الاستثمار في دمار البشرية وخراب الأرض

27 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
خلص مقال الأسبوع الماضي في "العربي الجديد"، وعنوانه "جائحة كورونا بين نظريات المؤامرة ووجودها"، إلى أنه لا يوجد دليل قاطع، حتى الآن على الأقل، يعضد المزاعم القائلة إن فيروس كورونا المستجد قد تمت هندسته بيولوجيّاً لخدمة حسابات استراتيجية أو اقتصادية. ومع ذلك، لم يستبعد المقال في ذلك نظرية المؤامرة التي يؤمن بها كثيرون، ذلك أن ثمَّةَ سوابق تشرعن مثل هذه الشكوك، خصوصاً وأن النظام الرأسمالي المتوحش لا يرى في الإنسان إلا سلعة ومادة للتكسّب، ولو على حساب الأمن الصحي للبشرية. وأضيف هنا أنه لا يمكن استبعاد صدور مثل هذه الجريمة عن أي نظام قَهْرِيٍّ، يملك الإمكانات، بغض النظر عن هويته الإيديولوجية، وهذا يشمل روسيا والصين، وغيرهما. كل هؤلاء لا يقيمون وزناً ولا اعتباراً لحياة الإنسان وآدميته، ومن ظنَّ أنهم سيتورعون عن إنزال مثل هذه الكارثة بالبشر، إن اقتضت ذلك حساباتهم الاستراتيجية والاقتصادية، فهو واهم. دع عنك، طبعاً، في حالة الحرب.
وأشار المقال، أيضا، إلى أنه في ظل غياب أدلة موثقة ودامغة حول هندسة هذا الفيروس بيولوجيّاً، فإن هذا لا ينفي أنه كان ثمَّة نوع من التواطؤ في التسبب بجائحته. وذكر المقال أمثلة عدة، أهمها كيف أن علماء أميركيين كانوا قريبين من تطوير لقاح لفيروس من فصيلة كورونا ذاته، عام 2016، إلا أن الحكومة الفيدرالية وشركات الأدوية الكبرى رفضت تمويل المشروع ببضعة ملايين من الدولارات. وإذا أحسنا الظن بالحكومة الفيدرالية، وقلنا إن موقفها كان نتيجة سوء تقدير حينها، فإن شركات الأدوية لم تخف أن استثمارها في تمويل الأبحاث الطبية يقوم على حسابات تجارية ربحية بالدرجة الأولى.
يدفع هذا المقال المعطى السابق خطوة أخرى إلى الأمام، في محاولة لتجلية كيف يقامر النظام 
الرأسمالي المتوحش، والأنظمة القهرية أيضاً، حتى وإن تلفعت برداء الاشتراكية أو الشيوعية، أو غيرهما، بسلامة الجنس البشري. وينحصر الحديث هنا بالقوتين الاقتصاديتين العظميين عالمياً، الولايات المتحدة والصين. وحتى لا نسقط في فخ الإسهاب، سأقتصر في نقاش المسألة على ميزانيتي المؤسستين العسكريتين في البلدين.
إذا بدأنا بالولايات المتحدة، القوة الأولى عالمياً، وصاحبة أكبر اقتصاد دولي، على الأقل حتى اليوم، بحجم يتجاوز 22 تريليون دولار هذا العام (قبل وباء كورونا)، نجد أن ميزانيتها للسنة المالية 2020 تبلغ 4.6 تريليونات دولار، من دون أن تشمل أكثر من تريليوني دولار إضافيين يعمل الكونغرس مع إدارة دونالد ترامب الآن على إقرارهما للتعامل مع تداعيات جائحة كورونا. من أصل الـ4.6 تريليونات دولار، تبلغ ميزانية وزارة الدفاع وحدها 705 مليارات دولار، إلا أن هذا الرقم يمثل "الأرضية الأساس" فقط لتلك الميزانية. وحتى لا نستغرق في تفاصيل كثيرة، فإنه إذا أضفنا كل مستويات النفقات العسكرية المفصلة في بند الميزانية الدفاعية الأميركية، فإن الرقم سيرتفع إلى 810 مليارات دولار. وإذا أخذنا في الاعتبار عمل هيئات ووكالات أخرى مرتبطة بتدعيم القوة العسكرية الأميركية أو تكميلها، فإن الرقم الكليَّ يصل إلى 934 مليار دولار. بمعنى آخر، قرابة تريليون دولار.
