الانتخابات الأميركية واستراتيجية ترامب الإعلامية

10 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني من هذا العام (2020)، هو التاريخ المحدد لإجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية. على بعد أشهر من الحدث، لم تتضح معالم المعركة بعد، فمرشح الديمقراطيين لم يُختر رسمياً بعد، والوضع العالمي الحالي إثر تفشّي فيروس كورونا، أدخل المواعيد في حالةٍ من الشك وعدم اليقين. أحداث كثيرة قد تغير مجرى الأمور، ولكن الثابت الوحيد هو ترشح دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية، ممثلا لحزبه الجمهوري. 
تعرّض ترامب للسخرية والتندر، في بدايات ترشحه لرئاسيات 2016، قال بعضهم إن ترشحه يومها جاء دعاية وترويجا لأعماله وشركاته فقط، أما المحللون الضالعون في السياسة فاستبعدوا فوزه نهائياً، واعتمدوا، أساساً في ذلك، على افتقار ترامب التواصل السياسي، وغياب دبلوماسية الحوار في أساليب أدائه. لم يسلم ترامب، حتى من الجمهوريين أنفسهم في حملته الانتخابية الأولى، حينها قال عنه استراتيجي الحزب الجمهوري، ستورات ستيفنز، "ترامب غير متوازن ومزاجي، يختار معاركه من دون سبب، ويبدو أن ليس لديه أيديولوجية أخرى سوى عبادة نفسه".
لم يكن ما قاله المحللون حينها مبنيا على خطأ منهجي تقييمي، فحتى مع تجاهل تاريخ ترامب السياسي، فإن النظر فقط إلى حملته الانتخابية تكشف عن تناقضاتٍ كثيرة في تصريحاته، كذب غير مبرّر، وارتجال يصل إلى حد الوقاحة أحيانا. أساليب تبنّاها دونالد ترامب في حملته الانتخابية، ضربت بما عرف عن إدارة الحملات الانتخابية الأميركية من رصانة وقوة عرض الحائط. ونظرا إلى استعماله طرقا غير مألوفة في حملته الانتخابية، حصل ترامب على كثير مما تسمى التغطية الإعلامية المكتسبة، حيث غطت وسائل الإعلام ترامب بشكل واسع، كونه لافتاً للنظر، ولكن الضريبة التي تدفع مقابل التغطية الإعلامية المكتسبة أن أغلبها سيُغطي الحملة بشكل سلبي، لأن ترامب لم يعتمد كثيرا على التغطية الإعلامية المدفوعة مقارنة بغريمه السياسي حينها، مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون.
هل تبرز المفارقة في كيفية فوز ترامب باللعبة الانتخابية، بعد ما كسر قواعدها؟ سؤال يطرح
 مجدّدا، حينما نبحث في جاهزية ترامب الإعلامية لانتخابات نوفمبر/ تشرين الأول المقبل. على عكس ما اعتقد كثيرون، خطّط ترامب طويلا للمعركة السياسية قبل خوضها، ففي سنة 2012، أي قبل أربع سنوات من الانتخابات الرئاسية السابقة، قرّر اعتماد شعار "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، واحتكر حقوق نشره لنفسه. ومن الناحية الشخصية، كان ترامب متهيئا للتعامل مع الإعلام بشكل مميز. ودائما ما نتذكّر ترامب رجل الأعمال، وننسى شخصيته الإعلامية التي برزت في برنامجه "ذا أبرينتايس" الذي كان جزءا من صناعة الترفيه والثقافة الشعبية الأميركية، وهو ما جعله يبدو أقرب إلى الناخب الأميركي البسيط.
صاغ ترامب لنفسه صفة رجل أعمال ناجح، كشخص من خارج المنظومة السياسية الأميركية، وتعهد بإعادة هيكلتها من الداخل، ولكن أيضًا صور نفسه مرشّحا يحمي الشركات وأصحاب المال. كان يوصل رسائله إلى شرائح عديدة في المجتمع الأميركي، ما زاد من حظوظه. .. كان شعبويا بامتياز.
