احتجاجات هونغ كونغ تواجه شياطين التفاصيل: أي دور للكنيسة؟

20 اغسطس 2019
الصورة
يشارك رجال دين في الاحتجاجات (أنتوني كوان/Getty)
لا خيط رفيعاً بين التغطيتين الغربية والصينية لأحداث هونغ كونغ. وعليه، يبدو للمتابع في منتصف الطريق، وكأنه يحتاج في بحثه عن الحقيقة التي تقف خلف احتجاجات المدينة المستمرة منذ أسابيع، على خلفية رفض قانون تسليم المطلوبين لبكين، والتي استعادت زخمها يوم الأحد الماضي بمشاركة مئات الالاف في المسيرات التي تمت الدعوة إليها، أن يسبر جميع أغوار تاريخ وجغرافية الصين، وتركيباتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية، وصولاً لملف الحرب الباردة المفتوحة بين التنين الآسيوي والعملاق الأميركي. 
فوراء "الثورة الملونة"، كما وصفتها بكين أخيراً، أو خلف الحركة الاحتجاجية المطالبة بالديمقراطية، كما يصفها الغرب، تعمل تعقيدات المشهد في هونغ كونغ على تحميله أكثر من تأويل، داخلي وخارجي، بدءاً من الصراع على "مكتسبات" الحريات المالية والاجتماعية في المستعمرة البريطانية السابقة، إلى ورقة رابحة بيد الغرب في المواجهة مع الدولة الآسيوية، والتي تمثل رأس أجندته في القرن الواحد والعشرين.

من هذا المنطلق، تبدو التفاصيل الصغيرة، في الأزمة التي أخذت بُعداً دولياً، كلها ذات مغزى، ويفيد جمعها لتركيب "المعضلة" الهونكونغية التي تؤرق الدولة الأم. ولا يعود الحديث كثيراً في الإعلام الغربي، عن دور "المسيحيين" من "الهونكونغيين" - وهو ما يفضل سكان المنطقة الإدارية الخاصة التابعة لجمهورية الصين الشعبية تسميتهم به - في الاحتجاجات، وقليلاً باستخدام مصطلح "الكنيسة"، من باب تسليط الضوء على "ديانة مضطهدة"، بل يذهب إلى حدّ وضعه في خانة "الكباش الحضاري بين الغرب المسيحي والصين الكونفوشيوسية"، كما يرى الباحث في معهد الدراسات الصينية بجامعة مالايا، بيتر تشانغ، في مقال بصحيفة "ذا ساوث تشاينا مورنينغ بوست" (The South China Morning Post). وسبق أن حذر في مقاله الذي يعود إلى فبراير/شباط الماضي من الوقوع في "فخ ثيوسيدز"، الذي استشهد به الرئيس الصيني شي جين بينغ، مستعيداً كلام المؤرخ اليوناني القديم من احتمال حصول حرب كارثية، إذا ما أصبحت قوة راسخة شديدة التخوف من قوة صاعدة.



دور الكنيسة: "تسللٌ" إلهي

الموقف الرسمي الصيني الذي يتبنى فكرة وجود "دور كبير للمسيحيين" في محاولة التأثير على الوضع القائم في هونغ كونغ - التي تصغر بمساحتها البناء الهوائي الذي أطلقته الصين في يناير/كانون الثاني الماضي للتواصل مع الغواصات - تقابله  "بروباغندا" مضادة يقودها الإعلام الغربي. وكل ذلك يبدو من باب "الفولكلور السياسي" في إدارة الأزمة الممتدة منذ أشهر، إذا ما قيس فقط بشعار صدّ التدخل الأجنبي، الذي ترفعه بكين، و"اضطهاد الأديان" الذي تستخدمه وسائل الإعلام الحاملة للواء حقوق الإنسان، للضغط على حكوماتها بشأن الأزمة.

