الأردن في معركة التهرّب الضريبي

21 يونيو 2020
الصورة

تغقيم في البتراء ضد كورونا (7/3/2020/فرانس برس)

فرضت جائحة كورونا تحديات عديدة، في عدّة قطاعات. وعلى الرغم من ذلك، يرى كثيرون أن ما حققه الأردن في مكافحة الفيروس يُحسب له من حيث نسبة الانتشار والوفيات، وهو أمر كشف عن قدرة عالية للنظام الصحي، وتطوّر كبير وإيجابي في إدارة الأزمات التي اشتركت بها كل قطاعات الدولة، ما جعل العاهل الأردني، عبد الله الثاني، في زيارة له إلى دار رئاسة الوزراء يَعتبر ما تحقق من تنسيق يحدث أول مرة منذ عقدين.
الجائحة الصحية التي أتت على الدولة الأردنية بخسارات مالية كثيرة، جرّاء سياسات الحظر والعطلة الطويلة وتعويض المتعطلين من فقدان وظائفهم وتوقف دخلهم، أدّت إلى خسارات كبيرة في الإيرادات العامة للدولة، ما حدا بالحكومة إلى الاستفاقة على ضرورة التعويض والبدء بتطبيق ما كان يتطلبه إقرار قانون ضريبة الدخل الجديد الذي أقرَّ في عهد الحكومة الحالية برئاسة عمر الرزاز، وقامت الجماهير ضده في سلة احتجاجات أواخر مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2018، فأطاح حكومة هاني الملقي.
صحيح أن أغلب المقولات ضد ذلك القانون تركزت على العبء الضريبي وتقليص الإعفاءات الضريبية، والوصول إلى حدّ مرتفع من "الإجهاد الضريبي" للمواطن، وبالتالي التحذير حينها من انهيار الطبقة الوسطى، وهو ما دفع النقابات يومها إلى تصدّر مشهد معارضة القانون، ولكن الجزء الأهم في القانون كان السياسات الجديدة في محاربة التهرب الضريبي، وتحسين سبل التحصيل بما ينعكس على مالية الدولة. يومها عارض الأطباء ورجال الأعمال (خصوصاً "مجتمع البانكرز") القانون، والمستهدفون اليوم من التهرب الضريبي، والذين يجرى تعقبهم
 من تلك الفئة مباشرة، أطباء ورجال أعمال وأصحاب بنوك كبار.
وكان المجلس الاقتصادي الاجتماعي في عام 2013 قد قدر ما سمّي الفاقد الضريبي بـ 9،1 مليارات، منها 834 قيمة الإعفاءات الضريبية، والمتأخرات الضريبية نحو 370 مليوناً، والتهرّب الضريبي نحو 695 مليون دينار، منها 200 مليون تهرّب من ضريبة الدخل والأرباح و495 مليوناً تهرب من ضريبة المبيعات. وتبنت حكومة عبد الله النسور دراسة المجلس الاقتصادي المشار إليها، وشدّدت على مخاطر التهرب الضريبي، في تصريحات للنسور نفسه عام 2014، لكنها لم تتقدم خطوة في ذلك، وزاد الدين العام بشكل غير مسبوق، ثم جاءت حكومة الملقي بهدف تغيير قانون الضريبة الذي أقر في عهد حكومة الرزاز التي امتلكت الأدوات لمعالجة الخلل الضريبي، وتعهدت بذلك. وهذا ما يُشير إليه "تقرير حالة البلاد" الصادر عن المجلس الاجتماعي لعام 2019، أن الحكومة تعهدت، عند مناقشة تقرير عام 2018، بالالتزام بالإصلاح الضريبي، من خلال التركيز على ضريبة الدخل حجراً أساساً لهذا الإصلاح، ولكي تخفف الحكومة من العبء الضريبي المرتفع على المواطن، وعلى خزينة الدولة، والبالغ أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي. وجاء في التقرير أن هذا العبء المرتفع يستدعي من الحكومة "العمل على مكافحة التهرب والتجنب الضريبي الذي يشكل نسبة مرتفعة في الاقتصاد".