هذه قمة الفجور، إذا ما قورن ذلك برفض الحكومة الفيدرالية نفسها، عام 2016، تمويل اختبارات لتطوير لقاح لأحد أنواع فيروسات كورونا بثلاثة ملايين دولار فقط! النتيجة، أن واشنطن اليوم تسابق الزمن لإقرار خطة تحفيز مالية أولية، بقيمة تريليوني دولار، في محاولة لإنقاذ الاقتصاد الأميركي المتداعي. وتفيد معطيات كثيرة بأن الولايات المتحدة قد تدخل مرحلة كساد اقتصادي، كالكساد العظيم عام 1929، وأن معدل البطالة، في حدودها الدنيا، خلال سنة إلى سنة ونصف، قد يبلغ 20%، إن لم تتمكّن واشنطن من الخروج من الأزمة سريعاً. ومن المتوقع أن مبلغ التريليوني دولار سيتضاعف مرات ومرات، وستغرق أميركا والعالم بديون وخسائر تتجاوز عشرات التريليونات من الدولارات، بسبب الجشع ورفض استثمار أقل القليل بما فيه مصلحة الإنسانية! وهنا يثور تساؤل، أين تلاشت إمكانات قرابة تريليون دولار العسكرية؟ هذه أميركا العظمى اليوم، دولة شبه مشلولة أمام انتشار الفيروس بين مواطنيها، لا تستطيع توفير كمامات ولا قفازات طبية، ولا معقمات، ولا أسرّة للمرضى، ولا أجهزة تنفس .. إلخ، إلخ. أين الجيش الأميركي، بإمكاناته الكبرى، لتوصيل المساعدات إلى الولايات الأميركية المنكوبة على الأقل؟
في حالة الصين، يصعب الجزم بالمعطيات المتوفرة، إذ إنها دولة شمولية قمعية، وهي وإن ادعت الشيوعية إيديولوجياً، إلا أنها رأسمالية، إلى حد كبير، اقتصادياً. حسب دراسات كثيرة، تحاول 
الصين دوماً تقديم معلومات مضللة عن ميزانيتها. إلا أن ثمة حقيقة ثابتة، أنها صاحبة ثاني أكبر اقتصاد، بقيمة 14 تريليون دولار لهذا العام (قبل وباء كورونا)، وهي كانت في طريقها لأن تكون الأولى عالمياً، وربما لا تزال. وبعيداً، أيضاً، عن الاستغراق في التفاصيل هنا، فإن الميزانية الصينية، لعام 2019، بعد مقارنة بيانات ودراسات كثيرة معتبرة، كانت في حدود 3.4 تريليونات دولار. أما الميزانية الدفاعية للصين، حسب البيانات والدراسات المعتبرة نفسها، فإنها في حدود 250 مليار دولار. وأعيد التأكيد هنا أن هذه أرقام أقرب إلى الحقيقة والواقع مما تقدمه الأرقام الصينية الرسمية، وهي قائمة على استقراءات منهجية وعلمية معمقة. وإذا كانت تلك الأرقام لعام 2019، فإنه ما من شك أنها أكبر في عام 2020.
وعلى الرغم من قوة اقتصادها، وتحولها إلى الدولة الأولى تصنيعياً، إلا أن اقتصاد الصين، حسب بيانات مكتبها الوطني للإحصاء، انكمش في شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ وشباط الماضيين، بأكثر من 6%، في حين انخفضت مبيعات التجزئة، في الفترة نفسها، بنسبة 20.5٪. أما الإنتاج الصناعي فانخفض بنسبة 13.5٪. وانخفض الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 25٪ تقريبًا. ويتوقع اقتصاديون أن الصين لم تشهد بعد الأسوأ جرّاء جائحة كورونا.
باختصار، لقد استثمرت الدولتان العظميان اقتصادياً، ومعهما الدول الكبرى الأخرى، عسكرياً واقتصادياً، كروسيا وبريطانيا وفرنسا، الكثير في دمار البشرية وخراب الأرض، في حين استثمروا القليل في الإصلاح والعمارة. وليسوا وحدهم من يفعلون ذلك، بل إن دولاً أضعف اقتصادياً وعسكرياً منهم، وأقل مكانة دولياً، تسير على النهج نفسه، بمن فيها عرب.
... يوضح ما سبق أحد أوجه الكوارث التي يمكن أن تَحلَّ بالبشرية، سواء بيئياً أم غذائياً أم صحياً أم أمنياً. وصدق ربُّ العزة: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يونس: 44). وصدق أيضاً: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم: 41). المشكلة أن الصالح يذهب بخطيئة الطالح. والبريء بجريرة المذنب. ويدفع الفقراء والمساكين ثمن جشع المجرمين وأصحاب رؤوس الأموال القذرة.