في هذا الإطار، تبدو التقارير والمقالات الصادرة من أوروبا والولايات المتحدة، عن دور الكنائس المسيحية في هونغ كونغ في الاحتجاجات المتصاعدة، والتي أخذت منحىً عنفياً، تسير على النغمة ذاتها: أغنية عيد الفصح التي اشتهرت في سبعينيات القرن الماضي، "هلليلويا للمسيح"، أصبحت النشيد غير الرسمي الذي يردده المتظاهرون، الذين جلّ قادتهم مسيحيون، (على رأسهم جوشوا وونغ، واستطراداً بني تاي من حركة احتلوا مركز المدينة في 2014 – أفرج عنه أخيراً بكفالة – والكاردينال جوزيف زين). كما يبرز شعار "أنزل عصاك وإلا سأغني الأغنية (الدينية)" في مواجهة قمع الشرطة، مع تذكير بالحملة التي تشنها الصين على المسلمين الإيغور في إقليم شينجيانغ، ولفت الانتباه إلى أن أعداد المسيحيين في الصين في ارتفاع مضطرد، قد يصل بهذا البلد إلى العشرة الأوائل في العالم بعدد المسيحيين بحلول العام 2050. وهو ما ينفيه معهد بيو للأبحاث في آخر إحصاء وتوقعات له صدرت له في العام 2011 حول عدد أتباع هذه الديانة في البلد الآسيوي (58 مليون بروتستانتي وحوالي تسعة ملايين كاثوليكي في الصين في العام 2010 بحسب المعهد في إحصاء للمسيحيين في الكنيستين، المعترف وغير المعترف بها من الدولة).

ولا يفوت الإعلام الغربي العودة إلى العام 2012، مع تشديد عهد شي جين بينغ قبضته على الحريات الدينية في الصين، وحملة القمع الأخيرة التي بلغت أوجها العام الماضي، مع إغلاق عدد كبير من الكنائس واعتقال كهنة وأساقفة ورجال دين، ومنع بيع الإنجيل إلكترونياً، وتكسير صلبان، وعدم السماح بدخول المبشرين الأجانب ومغادرة الكثير من المحليين منهم في بعثات خارجية، وكذلك استدعاء رجال دين مسيحيين من هونغ كونغ وتسليمهم تحذيرات، وهي فترة معاكسة لمرحلة الانفتاح الديني إلى حد ما التي عرفتها الصين منذ أوائل الثمانينيات. علماً أن هونغ كونغ تعد رأس الحربة في التبشير الديني المسيحي للصينيين.

من جهته، حذر تشو تشاي هونغ، رئيس لجنة "الحركة الوطنية الذاتية الثلاثية" للكنيسة البروتستانتية في الصين (رسمية بإطار التنظيم الصيني للأديان المعترف بها)، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز قبل الأزمة الأخيرة من "مشاكل كبيرة مع الديانة المسيحية في الصين"، ومنها "التسلل من الخارج لقلب النظام" الحاكم، مهدداً من يسعى لذلك تحت شعار المسيحية بسوقه إلى العدالة.

تواطؤ "لوبيات"

وعلى الرغم من تعدد انتماءاتها وهوياتها وأسمائها، وانقساماتها السابقة حول العديد من القضايا، أظهرت منظومة الكنائس المسيحية في هونغ كونغ (1500 كنيسة، صحيفة دينية، جامعة معمدانية، شبه احتكار للتعليم الخاص إذ تدير الكنيسة الكاثوليكية ربع المدارس، ولجنة فرعية تشارك في اختيار الرئيس التنفيذي للمنطقة الإدارية)، توحداً قوياً في دعم حركة الاحتجاجات الحالية، ورفدها بمقومات الاستمرار (مثلاً عدم محاسبة الطلاب الخارجين في التظاهرات، ومشاركة رجال الدين فيها، وفتح مراكز دينية للتجمعات). وجاء ذلك في مقابل انقسامٍ واضح طغى عليها خلال "ثورة المظلات" في العام 2014 (استمرت 79 يوماً من 25 سبتمبر/ أيلول إلى 15 ديسمبر/ كانون الأول)، من خلال بيانات رسمية تدعو للهدوء وعدم معارضة بكين، مقابل مشاركة مجموعات كنسية في الحراك.

