "العمل" أفي غباي، و رئيس حزب "ييش عتيد" (يوجد مستقبل) يائير لبيد، وجمعهم وراء قيادة واحد منهم، علّهم يتمكنون مجتمعين من التغلّب على المنافس الوحيد في اليمين: بنيامين نتنياهو.

إذاً، أربع شخصيات أساسية هي التي ستقرّر مستقبل الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها، من حيث توزيع المقاعد البرلمانية، يضاف إليها أخيراً نفتالي بينت ومدى قدرته مع شريكته السياسية، إيليت شاكيد، على مواجهة الحرب الشعواء من المعسكر نفسه، أي اليمين، ضده، واتهامه بأنه يسعى لتفتيت اليمين وإعادة سيناريو عام 1993 الذي أسفر عن صعود رابين للحكم.

بنيامين نتنياهو

يعتبر نتنياهو اليوم أكثر شخصية سياسية تمكّنت من قيادة الحكومة في إسرائيل لفترة تفوق الفترة التي حكم فيها الزعيم العمالي المؤسس لدولة الاحتلال، دافيد بن غوريون. وقد تربع نتنياهو على عرش هذا اللقب بعدما تمكّن في الانتخابات النيابية الأخيرة في العام 2015 من تشكيل حكومته الرابعة بفعل تحالفه مع الحريديم وحزب "البيت اليهودي" المتطرف، وحزب "كولانو" بقيادة موشيه كاحلون.

ينتمي نتنياهو، المولود عام 1949، إلى أسرة أستاذ التاريخ بن تسيون نتنياهو، أحد أوائل المنتمين للحركة الصهيونية التنقيحية، بقيادة زئيف جابوتينسكي. وقد عمل والده في شبابه سكرتيراً للأخير، ثمّ تقلّب في أعمال مختلفة بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، إلى أن عيّن مستشاراً علمياً خلال وضع الموسوعة العبرية، لينتقل لاحقاً في أوائل الستينيات إلى الولايات المتحدة. وقد نشأ نتنياهو، بحسب كتاب صدر عنه العام الماضي، في عائلة فقيرة خضعت لنزوات والدة متشددة، وأب مولع بالتاريخ، لكنه غير محبوب في أوساط حركته السياسية، لذا آثر الانتقال إلى أميركا، بعيداً عن مضايقات حكم حركة "مباي" العمالية، وأخذ أسرته معه بين عامي 1963 و1969.

أكمل نتنياهو المرحلة الثانوية من دراسته في الولايات المتحدة، وكان عضواً في نادي المناظرات في مدرسته، حيث اكتسب مهارة في الخطابة أفادته لاحقاً. وبعد إنهائه المرحلة الثانوية أدى الخدمة العسكرية، حيث اختير ليكون في سرية رئاسة الأركان التي كانت قد أسست حديثاً، وخدم فيها تحت قيادة إيهود باراك وعميرام ليفين، وشارك في عمليات سرية عدة، أشار إليها مراراً في خطاباته السياسية.

وبعد الخدمة العسكرية، أكمل دراساته العليا في إدارة الأعمال في معهد "ماسيتشوتس" (MIT) في الولايات المتحدة، كما درس العلوم السياسية في جامعة "هارفرد". لكن سيرته السياسية بدأت فقط في العام 1982، بعدما اختاره وزير الخارجية والدفاع الأسبق موشيه آرنس، ليكون ملحقاً في السفارة الإسرائيلية في واشنطن. ثمّ عيّن لاحقاً سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة، في ظل حكومة إسحاق شامير بين عامي 1984 و1988، وهو ما سيكون له أثر كبير لاحقاً في مسيرته الحزبية داخل "الليكود"، وفي القدرة على التغلّب على خصومه الداخليين، ممن أطلق عليهم صفة "أمراء الليكود".

يعتبر نتنياهو اليوم أكثر شخصية سياسية تمكّنت من قيادة الحكومة في إسرائيل (Getty) 

دخل نتنياهو الكنيست كعضو فيه عن "الليكود" عام 1988، وعين نائباً لوزير الخارجية موشيه آرنس. وخلال مفاوضات مدريد (لإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1991)، انتقل على أثر خلاف مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، دافيد ليفي، ليصبح نائباً في مكتب رئيس الحكومة (وزعيم الليكود الأسبق) إسحاق شامير.

