الاحتلال يخيفه أطفال النطفات المهربة: جنات نموذجاً

24 مايو 2019
الصورة
تتحدث إلى صور والدها (محمد الحجار)

كانت ولادة الطفلة الفلسطينية جنات، قبل أربع سنوات، تحدياً كبيراً لسلطات الاحتلال التي أسرت والدها عام 2009، لكنّه تمكن من تهريب نطفته لإنجابها

تمنع دولة الاحتلال الصهيوني الأطفال الذي ولدوا من نطف مهربة من سجونها إلى زوجات الأسرى، من زيارة آبائهم. هي تعتبرهم أطفالاً غير شرعيين، بحسب ما تخبر آباءهم في السجون، في ظل مساعي الأسرى لتقديم طلبات زيارة أبنائهم لهم. الطفلة جنات العطار واحدة من 13 طفلاً في غزة ولدوا من نطف مهربة. تعرف الطفلة جنات (4 أعوام)، والدها حسام (33 عاماً)، من الصور المعلقة على جدران منزلهم. تعرفه أيضاً من والدتها التي تحكي لها الكثير عنه، لكنّها لا تستطيع أن تقابله. الوالدة، فرحانة فصيل العطار (28 عاماً)، تزوجت من حسام العطار في 26 أغسطس/ آب 2008، وأمضت أربعة أشهر في الحياة الزوجية، ففي 27 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، وقع العدوان الإسرائيلي الأول على غزة، وعايشت مع أسرة زوجها أوقاتاً صعبة. لم ترَه لأنّه ابتعد عن المنزل وشارك في التصدي للاجتياح الإسرائيلي لمناطق شمالي قطاع غزة.




في تلك الفترة لم تكن تعرف ما إذا كان زوجها قد استشهد أو أسر، فقد ترك المنزل في ليلة رأس السنة، وكان يشارك كتائب القسام في التصدي، ثم نزحت أسرته في 4 يناير/ كانون الثاني 2009 من المنطقة بعدما اقتحم جيش الاحتلال منطقتهم العطاطرة، شمالي القطاع، وأمرهم بالرحيل. وفي تاريخ 11 يناير 2009 علمت الزوجة عن طريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة أنّ زوجها اعتقل.



كان حسام العطار يحلم في إنجاب أطفال، لكن حكم عليه بالسجن مدة 18 عاماً بتهمة الانتماء لكتائب القسام. مع ذلك، استطاع تهريب نطفة خلال زيارة والدته عطاف العطار (54 عاماً)، في يونيو/ حزيران 2014، وبالفعل نجحت عملية زرع الجنين، وحملت فرحانة، ثم وضعت جنات في 18 فبراير/ شباط 2015. تقول فرحانة: "شعور حسام كان عظيماً عندما علم بأنّني حامل، واستطاع الاتصال بي عبر هاتف مهرب، وكان يبكي، فقد اعتقل وهو في سنّ 23 عاماً، وحكم بـ18 عاماً، وكنا نفقد الأمل في أن نعيش حياة كريمة، لذلك خاطر في تهريب نطفة حتى لا أعيش وحدي، وحتى يكون لدينا طفل ينتظر والده".

كانت فرحانة تزور زوجها كلّ ثلاثة أشهر، لكن توقفت عندما كانت حاملاً لتفادي أجهزة التفتيش، وعادت للزيارة عندما أصبحت جنات في عامها الأول، لكن عندما بدأ التفتيش صدم الجيش الإسرائيلي عندما نظر لجنات رفقة أمها وجدتها. دخلت العطار وطفلتها على يدها إلى غرفة التحقيق، وحققت جندية إسرائيلية معها حول ما إذا كانت ابنته وكيف جاءت، وعندما علمت أنّها طفلة جاءت من نطفة مهربة صرخت الجندية الإسرائيلية في وجه فرحانة وطلبت منها الانصراف.



وضع جيش الاحتلال حينها أسرة العطار في ساحة فارغة تحت أشعة الشمس ورفض أن يسمح لها بزيارة حسام وبالعودة إلى غزة حتى، والحجة، كما أخبر أحد الجنود أم جنات، أنّ طفلتك لا نعترف بها وهي غير شرعية. تضيف فرحانة: "أخبرني الجندي بأنّني أتحداه في إحضار جنات، وقال لي إنّ ابنتي إرهابية وهي غير شرعية، وبعد احتجاجات من الأسرى، وقول حسام للجنود: إذا لم تدخلوا أسرتي وتمكّنوني من رؤية ابنتي سنقوم بشغب كبير ولن نهدأ، وخضعت إدارة السجون لمطالب الأسرى بهدف إعادة الهدوء إلى السجن، ودخلت أنا وطفلتي وأم حسام".

تتذكر فرحانة تلك اللحظات كلّ يوم، وتشير إلى أنّ جنود الاحتلال كانوا ينظرون إليها وإلى ابنتها وأم حسام بحقد، ويشتمونهن، كما دفعوا أم حسام، لكن تحملن ذلك لكي يدخلن إلى حسام، ودخلن إلى غرفة معزولة، وظهر الأسير من خلف الزجاج: "انهرت من البكاء، وشاهد حسام طفلته وهو يبكي ويمسك الزجاج، كان يتمنى أن يعانقها ويقبلها".

جنات العطار مع والدتها وجدتها (الصور بعدسة: محمد الحجار) 












بعد ذلك، رفض الاحتلال زيارة جنات لوالدها، بالرغم من جميع الطلبات التي يقدمها كلّ شهر. جواب الرفض واحد كلّ مرة من إدارة السجون: "طفلتك بالنسبة لنا غير شرعية، ولا تجهد نفسك مرة بعد أخرى". هددوه كذلك، إن وصلت أسرته إلى معبر إيرز بألا يسمحوا بعودتها إلى غزة، لكنّ الأسرة تتواصل مع حسام عبر أصدقاء لها من الضفة الغربية ورسائل مكتوبة تستقبلها الأسرة عبر الصليب الأحمر.




كانت جنات تظنّ أنّ عمها غسان (27 عاماً)، هو والدها لأنّها لم تشاهد والدها أمامها. شعرت والدتها بالضيق من هذا، وباتت تحدثها عن والدها أكثر، فأخبرتها بأنّه بطل لكنّه مسجون عند الاحتلال لأنّه كان يدافع عن أرضه. تقول جدتها عطاف العطار لـ"العربي الجديد": "جنات تحب والدها كثيراً. تقبّل صوره كلّ يوم، وتتحدث مع الصور إن انزعجت مني. تشعر بوجود والدها معها دائماً، وحتى عندما نشتري لها زياً جديداً تأتي إلى صوره لتسأله: هل هو جميل يا بابا". تشعر الأم والجدة بضيق كبير حيال مستقبل جنات، لأنّها بالنسبة للاحتلال طفلة غير شرعية، ما يعني عدم تمكنها من الحصول على هوية فلسطينية أو جواز سفر، إذ إنّ اتفاقية أوسلو تقرّ بأنّ أرقام الهويات الفلسطينية يجب أن تكون برضى الطرفين الفلسطيني والصهيوني.