الإكوادور تنقلب على أسانج: بدء معركة قضائية وحقوقية

12 ابريل 2019
الصورة
اتهمته واشنطن بالتآمر (جاك تايلور/Getty)
+ الخط -
أمضى مؤسّس موقع "ويكيليكس" جوليان أسانج ليلته الأولى معتقلاً أمس الخميس، معلناً بدء معركة قضائية طويلة لتجنب تسليمه إلى الولايات المتحدة الأميركية التي وجهت إليه تهمة التآمر وسط مخاوف حقوقية وصحافية.

وكانت الشرطة البريطانية اعتقلت جوليان أسانج (47 عاماً) من السفارة الإكوادورية في لندن حيث لجأ منذ عام 2012، بموجب مذكرة توقيف من القضاء البريطاني لعدم مثوله أمام المحكمة و"طلب تسليم" أميركي، صباح أمس الخميس، بعدما رفعت كيتو عنه صفة اللاجئ السياسي.

ودانت محكمة وستمنستر في لندن الخميس، أسانج بخرق شروط إطلاق سراحه، وهي جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة عام واحد. وسيمثل مجدداً أمام المحكمة في 2 مايو/ أيار المقبل، بشأن طلب الولايات المتحدة تسليمه.

ودفعت الأحداث الدرامية المتعاقبة والدة المواطن الأسترالي كريستين أسانج، إلى موقع "تويتر" اليوم الجمعة، متوسلة القضاء والشرطة أن يبديا "صبراً ورقة ولطفاً" إزاء نجلها الذي "حُرم الهواء النقي والتمارين الرياضية والعناية الطبية"، واتهمت رئيسة الوزراء البريطانية باستغلال عملية الاعتقال في صرف النظر عن ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وخاصة أن الأجواء في بلده الأمّ لا تبشر بالخير.


إذ أعلن رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، اليوم الجمعة، أن أسانج "لن يحظى بمعاملة خاصة"، معتبراً أن ترحيله "مسألة تعود للولايات المتحدة"، في حديثه لشبكة "إيه بي سي".

الأجواء الأميركية

كشف المدّعون العامّون في مقاطعة فرجينيا الأميركية، مساء الخميس، عن توجيه تهمة التآمر إلى أسانج. والدعوى القضائية تتهم مؤسّس "ويكيليكس" بالتآمر مع المحللة السابقة في المخابرات العسكرية الأميركية تشيلسي مانينغ، لتسريب مئات الآلاف من البرقيات الدبلوماسية والسجلات العسكرية عام 2010.

وقالت وزارة العدل الأميركية، إن أسانج يواجه عقوبة تصل في أقصاها إلى السجن خمسة أعوام.

ولا تزال مانينغ محتجزة منذ الثامن من مارس/ آذار الماضي، بعدما رفضت الإدلاء بشهادتها أمام هيئة محلفين في ولاية فيرجينيا الأميركية، تحقق بشأن موقع التسريبات "ويكيليكس". وكانت قد قضت سبع سنوات في سجن في فورت ليفينورث في ولاية كانساس، قبل إطلاق سراحها في مايو/ أيار عام 2017.

وكانت وزارة العدل الأميركية فتحت تحقيقاً حول أسانج حين نُشرت وثائق مانينغ. لكن خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما، خلصت إلى أن ملاحقة مؤسس "ويكيليكس" ستكون أقرب إلى محاكمة مؤسسة إخبارية.

لكن أعيد النظر في القضية المرفوعة ضده خلال عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، بعدما سرّب "ويكيليكس" أدوات إلكترونية سرّية خاصة بـ "وكالة الاستخبارات المركزية" (سي آي إيه).

وفي تراجع جذري عن إعلان "حبّه" للموقع، وذكره أكثر من مائة مرة في تصريحاته وتغريداته في الشهر الأخير من حملته الانتخابية عام 2016، زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه "لا يعرف شيئاً عن ويكيليكس".

في المقابل، اعتبرت المرشحة الرئاسية الخاسرة هيلاري كلينتون، أن على أسانج "تحمل المسؤولية عما فعله"، علماً أن "ويكيليكس" نشر رسائل إلكترونية مسربة من بريد "اللجنة الوطنية الديمقراطية" الإلكتروني، وبريد مدير حملة كلينتون الانتخابية جون بوديستا عام 2016.

واعتبر مراقبون أن هذه التسريبات صرفت النظر عن اتهامات التحرش الجنسي، التي وجُهت ضد ترامب حينها، وساهمت في فوزه. ويرون أن حرب أسانج على كلينتون شخصية، لأنها كانت وزيرة الخارجية حين سُربت البرقيات الدبلوماسية عام 2010.

