اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي: أسباب غضب إيران من "الخدعة"

10 سبتمبر 2020
الصورة
يحمل التطبيع تحديات جيوبوليتيكية جمة لإيران (فاطمة بهرامي/ الأناضول)
+ الخط -

فتحت الإمارات خلال العام الأخير صفحة جديدة في العلاقات مع إيران، وأرسلت وفوداً سرية وعلانية إلى طهران، في مقدمتها مستشارها للأمن القومي طحنون بن زايد، بحسب مصادر غربية، ووقعت معها اتفاقية تعاون حدودي بحري، مع استمرار الحوار بين الطرفين.
وتحدث الجانب الإيراني، خلال الفترة الأخيرة، على لسان كبار المسؤولين، عن تطورات إيجابية في العلاقات مع الإمارات، إلى أن أزاحت أبوظبي، الشهر الماضي، الستار عن اتفاقية التحالف مع إسرائيل. وقد فاجأت هذه الخطوة الحكومة الإيرانية، ليس لجهة وجود تواصل وعلاقات بين إسرائيل والإمارات، حيث كان يعلم بها القاصي والداني، بل لذهاب الأخيرة إلى هذا الحد، والإعلان الرسمي عن تطبيع العلاقات. وأثار هذا الأمر، على ما يبدو، قناعة لدى الإيرانيين بأن التوجه الإماراتي لتحسين العلاقات معهم خلال الفترة الماضية كان "خدعة"، وخطوة مقصودة لضبط الغضب وردة الفعل الإيرانيين يوم يعلن رسمياً عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

حذر روحاني الإمارات من إيجاد موطئ قدم لإسرائيل في المنطقة

إلا أن التصريحات والتهديدات الإيرانية شديدة اللهجة، تؤكد أن تلك الخدعة المكشوفة لم تحقق المطلوب، لتتوالى سريعاً التعليقات الإيرانية الغاضبة، من رأس هرم السلطة في البلاد، المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، إلى رئيس الجمهورية حسن روحاني، وأعلى قائد عسكري، قائد أركان القوات المسلحة اللواء محمد باقري. وركزت هذه التعليقات على استخدام مفردات قاسية في شكلها ومضمونها، باتهام أبوظبي بارتكاب "حماقة استراتيجية"، و"خطأ استراتيجي" و"خيانة كبرى".
لم تكتف طهران بهذه التوصيفات، وأطلقت تهديدات صريحة ضد الإمارات، حيث حذرها روحاني من إيجاد موطئ قدم لإسرائيل في المنطقة، مؤكداً أنه "حينئذ، سيتم التصرف مع الإمارات بشكل آخر". كذلك شدّد باقري على أن القوات الإيرانية "ستنظر من الآن إلى الإمارات وفق حسابات أخرى"، محملاً إياها مسؤولية "أي حادث في الخليج يستهدف الأمن القومي الإيراني، ولو كان صغيراً". إلى ذلك، أكدت صحيفة "كيهان"، المقربة من دوائر صنع القرار في إيران، والتي يختار المرشد مديرها، في عنوان على صفحتها الرئيسية، في 15 أغسطس/ آب الماضي، أن "الإمارات تحولت إلى هدف مشروع لقوى المقاومة". آخر التهديدات الإيرانية، حتى اللحظة، هو ما صدر على لسان مساعد رئيس البرلمان الإيراني حسين أمير عبداللهيان، الإثنين الماضي، مؤكداً أن إيران لن تتأخر في استهداف الإمارات في حال تعرضت لأي "حادث، ظاهري أو باطني، تقوم به المخابرات الإسرائيلية أو عملائها".

واللافت في الردود الإيرانية، خلال الأيام الأخيرة، هو رفع سقف التهديدات ضد أبوظبي، بعبارات صريحة، والتأكيد أن الإمارات أصبحت ضمن بنك أهدافها بعد توقيعها على اتفاقية التطبيع، الأمر الذي يثير تساؤلات عن دوافع طهران، وفي الوقت نفسه، عن أهدافها وخياراتها في مواجهة دخول أبوظبي في تحالف واضح مع "العدو الإسرائيلي"، ما ينذر بتحول جيوسياسي، على حدود إيران الجنوبية في الخليج، وخصوصاً أنه يتوقع أن تحذو بلدان خليجية إضافية حذو الخطوة الإماراتية.

