احتجاجات العراق: حرب على متظاهري الجنوب

29 نوفمبر 2019
الصورة
أحرق محتجون القنصلية الإيرانية في النجف (فرانس برس)
+ الخط -


دلّت التطورات في العراق، أمس الخميس، لا سيما في جنوب البلاد، على أن السلطة أعلنت الحرب على المتظاهرين هناك، خصوصاً بعد إشعال محتجين النار في القنصلية الإيرانية في مدينة النجف، مساء الأربعاء، لتواجه السلطة المحتجين بالنيران، ما أدى إلى سقوط أكثر من 30 قتيلاً، أمس، أغلبهم في محافظة ذي قار، بالتزامن مع قرار الحكومة تشكيل خلايا أزمة أمنية في المحافظات وتسمية قيادات عسكرية على رأسها، وهو ما اعتُبر سبباً رئيسياً وراء تصعيد القمع. ترافق ذلك مع دفع بغداد عدة ألوية عسكرية ووحدات إضافية من الشرطة الاتحادية إلى مدن جنوبية عدة، أبرزها النجف، التي شهدت أيضاً تحشيداً لمليشيات عدة تحت مزاعم تأمين المدينة القديمة التي تضم مرقد الإمام علي بن أبي طالب ومنازل مراجع دينية، أبرزها علي السيستاني، وذلك بعد إحراق مقر القنصلية الإيرانية، وسط معلومات تشير إلى أن طهران أبلغت الحكومة العراقية بضرورة الكشف عن مقتحمي قنصليتها في النجف وتعتبر في الوقت نفسه أنهم مرتبطون أو مدفوعون من الولايات المتحدة وإسرائيل وتروج لذلك داخل إيران أيضاً، وهو ما يفسر بطبيعة الحال حملة الاعتقالات في النجف بصفوف المتظاهرين والناشطين فيها التي طاولت مراهقين أيضاً بأعمار 16 و17 عاماً في النجف من قبل قوات أمنية خاصة.
مقابل ذلك، برز تطور لافت بدخول العشائر في الجنوب على خط التظاهرات رداً على القمع الدموي وسقوط عدد كبير من الضحايا بنيران قوات الأمن، وسط توقعات بأن يؤدي ذلك إلى تصاعد الحراك الشعبي.

وتصدّرت ذي قار والنجف والمثنى والبصرة مدن الجنوب العراقي في يوم من الأيام الأكثر دموية منذ انطلاق التظاهرات في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إذ شهد سقوط ما يزيد عن 30 قتيلاً وإصابة المئات. وقالت مصادر طبية عراقية لـ"العربي الجديد"، إن عدد ضحايا احتجاجات ذي قار وصل إلى 25 قتيلاً وأكثر من 230 وجريحاً، مشيرة إلى أن مستشفيات مدينة الناصرية (مركز ذي قار)، غير قادرة على معالجة الأعداد الكبيرة من الضحايا، مرجحة حدوث وفيات جديدة بسبب الأوضاع الحرجة لبعض المصابين بطلقات نارية في الرأس والصدر. كما سقط قتيلان في النجف وواحد في البصرة ومثله في المثنى، بينما سُجل في بغداد مقتل 4 متظاهرين خلال ساعات نهار أمس، بينهم من قضى بنيران قناصة، وفقاً لمصادر طبية عراقية.

وقال ناشطون لـ"العربي الجديد"، إن ساحة الحبوبي في الناصرية غصت، مساء أمس، بآلاف المتظاهرين الغاضبين بسبب المجزرة التي ارتكبتها قوات الأمن التي أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين العزل، مؤكدين انضمام عشائر وذوي القتلى إلى التظاهرات، وهو ما زاد من حدتها. ويصر المحتجون في ذي قار على ضرورة إجراء محاكمة فورية للقصاص من قتلة المتظاهرين كشرط لا بد من تطبيقه قبل العودة إلى منازلهم. وردد المتظاهرون هتافات مناهضة للحكم العسكري الذي يسير عليه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لقمع التظاهرات، مطالبين المرجعية الدينية في النجف بموقف واضح من قتل المتظاهرين.