قبل المضي في حملته السابقة، اجتمع ترامب مع سياسيين من الحزب الجمهوري في برجه في نيويورك، أوضح لهم ما سيفعله مع وسائل الإعلام، حين قال: "سأمتصّ كل الأكسجين من الغرفة. أعرف كيف أتعامل مع وسائل الإعلام بطريقةٍ لن يطفئوا فيها الأضواء علي". رد أحدهم "ولكن ليس بإمكانك أن تصبح رئيسا بالاعتماد فقط على التغطية الإعلامية المكتسبة"، رد ترامب "أعتقد أنك مخطئ، الأمر يتعلق حقا بقوة الجمهور". هنا نرى أن ترامب كان يعي فعلا ما يريد أن يفعله، وأن استراتيجيته لم تكن تخبطا، كما يعتقد بعضهم، وإنما دُرست بعناية فائقة. أدرك أن الرأي العام لا يأتي فقط من الصحف، والقنوات التلفزيونية، إنما هنالك مصادر أخرى قد تكون أكثر فاعلية، ولهذا استثمر وقته في مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا "تويتر". ولترامب حضور بارز في "تويتر"، فهو يغرّد باللغة العفوية نفسها، والمنفعلة التي يتحدّث بها، مستخدماً إنكليزية بسيطة، وأحيانا بأخطاء إملائية نحوية وصرفية. كل هذه الأدوات التعبيرية تجعل من ترامب يبدو وفياً لشخصيته، لا متملقاً، حتى وإن كانت شخصيته تملك صفات سيئة كثيرة.
بعد نحو أربع سنوات من الرئاسة، لم يتخلّ ترامب عن أساليبه، فهو في معركة دائمة مع الإعلام،
 ودائما ما يصف وسائل الإعلام البارزة، والرئيسية بالمزيفة. كلما هدأت حربٌ أشعل ترامب فتيلا جديدا مع الإعلام، وكأنه لا يريد للحرب أن تنتهي. جزءٌ من هذا تفسّره شخصيته النرجسية التي تبحث عن اهتمام الإعلام بها، أما الجزء الآخر فهو يرى أن كلما غطّاه الإعلام بشكل مكثف زادت حظوظه في الفوز.
لرئاسيات 2020 حكاية أخرى، فهي لا تجري في أوضاعٍ طبيعية، حيث لا يمكن التكهن بمدى تأثير فيروس كورونا على هذا الحدث، وكيفيات إجراء الانتخابات، وأدوارها، وإن كانت ستؤجل أو ستقام في موعدها، غير أن الفيروس سيكون حتما موضوعا محوريا في الانتخابات الأميركية هذه المرة، فقد تجاوزت الإصابات في الولايات المتحدة مليون حالة، أي ما يساوي ثلث إصابات العالم، وهو ما يُعد مشكلة حقيقية هناك. يبرّر ترامب تعثره في إدارة أزمة كورونا بلوم حكام الولايات المختلفة.
قد يكون هذا أصعب امتحان تلقاه ترامب في ولايته الرئاسية الحالية، فقد جاءت هذه الأزمة في وقت حسّاس جدا، سيكون أثرها الاقتصادي والاجتماعي جليا على معنويات الناخب الأميركي. قنوات تلفزيونية وصحف مختلفة تهاجمه، والحزب الديمقراطي يتجند وراء جو بايدن، نائب الرئيس السابق باراك أوباما ليمثلهم في الرئاسيات. يبدو ترامب وفيا لأساليبه التي جاءت به إلى كرسي الرئاسة في 2016، ولكن هل ستنفعه فعلا هذه المرة، أم سيضطر لتغيير استراتيجيته الإعلامية في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل؟
avata
يوسف خليل