وبعد خسارة "الليكود" للحكم، في انتخابات العام 1993 وفوز رابين، استقال شامير من زعامة "الليكود"، وتمكّن نتنياهو من الفوز على منافسيه في هذا الحزب لينتخب مرشحاً باسم "الليكود" لرئاسة الحكومة، بمواجهة شمعون بيريز، في مايو/ أيار 1996، ليشكّل حكومته الأولى، التي شهدت أحداث "هبّة النفق" (هبة فلسطينية ضدّ فتح نفق أسفل المسجد الأقصى في سبتمبر/ أيلول 1996)، وإبرام اتفاق الخليل (بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في يناير/ كانون الثاني 1997)، لكنها لم تصمد كثيراً وسقطت في العام 1999. وبعد خسارته للانتخابات أمام إيهود باراك، انسحب من المشهد الحزبي إلى أن عاد مجدداً ليترشّح على لائحة "الليكود" عام 2003، ليقود الحزب بعد انشقاق أرييل شارون وتأسيس حزب "كديما". وقد ظلّ نتنياهو في المعارضة حتى العام 2009، عندما تمكّن بفعل عدم خبرة تسيبي ليفني، من تشكيل حكومته الثانية، مع أنّ "الليكود" كان قد حصل على 28 مقعداً مقابل 28 مقعداً لحزب "كديما" برئاسة ليفني.

ومنذ عودته لولايته الثانية، حتى الولاية الحالية (الرابعة)، راوغ نتنياهو كثيراً في موقفه المتعلّق بحلّ الدولتين. ومع أنه تبناه في خطاب شهير ألقاه في جامعة بار إيلان الإسرائيلية عام 2009، خلال فترة ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إلا أنّه انتهج سياسة فرض مزيد من المستوطنات على الأرض، للحيلولة دون تطبيق حلّ الدولتين، إلى أن بدأ في العام الأخير، يتحدّث رسمياً وعلناً عن رفض هذا الحلّ، والعودة لطروحات "كامب ديفيد" بحكم ذاتي كأقصى حدّ، ولكن أقل من الدولة.

ويواجه نتنياهو في المعركة الانتخابية الحالية، ملفات فساد ورشاوى، وينتظر قرار المستشار القضائي للحكومة بهذه الملفات. لكنه بدأ خلال الأسبوع الحالي بهجوم إعلامي ضدّ أي قرار لجهة تقديم لوائح اتهام، بزعم أنّ مثل هذا القرار قبل الانتخابات يمسّ بالعملية الديمقراطية ونزاهتها.

الجنرال بني غانتس

لا يملك الجنرال بني غانتس في إعلانه الأسبوع الماضي قرار خوض الانتخابات من خلال حزب جديد أطلق عليه اسم "المناعة لإسرائيل"، ما يقدمه للناخب الإسرائيلي سوى سجّله العسكري المعروف لهذا الناخب، في مقابل غموض شديد في ما يتعلّق بمواقفه السياسية والاجتماعية. إذ تمكّن حتى الآن من "النجاة" من إطلاق تصريحات تتصل برؤيته للحل السياسي مع الفلسطينيين، وما إذا كان يؤيّد حلّ الدولتين أم لا. ومع ذلك، صدر عن مقربين منه تصريح واحد يمكن أن يوضح وجهته لغير جهة اليسار، عندما أعلن أنه رفض عرضاً من أفي غباي بالانضمام لحزب "العمل" أو التحالف معه.

وفي ظلّ عدم وضوح مواقف الجنرال الذي يعلّق الوسط، أو أوساط فيه، الأمل على أن يكون الشخص الذي سيهزم نتنياهو، يحظى غانتس، في استطلاعات الرأي، بقوة متوسطة تراوح بين 14-16 وربما 17 مقعداً منفرداً، وما بين 24-27 مقعداً (من أصل مجموع 120 مقعداً يتألف منها الكنيست) في حال تحالف مع حزب "العمل"، أو حزب "ييش عتيد" بقيادة يائير لبيد.