وأكد شهود عيان وأبناء قبائل في ذي قار أن المئات من أبناء عشيرتي البدور وآل غزي التحقوا بالتظاهرات رداً على مجزرة الناصرية بحق المتظاهرين. وقال عبد عباس الغزي، أحد أعيان عشيرة آل غزي، لـ"العربي الجديد"، إن القرار جاء رداً على قتل الأمن عدداً من أبناء العشيرة، مضيفاً أنهم سيحاكمون عشائرياً من أمر بقتل المتظاهرين أياً كان حتى لو كان رئيس الوزراء أو وزير الدفاع أو الداخلية. بينما حشدت عشائر أخرى حليفة لهم في محافظة المثنى المجاورة.

وقرر عبد المهدي تنحية رئيس خلية الأزمة في ذي قار الفريق جميل الشمري، بحسب التلفزيون الرسمي العراقي. وكان محافظ ذي قار عادل الدخيلي قد هدد، في وقت سابق أمس، بترك منصبه إذا لم يتم إبعاد الشمري عن محافظة ذي قار، كما طالب زعماء قبائل ومحتجون بإبعاده ومحاكمته لتسببه بمجزرة قتل فيها العشرات وجرح المئات خلال احتجاجات الناصرية أمس.

ونأى قائد شرطة ذي قار، محمد القريشي، بنفسه عن التورط بقتل المتظاهرين، وقال في بيان، إن "ما حدث هو احتكاك بين القوات الأمنية الآتية من خارج المحافظة والمتظاهرين، علماً أننا لم نصدر أي توجيهات بإطلاق النار ولم نأمر بالصدام مع المتظاهرين من أهلنا في ذي قار".
وعلى خلفية أحداث ذي قار، دعا زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الحكومة العراقية إلى الاستقالة حقناً للدماء، مؤكداً في بيان، أن "عدم استقالتها تعني بداية النهاية للعراق الذي قد يتحول إلى سورية ثانية". وقال الصدر إنه "ينأى بنفسه عن الفتنة العمياء بين الحكومة الفاسدة ومتظاهرين لم يلتزموا السلمية بعد يأسهم"، موضحاً أن مهلة العام التي سبق أن منحها لعبد المهدي لم تنفع ولن تنفع.

ويُعتبر دخول العشائر في الجنوب على خط التظاهرات رداً على القمع حدثاً مفصلياً. وقال نائب في البرلمان، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد": "إن دخول العشائر إلى التظاهرات قد يقود إلى حالة عصيان مدني وتمرد عام"، مضيفاً "على الحكومة أن تتدارك الأمر وتطلب من المليشيات وزعمائها تحديداً التوقف عن التصعيد، فأي صدام مع العشائر سيكون كارثياً"، معتبراً أن "تكرار المليشيات ورئيس الحكومة عبارة حرب أهلية يقصدون بها تخويف المرجعية والضغط عليها لاختيار الحل المر حتى لا ينزلق الجميع في أزمة أكبر". وأكد أن "الحكومة قد تعلن خلال ساعات وبهدف تخفيف نقمة الجنوبيين والمراجع الدينية في النجف عليها، تقديم قادة عسكريين للقضاء بتهم قتل المتظاهرين".
 

سبق ذلك تكليف عدد من القادة العسكريين لترؤس خلايا أزمة في المحافظات الجنوبية، لإدارة الشؤون الأمنية فيها، وكانت أوائل قراراتهم واضحة من خلال تصعيد القمع والاعتقالات ضد المتظاهرين. كما دفعت السلطات عدة ألوية عسكرية ووحدات إضافية من الشرطة الاتحادية إلى مدن جنوبية عدة، أبرزها النجف، التي شهدت أيضاً تحشيداً لمليشيات عدة تحت مزاعم تأمين المدينة القديمة التي تضم مرقد الإمام علي بن أبي طالب ومنازل مراجع دينية، أبرزها علي السيستاني.

كما أفيد بأن زعماء عدد من المليشيات المرتبطة بإيران توجّهوا إلى النجف تحت مزاعم حماية المدينة القديمة، وهو تطور خطير، بحسب مراقبين، قالوا إنه يدل على ضعف عبد المهدي الذي لطالما أكد أن "الحشد الشعبي" جزء من القوات الأمنية وتحركّه يكون ضمن إطار الحكومة العراقية. وأصدر كل من زعيم مليشيا "العصائب" قيس الخزعلي، وزعيم مليشيا "سيد الشهداء" أبو آلاء الولائي، ونائب زعيم مليشيات "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، بيانات متتالية تحذر مما وصفوه المساس بالمرجع السيستاني والمقدسات، فيما حذرت كتائب "حزب الله" العراقية من حرب أهلية. وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام عراقية محلية عربات مصفحة وسيارات رباعية الدفع تحمل أعلاماً ورايات تابعة للمليشيات وهي تدخل النجف.