وخلال أزمة وباء كورونا، ومع الخيبة الكبيرة في جمع التبرّعات لصالح "صندوق همّة وطن" من الميسورين وأهل الاقتصاد، والذين اغتنوا من العمل في الأردن، كان واضحاً أن البلاد التي شدّد الملك عبد الله الثاني مراراً على أنها ماضية في حرب الفساد، سوف ينفد صبرها عن 
الذين تهرّبوا من تطبيق القانون، ولكن المحاربة ستكون بموجب القانون، وهو إلى الآن قانون ضريبة الدخل، والذي استتبع الحجز على الأموال، والدعوة إلى دفع ما هو مستحق، ثم سبقت ذلك مداهمات ضريبية تجرى أول مرة وبإصرار. ويبدو أن حكومة الرزاز أخذت جرعة ثقة كبيرة أخيراً بالإشادة بإجراءاتها في أزمة كورونا، ما سوف يدفع المشهد الأردني إلى مزيدٍ من التسخين، مع التكهن بحزم أمر إجراء انتخابات نيابية نهاية العام الجاري، مع عدم دعوة مجلس النواب إلى دورة استثنائية.
الملعب في هذه الحالة الراهنة مفرغ لفريق حكومة الرزاز كي تجري المزيد، مما يجب أن تبادر إليه لإصلاح المالية العامة، ووقف ارتفاع الدين العام الذي كان مهولاً في حكومة نهاية 2018، ومراجعة كثير من أسباب ارتفاع العجز المالي بشكل حاد للوحدات الحكومية المستقلة إلى 248 مليون نهاية 2018 مقابل 97 نهاية عام 2017. وكان تقرير المجلس الاقتصادي الاجتماعي قد دعا إلى الإسراع بإلغاء هذه الوحدات ودمجها باستثناء البنك المركزي، وطي هذه الملف المؤلم وطنياً على الاقتصاد، كما دعا إلى مزيد من الدمج وتقليص القطاع العام وإصلاحه وفتح شركات مالية لتمويل الشباب بقروض ميسرة، كذلك أشاد التقرير بتشذيب الحكومة دعم الخبز وتوجيهه لمستحقيه. وإذا ما أتيح للمراقب تتبع إجراءات حكومة الرزاز يجد أنها تطبق كثيراً مما جاء في تقرير "حالة البلاد"، وتتعامل معه بإيجابية، وهي 
تسعى أيضاً، بفعل ما توفر لها من خبراتٍ أخرى، في السعي إلى تحقيق العدالة والاستدامة في الاقتصاد وإيجاد فرص العمل للشباب.
وعلى صعيد الشارع والجمهور، لا حراك فيه، كما كان قبل سنوات. تلاشى الغضب العام، ليس لأن الناس لا يدفعون ضرائب، أو اكتفوا بإصلاح سياسي جرى، بل لأن هندسة المجتمع تغيرت كثيراً، وكشفت الفترة التي قضاها الأردنيون خلال أزمة مواجهة كورونا عن مناعة مجتمعية وهندسة اجتماعية جيدة، مقابل كل ما يقال عن فشلٍ هنا أو هناك. لقد شهد الأردن نجاحاً كثيراً في قطاعي التعليم والصحة وبقية الخدمات، وتفوّق في التكنولوجيا الرقمية، ومارس دوراً معقولاً في الحماية الاجتماعية، عبر مؤسسة الضمان الاجتماعي وصندوق المعونة الوطنية، ويمارس سياسة مالية مقبولة، وتقود وزارة المالية عقلية كفؤة، لكنه أخفق في التعويل على مساهمة جزلة لرجال الثروة، حين تبرّعوا بأرقام شحيحة لصندوق همة وطن، وهو ما عبر عنه رئيس لجنة إدارة الصندوق رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي.
نعم هناك نجاحات كبيرة في الأردن الراهن، ولكن هناك أيضاً تحدّيات مقبلة، في ظل تنامي أرقام البطالة، وارتفاع الديْن العام، وفي ظلّ التحدي الإقليمي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وسياساته.