الأردن.. كواتم الرزاز ومصائر الحراك

الأردن.. كواتم الرزاز ومصائر الحراك

23 يونيو 2018
الصورة
+ الخط -
منذ إعلان رئيس الحكومة الأردنية عمر الرزاز عن تشكيل حكومته في 24 يونيو/ حزيران الجاري، لم تهدأ العواصف الكلامية والسجالات النقدية التي دفعت الرجل إلى أن يدافع عن خياراته، ويعلن تحمله المسؤولية وجاهزيته للحساب، أمام الجمهور الذي علّق كل آماله عليه. ولاحقاً سيكون الرئيس أمام نوابٍ يرون أن شبح حل المجلس النيابي ربما يكون أحد مخرجات مرحلة الرزاز، وهذا خيار قد يستغرق عاماً، ذلك أن حديثا يدور في الغرف المغلقة عن قانون انتخاب جديد يعوّض فشل مخرجات القانون الحالي، وهو أمر محكوم بمواقيت، ولا بدّ من حوار ونقاش بشأنه. 

جاء الرزاز بتفويض شعبي غير معلن، حين صار سلفه هاني الملقي نموذجا للحكومة التي لا تحاور، وينام وزراؤها، كما قال الملك عبدالله الثاني، في لقاء له مع الأسرة الإعلامية قبيل إعلان حكومة الرزاز، فظهر الملقي معادل الكسر الجبري المفترض التضحية به، لوقف تدحرج كتلة الاحتجاج الشعبي التي ظهرت بعد هبة 30 مايو/ أيار، واستمرت طوال الأسبوع الأول من شهر يونيو/ حزيران. آنذاك أعطيت تقديراتٌ موقف من وزراء الملقي للملك، وكانت خاطئة، ثم كان الرزاز البديل المرحلي المقبول لأسباب عديدة، لكن القصر لم يكتف بإقالة الملقي، بل أراد توجيه رسالة قاسية ومباشرة أيضاً لنخبته الرئيسة، أو لحاشية الملك، حين غُيّر قبل أشهر مدير مكتب الملك، ولاحقاً بعد أسبوع من إعلان حكومة الرزاز، أقيل رئيسا الديوان الملكي والتشريفات.
هل تُسكت هذه الإجراءات صوت الحراك المجتمعي الوطني، ذي الصبغة المحافظة، والذي أخذ ترتيب أوراقه ومواقفه من جديد، والرزاز يراه المحافظون أكثر انفتاحاً على صفة الدولة 
المدنية، وربما تتخذ حكومته قرارات تاريخية بشأن القضية الفلسطينية، وهنا جاءت الأسئلة: لماذا لم يصدر أي موقف من زيارتي رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ومستشار الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، إلى عمان أخيرا؟ وفي ضوء نجاح فكرة التغيير "من تحت"، والتي أصابت حكومة الملقي، هل تطمئن الدولة العميقة للرزاز الذي تم اختباره في خياراته عند تشكيل حكومته، فظهر انحيازه إلى من يعرف أكثر من السعي إلى اختيار الكفاءة، كما يرى منتقدوه الذين يفصحون عن أن كثيرين ممن اتصل بهم للدخول معه في الحكومة اعتذروا، ليقينهم أنه لا ولاية تامة للحكومة، وبالتالي، وافق الرزاز، كأسلافه من رؤساء الوزراء، حين اكتفوا بقسمة: السياسة للملك ومكتبه، والاقتصاد والخدمات للحكومة؟ هل حديث الرزاز لاحقاً عن تحمله المسؤولية عن فريقه إعلان مبكر بأنه، وهو الذي أخذ وقته في التشكيل، جاهز للرحيل في حال لم تتوافق خيارات الدوار الرابع (حيث مقر رئاسة الحكومة) مع خيارات دابوق (حيث مقر الحكم)؟
ربما تكون الأسئلة أكثر من ذلك، لكن الواضح أن الرزاز، في مؤتمره الصحافي الأول، تعمّد، لكي يتجاوز ضعف تشكيلته، مخاطبة المواطن في قضايا الصحة والتعليم وخدمات الطرق ومسألة سيارات الهايبرد التي تهم شريحة واسعة من الناس، وركّز على حق المواطن بحياة كريمة، ونقضَ غزلَ حكومة الملقي التي كان عضواً فيها، واستغرب كيف تؤخذ قرارات بدون دراسات أثر وتقييم لتطبيقها. ويطلق كاتم صوت على موضوع الهدر المالي، ويقرّر توفير مائة وخمسين مليون دينار من نفقات الوزارات، فيرضى الشارع مؤقتا بقرارات آنية، ذات عائد اقتصادي.
بعد هذا، يتخذ مجلس الوزراء قرار تأمين جميع مرضى السرطان في الأردن، في خطوة تبدو كاتم صوت آخر على جدل التشكيلة الوزارية محلياً، فيما سواتر الدولة ما زالت تحمي بعض المتغولين والفاسدين، ولا احتساب جديا لبنود النفقات الهائلة في موازنات الدولة.
وبات السجال في الغرف المغلقة اليوم أكثر إثارة لسؤال كم يصمد الرزاز؟ وما دامت النخب 
تضع هذا السؤال في دارج كلامها اليومي، فمعنى هذا أن النزيف بدأ شعبيا في الثقة بالحكومة التي لا يُجبر كسرها، إلا بقرارات جريئة في محاربة الفساد، وتحقيق العدالة للناس، وإحداث فرص تنموية حقيقية، وتوفير النفقات، ووقف التعيينات للمصالح والمحاسيب، واستعادة هيبة مجلس النواب لنفسه. وهذا يقتضي أن تُقبل مذكرات طرح الثقة بالوزراء في الأشهر المقبلة، ولا ينقذ الملك الحكومة بالتعديلات، كما حدث مع حكومة الملقي في مسالة طرح الثقة بوزير الداخلية، سلامه حماد.
ويبقى السؤال عن الحراك ومستوياته؟ الأرجح أنه سيكون أكثر عنفا وجرأة بعد المائة يوم الأولى لحكومة الرزاز، مع مطلع العام الدراسي، وإفلاس جيوب الناس، ولجوئهم المتزايد إلى البنوك للاقتراض. هنا، لا يتم وقف عودة الحراك إلا بمحاسبة وقياس أداء، وتحقيق إنجازات حقيقية في التنمية، ومكافحة فساد ناجعة. وفيما تنشط دعوات قادة وطنيين إلى عقد مؤتمر وطني، بالإضافة لتحذيرات المتقاعدين العسكريين من أن شعار تغيير النهج الذي رفع لم يؤخذ به، فإن الرزاز أمام خياراتٍ صعبةٍ ومضاعفة، إذا ما دخل المعلمون على خط الاحتجاج، وهو الذي خاض معهم معركة المناهج سابقا، حين كان وزيرا للتربية والتعليم في الحكومة المقالة.
لذا، على عمر الرزاز المسنود بأكثر من رافعة، وعاجلاً، التفكير بقرارات حاسمة وشعبية، مانعة للفساد والهدر، ومحقّقة للعدالة، لكي يستعيد ثقة الشارع، ويُفرغ الهواء من أشرعة الخصوم.