وهاجم السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي، التظاهرات العراقية، متهماً من وصفهم بـ"المندسين وعملاء الخارج" بإحراق القنصلية الإيرانية في النجف بهدف تخريب أواصر العلاقة بين بلاده والعراق. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسجدي قوله "لقد شهدنا مثل هذه الأعمال في إيران، حيث أقدم الأشرار والمخربون على أعمال شبيهة بالتي شهدتها مدينة النجف".

على الرغم من ذلك، قال المتحدث باسم الحكومة العراقية ويليام وردة، لـ"العربي الجديد"، إنه "ليس هناك أي توجيه باستخدام الحل الأمني والعسكري مع التظاهرات، كما أنه لا توجد أي نيّة لفض الاحتجاجات والتظاهرات عبر الحل العسكري، والهدف من تكليف بعض القادة العسكريين في المحافظات هو حماية المنشأة الحيوية وسير الحياة بشكل طبيعي، وحماية النظام، فهذا واجب الحكومة، وهذا لا يعني على حساب المتظاهرين السلميين". وأضاف أن "الهدف من ذلك السيطرة على من يقوم بأعمال الشغب والحرق والفوضى، الذين يحرفون التظاهرات لمصالح خاصة، ويسيئون إلى التظاهرات". وختم قوله إن "حرق القنصلية الإيرانية في النجف سوف يغيّر من الخطط والإجراءات الأمنية لحماية المنشآت الحيوية والبعثات الدبلوماسية، فهذه المرافق الدبلوماسية وفق المعايير الدولية تحت حماية الدولة، وأي اعتداء عليها يخل بالعلاقات بين الدولتين".

في ظل هذه الأجواء، تُرتقب اليوم، الجمعة، خطبة المرجع علي السيستاني، فضلاً عن تظاهرات واسعة جرى التحشيد لها منذ مساء أمس. وأكدت مصادر مقربة من مرجعية النجف، لـ"العربي الجديد"، أنه "على ضوء التطورات التي شهدتها الساحة العراقية من تصاعد في الاحتجاج، وكذلك تصاعد عمليات القتل والقمع بحق المتظاهرين، سيكون لها موقف جديد مما يجري، وخطبتها سوف تكون واضحة أكثر من الخطبة السابقة". وأوضحت المصادر أنه "لا يمكن للمرجعية سحب دعمها وتأييدها للتظاهرات، لكن خطبة الجمعة سوف تتضمن توجيهات للمتظاهرين، للتأكيد على السلمية، كما أن الخطبة سوف تشهد تصعيداً ضد القوى السياسية الممسكة بزمام السلطة".

في المقابل، قالت النائبة عن تحالف "الفتح" (الداعم لحكومة عادل عبد المهدي)، سناء الموسوي، لـ"العربي الجديد"، إن "ما يحصل في مدن الجنوب ليست تظاهرات إصلاحية أو تطالب بحقوق، بل تدل على أن هناك شعبا متمردا، كما حصل في المناطق الغربية، وبعدها احتل تنظيم داعش الأراضي العراقية". وتابعت "اليوم أيضاً في الجنوب هناك تمرد، وهذا غير صحيح، والولايات المتحدة موجودة وهي تفعل أي شيء، والشعب ليس منتبها لكل ما يجري من مخططات أميركية".

أما رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، لـ"العربي الجديد"، فقال إن "تعيين قادة عسكريين في المحافظات الجنوبية يؤشر إلى أن المقاربة الأمنية التي وُضعت لتطويق الاحتجاجات، غير ناجحة، مع سقوط المزيد من الضحايا، بالإضافة إلى سيطرة المنتفضين على مفاصل مهمة في تلك المحافظات". وأضاف أن "تعيين قادة عسكريين، فُهم بأنه محاولة لاتخاذ إجراءات عسكرية جديدة، تؤدي للمزيد من الاحتكاك بين قوات الأمن والمتظاهرين".

المساهمون