احتجاجات زيمبابوي: منانغاغوا يستنسخ أساليب قمع موغابي

04 اغسطس 2020
الصورة
الروائية دانغارمبا لحظة اعتقالها يوم الجمعة الماضي (فرانس برس)

لم تخرج زيمبابوي من أزماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة، على الرغم من مرور قرابة 3 أعوام على خلافة الرئيس إيمرسون منانغاغوا الرئيس المخلوع روبرت موغابي (توفي في سبتمبر/ أيلول 2019، وانقلب عليه الجيش في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017). وبدا واضحاً أن منانغاغوا، الذي شغل لعقود مناصب عدة في الحكومة قبل أن يتم اختياره أواخر 2014 لتولي منصب نائب الرئيس، لا يملك تصورات مغايرة لسلفه في كيفية حكم هراري والتعاطي مع الأصوات المعارضة، كونه عملياً من الحرس القديم، ومن أنصار موغابي سابقاً. ولم يأتِ اتفاقه مع الجيش لخلع الرئيس الراحل، سوى لقطع الطريق أمام تمدّد غريس زوجة موغابي الثانية، والتي تصادمت مراراً مع الرئيس الحالي. وبالتالي، فإن وعود الإصلاح التي لم يتوقف عن تكرارها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما دفع المعارضة للتكتل ضد منانغاغوا، خصوصاً بعد تفشي فيروس كورونا في البلاد، وعجز المنظومة الصحية في هراري عن التصدي للوباء.
وكان النظام قد استغل انتشار الوباء لفرض سلسلة إجراءات قمعية، بما في ذلك حظر التجول، وتقليص وتعليق الحريات، التي قال منانغاغوا إن "الزيمبابويين يمارسونها دائماً". وأدى ذلك إلى احتدام المواجهة مع المعارضين، لا سيما مع بروز طبقة جديدة من المثقفين، ومنهم الصحافي الاستقصائي هوبويل شينونو، الذي اعتُقل في 20 يوليو/ تموز الماضي، بتهمة "التحريض على العنف العام"، بعد إعلان دعمه، عبر موقع "تويتر"، للاحتجاجات على الصعيد الوطني، ضد الفساد الحكومي وتدهور الأوضاع الاقتصادية. كما اعتُقل القيادي المعارض جاكوب نجاريفوم بالتهمة نفسها في 31 يوليو الماضي.


اعتقلت السلطات الروائية تسيتسي دانغارمبا الحائزة على جوائز عدة

وبعد ذلك دعا المعارضون لاحتجاجات، يوم الجمعة الماضي، استبقها النظام بتوجيه الاتهامات للسفير الأميركي في زيمبابوي، براين نيكولز، بتدبير التظاهرات، قبل اعتقال الكاتبة تسيتسي دانغارمبا، والمتحدثة باسم حزب "تحالف حركة التغيير الديمقراطي" المعارض فادزايي ماهير، لليلة واحدة، ثم إطلاق سراحهما مع آخرين، يوم السبت الماضي. ودانغارمبا هي مؤلفة الرواية الأكثر مبيعاً "الظروف العصبية"، وقد نُشر الجزء الثاني منها باسم "هذا الجسد الحزين"، والتي حظيت بمراجعات ملحوظة وتم ترشيحها لأفضل الجوائز. والروائية، التي درست في جامعة كامبريدج، هي الوحيدة في بلدها التي فازت بجائزة "كتّاب الكومنولث"، وكثيراً ما تتم الإشادة بها لتطرقها إلى قضايا المرأة.

وقضى الذين قُبض عليهم ليلة رهن الاعتقال، وهم متهمون "بالمشاركة في التجمع بنية التحريض على العنف العام"، وأيضاً بانتهاك أنظمة الإغلاق التي تحظر "التحركات غير الضرورية". وصدرت لهم أوامر بتسليم جوازات سفرهم وإثبات حضورهم لدى الشرطة مرة كل أسبوع وفق شروط الكفالة لحين الانتهاء من قضيتهم. وقال المنظمون إن المتظاهرين كانوا يخططون في الأصل للاحتجاج على فساد حكومي ولكنهم استهدفوا بدلاً من ذلك الحزب السياسي الحاكم، باستخدام هاشتاغ على "تويتر". ووصف الرئيس التظاهرة بأنها "تمرد للإطاحة بحكومتنا المنتخبة ديمقراطياً".