التحالف الإماراتي الإسرائيلي يشكل تهديداً للعلاقات التجارية بين طهران وأبوظبي

في البحث عن الدوافع والأسباب الإيرانية، نرى أن طهران، بشكل عام، منذ عام 1979 بعد انتصار الثورة الإسلامية، لديها موقف رافض ثابت ضد أي اتفاقية سلام مع إسرائيل، وقطعت على هذا الأساس علاقاتها مع مصر عقب اتفاقية كامب ديفيد، ولاحقاً مع الأردن بسبب وادي عربة. وعليه، لا غرابة في أن تعلن إيران رفضها الشديد للتطبيع الإماراتي الإسرائيلي. إلا أن ذلك ليس السبب الوحيد وراء موقفها من التطبيع، بل له أسباب أخرى، ليست أقل أهمية من السبب العام المذكور. فهذا التطبيع على حد اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، يمثل تحالفاً بين الإمارات وإسرائيل ضد إيران، فضلاً عن أنه يأتي في صلب استراتيجية الضغوط الأميركية القصوى ضدها. ومن هنا، يحمل هذا التطبيع في طياته مخاطر وتحديات جيوبوليتيكية جمة لإيران، رغم أن الأمر قد يشكل فرصة آنية لها للوهلة الأولى، لاستغلال الموقف لدى الرأي العام العربي والإسلامي لتدعيم موقفها وسياساتها إعلامياً في المنطقة، والتي تربطها بمسألة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وتتهم الأطراف الأخرى المختلفة معها بالتحالف مع إسرائيل ضد القضية الفلسطينية. 
أما تلك المخاطر فهي موزعة على جميع المستويات، الأمنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. فعلى المستوى الأمني، ترى إيران أن التحالف الإماراتي الإسرائيلي أدخل الأخيرة إلى محيطها الأمني الجيوسياسي على حدودها الجنوبية الحساسة في الخليج، ما يعني نقل إسرائيل المواجهة معها إلى هذا المحيط، بعدما حاولت إيران خلال العقود الماضية نقلها إلى الحدود الإسرائيلية في لبنان وشمال سورية. وعلى هذا المستوى أيضاً، يرى الجانب الإيراني أن إيجاد إسرائيل موطئ قدم لها في الخليج، وترسيخه عبر إيجاد علاقات تحالفية، ليس فقط مع الإمارات، بل مع دول أخرى، مثل السعودية والبحرين، كما يتوقع، سيضع هذه المنطقة أمام أزمات أمنية وسياسية مستمرة على حسابها، لكون الأمر من شأنه أن يطيح أي فرصة قد تتوفر لاحقاً لتحسين علاقاتها المتأزمة مع دول خليجية، في مقدمتها السعودية. وبالتالي، إيران قلقة اليوم من أن تخطو هذه الدول الخطوة التي أقدمت عليها الإمارات، وتقوم بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل أيضاً. ومن أسباب القلق أيضاً حصول هذه الدول على أسلحة متقدمة من الولايات المتحدة، لأجل مكافأة التطبيع من جهة، ولتعزيز التحالف المخطط له ضد إيران من جهة ثانية.
علاوة على ذلك، ومن الناحية الأمنية أيضاً، لدى إيران مخاوف من أن تطبيع إسرائيل علاقاتها مع دول خليجية، يمنحها قدرات وإمكانات أكثر للانطلاق من هذه الأراضي لاستهداف أمنها في الداخل، من خلال نقل معدات عسكرية متطورة إليها، أولاً لتكثيف عمليات التجسس ضدها في الداخل، أو في البحر ضد القوات الإيرانية، وثانياً لاستهداف أمنها. وكانت إيران قد شهدت، خلال الأشهر الماضية، حوادث أمنية غامضة في منشآت عسكرية ونووية حساسة، مثل الانفجار الذي وقع في 2 يوليو/ تموز الماضي، في منشأة نطنز النووية، وهي الأهم في البلاد في تخصيب اليورانيوم، وأعلنت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية أنه كان نتيجة "عملية تخريبية". كما سبق أن نفذت إسرائيل، بحسب طهران، أعمالاً "تخريبية" أخرى في الداخل الإيراني، مثل اغتيال علماء نوويين.
