الإمبراطور يصعد إلى السماء

16 ابريل 2015
الصورة

وهل الشعب هو الذي سيصعد إلى السماء، أم سلطانه؟(Getty)

+ الخط -

جمع الامبراطور سحرة البلاد وعرّافيها، وأبدى رغبته الغريبة والعجيبة في الصعود... إلى السماء! فقال السحرة، بصوت واحد، مثل طلائع البعث عند دخول أمين الفرقة: إلى السماء مولاي؟

قال الامبراطور: نعم. لقد ذقت جميع أنواع الطيبات، وذبحت كل المعارضين، ونكحت كل النساء، من غير عقد ولا شهود، وأريد أن أحقق رغبتي الأخيرة بالصعود إلى السماء.

فقال الساحر شامان أحمر شامان: مولاي، سيظنُّ شعبنا المتدين أنك تريد أن تقلد النمرود؟

- النمرود الوردي؟ هل هو رائد فضاء روسي، أم أميركي؟

- لا، مولاي، هذا ملكٌ من عهد النبي موسى. كان مثلك عنده طموحات فضائية وفلكية، ويريد غزو الكواكب من أجل رفاهية شعبه وسؤدده.

- أنت تفهمني يا شامان أصفر شامان.

- شامان أحمر شامان مولاي.

- أحمر. أخضر. وردي. كلها ألوان. لكني لا أريد أن آخذ رمحاً، ولا حتى كلاشينكوف. أنا سآخذ معي رسالة "أخوّة"، وأحب أن أعيش بجوار الله، أنا مؤمن ومتدين كما تعرفون.

حاول أحد السحرة أن يلفت الأنظار، وقد حسد شامان أحمر شامان: هذا شغل علماء وليس سحرة.

قال الامبراطور: غبي. هذا يحتاج إلى وقت طويل، ومال كثير أيضاً.

فقال الساحر الحاسد: مولاي، نحن نعول على الصداقة الروسية أو الأميركية؟

قال الامبراطور: كل شيء له ثمن، والصاروخ لا يأخذ إلى أبعد من القمر، ثم إني أريد أن أتمتع بالحكم على الأرض، يعني أريد أن أكون في السماء السابعة والأرض معاً.

نهض شامان أحمر شامان: مولاي، أتعهد لك بالصعود إلى السماء. في البداية، هناك إجراء مهم جداً، أن نؤهل الشعب للمهمة السماوية.

قال الامبراطور: يا حمار، وهل الشعب هو الذي سيصعد إلى السماء، أم سلطانه؟

- ثق بعبدك وخادمك، شامان أحمر شامان، يا مولاي.

- وكم سنة يحتاج اختراعك، يا شامان أزرق شامان؟

قال الساحر: أحمر يا مولاي. عموماً. إذا أردت أن نزرقّ، فسنزرقّ يا مولاي، وهو لا يحتاج إلى أكثر من سنة واحدة، وسأجعلك في السماء السابعة، وإذا كان هناك سماء ثامنة، فسأجعلك تدوسها بنعليك.

طرد الامبراطور جميع السحرة من البلاط، واختلى بشامان الذي وضع خارطة الطريق، فانشق وجه الامبراطور عن ابتسامة رضى، وصلت إلى أذنيه، ونفذ البند الأول في الخارطة فوراً، فأصدر قوانين طوارئ وأحكاماً عرفية وذئبية، ورفع الضرائب، وأمر مهندسي الحكم ببناء سقفٍ للوطن، من أجل حمايته من غزو سكان الكواكب الأخرى.

عاش الشعب سنة كاملة في أحلك حال وأسود عيش، فالمخابرات تعتقل بالشبهة، وكل من يعترض على بناء سقف الوطن يُتهم بالتآمر مع أعداء الوطن وسكان الكواكب الأخرى، وكان السقف حديداً، ويعمل بالريموت كونترول والدستور والقوانين، يرفعه الامبراطور وينزله، كيفما شاء، فإذا نزل كثيراً طأطأ الشعب، ومشى منحيناً راكعاً، وإذا رفعه الامبراطور قليلاً، دعا له الشعب على كرمه وحلمه.

وخلال هذه السنة، كان البند الثاني في خارطة الطريق يجري تنفيذه، فالشعراء تسابقوا إلى بلاط الامبراطور بالقصائد والموشحات غير الأندلسية، يمدحون حامي البلاد من غزو "اليوفو"، ومع كل قصيدة كان الامبراطور ينتفخ، ويعلو، ويرتفع، ويسمو، ويصعد، حتى تحول، في آخر السنة، بالقصائد والمدائح إلى كائن أثيري بعيد، لا يرى سوى بالتلسكوب والمجاهر من كثرة المديح والإطراء.

وجلس الساحر شامان بين قدمي الامبراطور في آخر يوم في السنة، وكانت كبيسة.

- أين أنت، الآن، يا مولاي؟

- أنا في السماء التاسعة، يا شامان أبيض شامان.

للعلم: البند الوحيد الذي لم ينفذ في خارطة الطريق، هو بناء نصب تذكاري للنمرود المسكين.