يحرص غانتس على عدم التورّط في تصريحات تمنح خصومه فرصة لمهاجمته (Getty)

وقد تتغيّر قوة غانتس، بحسب ما يبدو، في حال اتضحت مواقفه السياسية والاجتماعية، وهو يحرص حالياً على عدم التورّط في تصريحات تمنح خصومه فرصة لمهاجمته. وكان نتنياهو على درجة من الفطنة عندما اكتفى في تعليقه على تأسيس غانتس لحزبه الجديد، بالقول إنه لا يتدخّل في كيفية توزيع اليسار لأصواته، ليحشر غانتس في خانة اليسار، علماً أنّ التقارير تفيد بأنه يقوم بمباحثات متقدمة مع رئيس الأركان الأسبق موشيه يعالون، الذي كان وزير الأمن في حكومة نتنياهو السابقة، وجزءاً من حكومته الحالية قبل عزله من منصبه واستبداله بأفيغدور ليبرمان.

وبني غانتس هو رئيس الأركان العشرين لجيش الاحتلال، وهو من مواليد العام 1959 من أم هنغارية الأصل وأب روماني الأصل. خدم طيلة عمره في جيش الاحتلال إلى أن عيّن عام 2011 رئيساً لأركان الجيش لغاية العام 2016. وكان يتولى هذا المنصب خلال العدوان الأخير على غزة عام 2014، الذي أطلق عليه اسم "الجرف الصامد". وبعد إنهاء خدمته في الجيش عام 2015، أسس شركة "سايبر" لتطوير خبرات سيبرانية للاستخدامات المدنية، لكن قبل شهر أعلن عن إغلاق هذه الشركة ووقف نشاطها بسبب عدم قدرتها على تأمين تمويل كاف.

وقد طرح اسم غانتس في الأشهر الأخيرة أكثر من مرة، كمرشح لخوض غمار السياسة، لكنه حرص طيلة الوقت على عدم الكشف عن أوراقه أو توجهاته، إلى أن أعلن قبل أسبوعين تقريباً، عن تأسيس حزبه "المناعة لإسرائيل". ومن بين مناصبه في الجيش، قائد للمنطقة الشمالية، وقائد الجيوش البرية، وملحق لجيش الاحتلال في الولايات المتحدة، ونائب لرئيس أركان الجيش.

آفي غباي

هو زعيم حزب "العمل"، بعدما انتصر قبل نحو عام على زعيم هذا الحزب السابق، يتسحاق هرتسوغ. وغباي ابن لعائلة من يهود المغرب، هاجر والداه إلى إسرائيل من هناك عام 1964. ولد في مدينة القدس عام 1967، وعمل في قطاع الأعمال، حيث شغل منصب مدير عام شركة "بيزك" للاتصالات، وهناك تعرّف على وزير الاتصالات في الحكومة السابقة، موشيه كاحلون. انضم إلى الأخير في العام 2014، وكان من المبادرين معه إلى تأسيس حزب "كولانو" في العام نفسه، والذي فاز بعشرة مقاعد في الانتخابات الأخيرة عام 2015.

أصبح غباي زعيماً لحزب "العمل" بعد أقل من أربع سنوات على دخوله الساحة الحزبية الإسرائيلية (Getty)

عُيّن غباي وزيراً لشؤون البيئة في حكومة نتنياهو عن حزب "كولانو"، لكنه سرعان ما قدّم استقالته في مايو/ أيار من العام 2016، كما استقال من حزب "كولانو" لينضمّ إلى حزب "العمل". نافس على زعامة حزب "العمل"، وتمكّن من الصعود للجولة الثانية، بعدما تغلّب هو و(الرئيس السابق لحزب العمل) عمير بيرتس (وهو أيضاً من أصول مغربية) على يتسحاق هرتسوغ. فاز في الجولة الثانية على بيرتس، ليصبح زعيماً لحزب "العمل" بعد أقل من أربع سنوات على دخوله الساحة الحزبية الإسرائيلية.