ويعود سبب التوحد إلى عوامل عدة، داخلية وخارجية، يطغى عليها أثر الاستعمار البريطاني الذي فتح الباب واسعاً أمام التبشير المسيحي في المدينة، ومنه دعم الكنيسة في هونغ كونغ للنخبة الاقتصادية في البلاد. هذه النخبة (صينية وهونكونغية)، التي لم تدعم أبداً حركة "المظلات" في 2014، بدت موحدة في موقفها القلق من تداعيات قانون تسليم المطلوبين موضع الجدل على امتيازاتها في الأسواق العالمية، وترصد موقف سنغافورة الممتن للقانون في هذا الصدد. ويأتي دعم الكنيسة لهذه النخبة استكمالاً لمسار طويل منذ الاستعمار، لم يوفر التجار الصينيين الأثرياء الذين قدموا إلى المستعمرة الخاضعة للحكم البريطاني منذ انتهاء حرب الأفيون الأولى في العام 1842.

بالإضافة إلى ذلك، ترى الكنيسة في النخبة الحقوقية والمتوسطة في هونغ كونغ، التي أسهمت في تعليمها، والتي يعتنق (أو تحول) العدد الأكبر منها الديانة المسيحية، خزاناً مهماً في وجه النظام الشيوعي الحاكم، وهي تؤكد أن مشكلتها ليست مع الصين، ولكن مع نظامها "القامع للحريات"، فيما ترفع هي لواء العدالة الاجتماعية. وتخشى الكنيسة في الحقيقة أن يكون القانون، وما سبقه من استعراض للهيبة الصينية، مقدمة لسلبها امتيازاتها الدينية والاجتماعية في المدينة.



ويُعتبر موقف الكنيسة الحالي، لا سيما بشقّه الكاثوليكي، ولكن أيضاً بأطيافه الأخرى، رداً على ما يوصف بـ"صمت الفاتيكان" في هونغ كونغ، في عهد البابا فرنسيس، خصوصاً بعد الاتفاق السرّي الذي وقعه هذا الصرح مع بكين العام الماضي، ويسمح لها بتعيين الأساقفة من دون موافقة البابا (مع حق "ملتبس" له بالفيتو). وهنا، يبرز هجوم للكاردينال جوزيف زين، وهو أحد أساقفة هونغ كونغ السابقين، والداعم للاحتجاجات، وصف فيها البابا فرنسيس بـ"المسكين الذي يفهم الشيوعيين الملحدين". واتهمه بعقد صفقة "ساذجة تسمح بإبادة الديانة الكاثوليكية"، ومكذباً رد الفاتيكان بمحاولة التوحد بين الكنيسة السرية في الصين وتلك الرسمية التي تدعمها الحكومة. علماً أن الأساقفة الثلاثة المعينين من الصين حالياً أبدوا كذلك دعمهم العلني لحركة الاحتجاجات الأخيرة.

إلى ذلك، يبرز أخيراً التعويل الكنسي على فردية المتظاهرين والناشطين الدينية، ومدى قدرتهم على التأثير في الغرب، لدعم الاحتجاج، لإظهار "المقاومة" المسيحية في وجه النظام الحاكم في بكين. وهنا، يجدر التذكير، بأن كاري لام، الرئيسة التنفيذية الحالية لهونغ كونغ، والتي حظيت بالسابق بدعم الكنيسة، هي من "المسيحيين المؤمنين"، وقدمت اعتذارها للكنيسة في المدينة عن "الخطيئة" التي ارتكبتها على خلفية مشروع القانون، الذي هو للمفارقة من جهدها الشخصي، في إطار ما وصف من قبل المحتجين بـ"المناورة"، في ظلّ ولائها المطلق لبكين. ولم تُظهر الكنيسة في هونغ كونغ الكثير من الإعجاب بمطالب سابقة لاختيار الرئيس التنفيذي للمدينة بالتصويت الشعبي، رغم أن استطلاعاً أخيراً أظهر أن نسبة كبيرة من الهونكونغيين يعترضون أساساً على طريقة إدارة الرئاسة التنفيذية لشؤون مدينتهم.