من جهتها، أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، على لسان المتحدثة باسمها ليز ثروسيل، عن القلق بشأن الادعاءات التي تفيد بأن السلطات في زيمبابوي ربما تستخدم فيروس كورونا ذريعة لقمع حرية التعبير وحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات. وأعربت ثروسيل عن القلق أيضاً إزاء التقارير التي تفيد باستخدام الشرطة القوة لتفريق الممرضات والعاملين الصحيين واعتقالهم، بسبب انتهاكهم قيود الإغلاق، ومحاولتهم الاحتجاج من أجل تحسين الرواتب وظروف العمل. وأكدت المفوضية أن هذا النمط من الترهيب يأتي امتداداً للأحداث التي وقعت في مايو/ أيار الماضي، عندما تم القبض على ثلاث عضوات من حزب المعارضة الرئيسي بشكل تعسفي واحتجازهن لمشاركتهن في احتجاج. وذكرت النساء الثلاث، وهن جوانا مامومبي وسيسيليا شيمبيري ونتساي ماروفا، أن موظفين حكوميين اختطفوهن من مركز للشرطة وعذبوهن واعتدوا عليهن جنسياً. وقد تم اعتقال النساء رسمياً في يونيو/ حزيران، بتهمة المشاركة في الاحتجاجات والكذب بشأن اختطافهن، قبل إطلاق سراحهن أخيراً.

مع العلم أن الحكومة سعت لتخفيف الضغط الدولي عليها، بعد توقيعها اتفاقاً لدفع 3.5 مليارات دولار كتعويض للمزارعين من أصول أوروبية، الذين تمت مصادرة أراضيهم خلال حكم موغابي. وذكر منانغاغوا أن القرار تم اتخاذه بما يتماشى مع الدستور، من أجل تعويض المزارعين عن "التحسينات" التي أدخلوها على الأرض، مثل السدود وغيرها من المنشآت، قبل نزوحهم. ورحب رئيس اتحاد المزارعين التجاريين في زيمبابوي أندرو باسكو بالاتفاق، وقال: "بعد نحو 20 عاماً من الصراع حول قضية الأراضي، تمكن ممثلو المزارعين، الذين فقدوا أراضيهم من خلال برنامج الإصلاح السريع وممثلي الحكومة، من الاجتماع معاً للبحث عن حل لهذا النزاع".


60 في المئة من السكان قد يعانون من انعدام الأمن الغذائي

وينص الاتفاق على دفع 50 في المائة من الـ3.5 مليارات دولار في غضون 12 شهراً من يوم التوقيع، في حين سيتم دفع النسبة الباقية في غضون خمس سنوات. وكشف مسؤول في الاتحاد، أن أكثر من 3500 مزارع تقدموا بطلبات للحصول على تعويض. وبموجب اتفاقية التعويضات، فإن زيمبابوي ستصدر سندات طويلة الأجل، وستتواصل مع المانحين الدوليين والمزارعين بشكل مشترك لجمع التمويل. وصُنّفت خطوة هراري بأنها محاولة لفتح الباب مع الأميركيين، الذين رفضوا مصادرة موغابي الأراضي عام 2000، وفرضوا العقوبات على نظامه في عام 2003.

وتوفي وزير الزراعة بيرينس شيري بسبب كورونا الأسبوع الماضي. كما طالب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس الماضي، بمبلغ إضافي قدره 250 مليون دولار لإغاثة ملايين المواطنين في زيمبابوي الذين يعانون من تبعات كورونا، وحذّر من أن 60 في المئة من السكان قد يعانون من "انعدام الأمن الغذائي". وفي إبريل/ نيسان الماضي، طلب البرنامج 130 مليون دولار لتمويل عمليات الطوارئ حتى أغسطس/ آب الحالي. وذكر أن إجراءات العزل العام ستؤدي لفقد المزيد من الوظائف، بينما يزداد الجوع في المناطق الريفية مع عودة المواطنين العاطلين من العمل إلى قراهم. وقالت المديرة الإقليمية للبرنامج لمنطقة جنوب أفريقيا لولا كاسترو، إن "الكثير من الأسر في زيمبابوي تعاني من الآثار المدمرة للجوع الحاد، وستصبح محنتهم أسوأ قبل أن يتحسن الوضع". وأضافت "نحتاج من المجتمع الدولي أن يزيد جهوده الآن ليساعدنا على منع كارثة إنسانية محتملة". مع العلم أن التضخم في البلاد ارتفع بما يزيد عن 700 في المائة، وهو ثاني أعلى معدل تضخم في العالم، بعد فنزويلا. 

(العربي الجديد، أسوشييتد برس، فرانس برس)