سعى غباي طيلة الوقت لتكريس زعامته في الحزب، مع توالي الاستطلاعات التي تنبّأت بانهيار كتلة "المعسكر الصهيوني"، وهو التحالف الذي أقامه سابقه، يتسحاق هرتسوغ، مع تسيبي ليفني. وفي ختام مشاورات سرية وبشكل مفاجئ ومهين، أعلن الثلاثاء الماضي، خلال جلسة كتلة "المعسكر الصهيوني" البرلمانية، عن فكّ الشراكة مع حركة تسيبي ليفني، بشكل لم يخل من إذلال للأخيرة عندما قال لها فجأة، أتمنى لك النجاح مع الحزب الذي ستنضمين إليه. وقالت مصادر في حزب "العمل" إنّ هذه الخطوة تهدف إلى محاولة تذليل الصعاب أمام تحالف مستقبلي ممكن مع حزب الجنرال غانتس، من جهة، واستعادة الشرائح الاجتماعية والسياسية التي ابتعدت عن حزب "العمل" في السنوات الأخيرة، من جهة أخرى.

يائير لبيد

هو إعلامي وصحافي إسرائيلي، يتزعم اليوم حزب "ييش عتيد" (له 11 مقعداً في الكنيست) الذي كان قد أسسه في إبريل/ نيسان من العام 2012، وحصل في انتخابات العام 2013 على 19 مقعداً، ما شكّل مفاجأة الانتخابات في تلك السنة. وبعد انتهاء الانتخابات وخلال المفاوضات لتشكيل الحكومة، أسس مع زعيم "البيت اليهودي" آنذاك، نفتالي بينت، حلفاً للتعاون البرلماني، أطلق الاثنان عليه اسم "حلف الإخوة"، وتمكّنا من ابتزاز نتنياهو وتحصيل عدد كبير من الحقائب الوزارية وفرض سلسلة تشريعات، في أوّل حكومة يمين، تخلّت يومها عن دعم أحزاب الحريديم التي ظلّت خارج الائتلاف الحكومي، وعانت من ضربات لبيد ونتنياهو. وقد كان أبرز هذه الضربات قانون "طال" الذي حدّد للمرة الأولى وجوب تجنيد الحريديم في الجيش تحت شعار "المساواة في تحمّل الأعباء"، وكان لاحقاً أول قانون تخلّت عنه حكومة نتنياهو الرابعة (أي الحالية) بعد عودة الأخير للتحالف مع الحريديم وترك حزب "ييش عتيد" خارج الائتلاف.

ويحاول لبيد وصف حزبه بأنه حزب وسط، لكن شراكته السابقة ومواقفه السياسية تضعه في أحسن الحالات في خانة يمين معتدل، إذا جاز التعبير. وقد بنى يائير لبيد، الذي عمل طيلة حياته، وحتى خلال خدمته العسكرية، في الصحافة والإعلام، مجده، إلى حدّ كبير، على التراث السياسي لوالده، الصحافي والسياسي طومي لبيد، الذي كان من قادة حزب الوسط "شينوي"، وامتاز بعدائه الشديد في إسرائيل لمجموعتين: للعرب الفلسطينيين في الداخل والشعب الفلسطيني ككل، وعدائه للحريديم وأحزابهم، باعتبارهم يمثلون بنظره يهود المهجر، الذين يصرّون على العيش بزيهم التقليدي ويرفضون الانضمام لأعجوبة البعث العبري الجديد للشعب اليهودي.

بنى يائير لبيد مجده على التراث السياسي لوالده (Getty)

انتقل لبيد من حليف لنتنياهو في الحكومة السابقة، إلى خصم وعدو لدود له خلال الولاية الحالية للأخير، متحيناً أي فرصة أو مناسبة لمحاولة النيل من خضوع نتنياهو للحريديم ومطالبهم، والدعوة لفصل الدين عن الدولة في الحلبة الداخلية، وللظهور بمظهر السفير الأفضل لإسرائيل في الخارج عبر جولات متكررة للدعاية لدولة إسرائيل وتحسين صورتها ومواجهة حركات المقاطعة.

وأعلن لبيد أخيراً، أنّه لن يتنازل عن ترؤس أي تحالف في اليسار أو الوسط في الانتخابات الحالية. وسبق له أن أعلن بعد الانتخابات الماضية وحصول حزبه على 19 مقعداً، أنّه لن يتحالف مع "الزعبيين"، في إشارة للنائب حنين زعبي والأحزاب العربية، التي لم تكن قد شكلت في تلك الانتخابات القائمة المشتركة القائمة اليوم.