طريق 2047

من هذا المنطلق، يبدو المشهد، لدى متابعة احتجاجات هونغ كونغ، ضبابياً وكثير التعقيد، ومفتوحاً على جميع الاحتمالات. ويعتقد مراقبون أنه سيستمر على هذا المنوال سنوات طوال، لحين عودة هونغ كونغ إلى كنف الأرض الصينية بشكل كامل في العام 2047، بمعنى أن الولادة الجديدة لهذه المستعمرة السابقة، لن تكون طبيعية، كما تشتهيها بكين، ولا بعملية قيصرية ينهيها تحشيدٌ عسكري على الحدود. أبعد من قانون تسليم المطلوبين، تقع هونغ كونغ على مفترق طريق بين الشرق والغرب، بما يحمله من تعقيدات وملفات متوترة متصاعدة، عنوانها الهيمنة، يلعب فيها الدين عاملاً ذات تأثير، ولو أن للصراع أبعاداً أكبر، قد تكون فيه الصين نفسها ضحية "لوبيات" القوة في هونغ كونغ.

مصطلحات ومحطات

الإعلان المشترك: وقع في 1984. ويضمن الاتفاق الذي يمتد 50 عاماً، وينتهي العمل به عام 2047، استمرار النظام السياسي -الاقتصادي في هونغ كونغ لمقاطعة (رأسمالي ليبرالي) تحت السيادة الصينية، في إطار ما تسمى سياسة "بلد واحد ونظامين".

القانون الأساسي لهونغ كونغ basic law: اعتمد في إبريل 1990، وهو بمثابة الدستور الذي يتضمن الأفكار الصينية الرئيسية حول هونغ كونغ، والتي يتهم المتظاهرون بكين بتقويضها.

احتجاجات التعليم الوطني: بدأت في سبتمبر/أيلول 2012، حاصر المتظاهرون مباني حكومية في هونغ كونغ لمدة 10 أيام احتجاجاً على محاولة تمرير قانون التعليم الوطني، في عهد الرئيس التنفيذي لونغ شون، الذي سحب القانون عشية الانتخابات التشريعية (شارك جوشوا وونغ في التظاهرات وكان عمره 15 عاماً).

احتجاجات 2016  أو "ثورة كعكات السمك": اندلعت في الحي الاقتصادي مونغ كوك في فبراير/شباط 2016، على خلفية قمع السلطات للباعة غير الشرعيين، ما اعتبر مساساً بهوية هونغ كونغ في عيد رأس السنة القمرية.

تظاهرات الأول من يوليو/تموز منذ 2003: اندلعت في ذكرى تسليم هونغ كونغ للصين للمطالبة بمزيد من الديمقراطية.

حرب "باكسات"

في صحيفة "ذا ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، يكتب الباحث في معهد الدراسات الصينية بجامعة مالايا، بيتر تشانغ أن "الحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة ما هي إلا وجه من الصراع المستحكم بين البلدين للهيمنة على العالم، يحمل شراك الكباش الحضاري، مع تداعيات محتملة بعيدة المدى على النظام العالمي المهيمن حالياً". ويرى أن "الباكس أميريكانا"، أو "السلام الأميركي"، يستلهم من "التفرد المسيحي"، عبر "طريق وحيدة لعالم حر، وهي عملية "اللبرلة الديمقراطية"، فيما يعود "السلام الصيني"، إلى "تيان شيا" الفيلسوف كونفوشيوس، في مبادرة الحزام والطريق لشي جين بينغ، عبر التمجيد لـ"العصر الجديد" من الرفاه والاستقرار العالمي، ليس حقاً أصلياً، بل هو متاح لكل المستحقين.