كما أنه وعلى ضوء العقوبات الأميركية الشاملة ضد طهران، والتي حاصرت تجارتها الخارجية بشكل كبير، وقلصتها، فإن التحالف الإماراتي الإسرائيلي يشكّل تهديداً للعلاقات التجارية بين طهران وأبوظبي، حيث تشكل الإمارات أحد أهم شركاء إيران التجاريين، وضمن شركائها الخمسة الأوائل، ويصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى نحو 8 مليارات دولار، بعد أن كان قبل العقوبات نحو 15 مليار دولار. وعلى الرغم من تراجع هذه العلاقات بعد فرض هذه العقوبات، إلا أن الإمارات لا تزال تمثل منفذاً اقتصادياً مهماً لإيران، خصوصاً لجهة التهرب من هذه العقوبات.
أما في مواجهة هذه التحديات الكبيرة، فبعد ما أصبح التطبيع الإسرائيلي الإماراتي أمراً واقعاً، يبدو أن إيران، من خلال رفع سقف تهديداتها، تهدف إلى تقليل تلك المخاطر ودفع أبوظبي إلى إعادة النظر في حساباتها، بحيث لا تسمح لإسرائيل باستغلال هذه العلاقات للعمل ضدها، واستهداف أمنها، فضلاً عن صرف دول أخرى عن اتخاذ الخطوة ذاتها. وهنا يذكر مراقبون إيرانيون بالتجربة التي مارستها مع أذربيجان وجورجيا، الجارتين الشماليتين لإيران، بعدما استخدمت إسرائيل أراضيهما للقيام بأعمال داخل البلاد والتجسس ضدها خلال السنوات الماضية. وقالت مصادر إيرانية إن طهران وجهت تحذيرات شديدة اللهجة إلى هاتين الدولتين، ما دفعها إلى الضغط على إسرائيل لعدم استخدام أراضيها ضد طهران. وفي السياق، تقول إيران إنها وجهت إنذارات بشكل رسمي وعبر قنوات مختلفة إلى الإمارات. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية سعيد خطيب زادة، الإثنين الماضي، أن بلاده أبلغت أبوظبي "بصراحة وشفافية وعبر جميع القنوات الممكنة بأنها لن تمازح أحداً في أمنها الوطني ولن تساوم عليه".
إلى ذلك، يتوقع أن تلجأ إيران إلى خيارات أخرى أيضاً، مثل تكثيف الدعم لجبهات القتال مع إسرائيل، ودعم أذرعها في المنطقة، خصوصاً في اليمن، للضغط على الجانبين الإسرائيلي والإماراتي. وأكد مساعد رئيس البرلمان الإيراني حسين أمير عبداللهيان، الإثنين، في سياق حديثه عن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، على توجه بلاده لزيادة الدعم لحلفائها في المنطقة رداً على ذلك. وقال إنه "كلما زادوا من شدة الحظر علينا سنقوم بزيادة دعم المقاومة في المنطقة".
لكن في الوقت الراهن، يتوقع أن تكتفي طهران بالتحذيرات والتهديدات التي وجهتها للإمارات، سواء في الإعلام أو عبر القنوات الرسمية، بانتظار ما سيحدث لاحقاً ويترتب على التطبيع. لكن من الوارد أنه في حال وقوع "حوادث أمنية غامضة" في إيران خلال المرحلة المقبلة، فإن طهران قد تستخدم أوراقاً ضد الإمارات، سواء من اليمن، من خلال تكرار التجربة التي حصلت مع السعودية عبر استهداف منشآتها من قبل الحوثيين بشكل متكرر خلال السنوات الأخيرة أو بطرق أخرى. وهنا، يشير محللون مقربون من دوائر صنع القرار في إيران إلى موطن الضعف الأساسي لدى الإمارات، وهو اقتصادها، مؤكدين أن طهران بمقدورها أن تعيد عجلة الاقتصاد الإماراتي إلى ما كان عليه قبل عقود.

المساهمون