وخلال مقابلة مع مجلة "ذا نيويوركر" الأميركية، في أغسطس/ آب عام 2017، قال أسانج إنه طوّر خوارزمية استُخدمت لانتقاء رسائل البريد الإلكتروني عشوائياً وتسريبها، من حسابات السياسيين والموظفين في "الحزب الديمقراطي" في الولايات المتحدة الأميركية. وسعى أسانج إلى تطوير الخوارزمية الصعبة التي أطلق عليها اسم Stochastic Terminator كي "لا تتمكن الحملة من التكيف مع المشكلة، وتشتيتها ذهنياً، ومنعها من إنشاء حل وقائي".

الأجواء البريطانية

قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إن اعتقال أسانج أكد أنه "لا أحد فوق القانون" في بريطانيا. ورأى وزير خارجيتها جيريمي هنت، أن مؤسّس "ويكيليكس" "ليس بطلاً". في المقابل، دعا زعيم "حزب العمال" جيريمي كوربين حكومة بلاده إلى منع تسليم أسانج إلى الولايات المتحدة.


الخلافات الإكوادورية الداخلية

اعتبر الرئيس الإكوادوري لينين مورينو، أن سحب اللجوء السياسي لأسانج "حق سيادي". وكانت العلاقة بين الاثنين تدهورت، منذ أن اتهمته السلطات الإكوادورية بتسريب معلومات عن الحياة الشخصية لمورينو.


وتطبّق كيتو منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قواعد جديدة لإدارة الزيارات والاتصالات والشروط الصحية في السفارة. وكانت قد ألغت الإجراءات الأمنية الإضافية في سفارتها في لندن، بعد الكشف عن عملية تجسس بملايين الدولارات الأميركية، لحماية ودعم مؤسّس "ويكيليكس"، عبر شركة أمن دولية ووكلاء سريين، لمراقبة زوّاره وموظفي السفارة، في مايو/أيار عام 2018.

وجاء التحرك الذي أمر به مورينو، بعدما كشفت صحيفتا "ذا غارديان" و"فوكس إكوادور"، أن الإدارة السابقة برئاسة رافاييل كوريا موّلت العملية، التي تمت خلالها مراقبة زوار أسانج وموظفي السفارة وعناصر الشرطة البريطانية في المكان. 

وقد وصف كوريا الرئيس الحالي بـ "الخائن"، بعد اعتقال مؤسّس "ويكيليكس". وكان قد دافع في مقابلة مع موقع "ذي إنترسبت" في مايو/ أيار عام 2018، عن إجراءات حماية أسانج معتبراً إياها "روتينية ومتواضعة".


في المقابلة نفسها، زعم كوريا الذي يعيش الآن في بلجيكا برفقة زوجته، أن حكومة الإكوادور الحالية لا تسمح لمؤسس "ويكيليكس" باستقبال الزوار، وهي خطوة انتقدها، واصفاً إياها بأنها شكل من أشكال "التعذيب" وانتهاك لواجب البلاد في حماية سلامة أسانج. 

الحريات الصحافية

حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اليوم الجمعة، من أن محاكمة أسانج بتهم مرتبطة بالتسريبات، قد ترتد سلباً على المؤسسات الإخبارية حول العالم، معتبرة أن عداء إدارة ترامب العلني إزاء الإعلام ساهم في خلق بيئة خطيرة على الصحافيين الاستقصائيين. وتخوفت من تحوّل ما حصل مع أسانج إلى نموذج تحتذي به الحكومات في تصفية حساباتها مع الإعلام.

وعبرت "لجنة حماية الصحافيين" و"مؤسسة حرية الصحافة" عن المخاوف نفسها.

وهاجم مؤسّس الموقع الإخباري "ذي إنترسبت"، الصحافي غلين غرينوالد، العاملين في المجال الإعلامي والصحافي الذين نأوا بأنفسهم عما حصل مع أسانج، واصفاً إياه بالاستهداف المباشر لحرية الصحافة.


وشاركه الرأي الموظف السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، إدوارد سنودن، الذي وصف ما حصل بـ "اللحظة السوداء في تاريخ حرية الصحافة"، مطالباً الأمم المتحدة بالتدخل لإطلاق سراحه، علماً أنه لجأ إلى روسيا بعد تسريبه معلومات سرّية حسّاسة عام 2013.

 

المساهمون