إيران... جدل الوثائق النووية الإيرانية المسرّبة يشوّش على الاتفاق

31 يوليو 2016
الصورة
يلمّح ظريف لقوة إيران النووية بعد 15 عاماً(محمد كمان/الأناضول)
+ الخط -
مضت فترة على نشر وكالة "أسوشييتد برس" الأميركية وثيقة مسرّبة تتعلق بالاتفاق النووي الإيراني والتي جاء فيها أن القيود الرئيسية المفروضة على برنامج طهران النووي ستُخفَّف بعد عقد من الزمن تقريباً، إذ يمكن للبلاد في حينه استبدال 5060 جهاز طرد مركزي قديم الطراز بـ3500 جهاز آخر من الجيل الجديد، وهو ما يعني ارتفاع وتيرة سرعة تخصيب اليورانيوم بشكل هائل.

أمر قد يبدو إيجابياً بالنسبة لطهران بالدرجة الأولى، فمن الممكن تصنيفه على أنه "امتياز"، استطاع المفاوضون في الملف النووي نيله بعد جولات حوار صعبة مع مفاوضي السداسية الدولية، توّجت باتفاق نووي في يوليو/تموز العام الماضي. وتشرف على هذا الاتفاق بشكل رئيسي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي اتفقت مع طهران على خارطة عمل مشتركة بعد الإعلان عن الاتفاق، والتي لم يتم الكشف عن الكثير من تفاصيلها.

لم ينف المسؤولون الإيرانيون بشكل قاطع صحة ما جاء في هذه الوثيقة، فجاء التعليق الأول على لسان وزير الخارجية الإيراني، رئيس الوفد المفاوض محمد جواد ظريف، والذي قال إن "وسائل الإعلام لم تحصل على النص الكامل للاتفاق، وهو ما يعني عدم إدراكها لما حصلت عليه طهران بالمقابل. ومع هذا بدأ الكل يتحدث عن أن البلاد ستتجه نحو التخصيب الصناعي بسرعة هائلة بعد عقد من الزمن". وأضاف أنه "بعد انتشار النص كاملاً سيعلم الكل أين ستكون إيران النووية بعد 15 عاماً".

وما جاء على لسان المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي يصب في السياق ذاته، لكنه انتقد تبادل وسائل الإعلام لوثيقة كان من المفترض أن تبقى سرية، موجهاً أصابع الاتهام صراحة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما فتح النار عليها، سواء من قبل كمالوندي أو مسؤولين آخرين في الداخل والمتخوفين أصلاً من نشر معلومات أكثر أهمية تتعلق بالمنشآت النووية. وفي حوار مفصّل مع التلفزيون المحلي الإيراني تم بثه، أخيراً، أعرب كمالوندي عن أن بلاده ستقدم شكوى رسمية ضد الوكالة الدولية احتجاجاً على تسريب هذه المعلومات، معتبراً أن تسريب الوثيقة يأتي لحشد ضغط دولي جديد من خلال ترويج أن طهران استطاعت الحفاظ على قدرتها النووية بل وستستزيدها بعد فترة.

ورأى هذا المسؤول أن الاعتراض يأتي للتأكيد على ضرورة أن تحتفظ الوكالة بالمعلومات والوثائق التي تمتلكها، لا تلك التي تخص إيران فحسب، بل التي تعود لكل الدول التي تمتلك نشاطاً نووياً. واعتبر أنها خطوة احترازية في حال قررت طهران التوقيع على البروتوكول الإضافي من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والذي يسمح بتفتيش مباغت وفوري للمنشآت النووية وبعض المواقع العسكرية لأسباب مبررة، وهو ما يعني حصول الوكالة مستقبلاً على معلومات أهم وأكثر.






كل ذلك أثار حفيظة المنتقدين للاتفاق من الأساس في الداخل وهم المحسوبون على المتشددين في التيار المحافظ، بالإضافة لبعض الشخصيات الأخرى التي رأت في تسريب الوثيقة خطوة جديدة تعني انتهاك الاتفاق، ولا سيما أن كثيرين في إيران يتحدثون عن مماطلة الولايات المتحدة بتطبيق ما عليها من التزامات. ويضاف إلى ذلك، عدم إلغاء العقوبات المفروضة على نظام إيران المالي بشكل كامل حتى الآن، على الرغم من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ العملي مطلع العام الحالي. وطالب مستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي بقية أطراف السداسية الدولية بالتنبه للمماطلة والخداع الأميركي، بحسب وصفه، ونقلت عنه وكالة "فارس" الإيرانية قوله، الاثنين الماضي، إن بلاده قادرة على اتخاذ رد فعل على هذه الأمور.

من جهته، خرج رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني بتصريحات أكثر حدة، فطالب هيئة الطاقة الذرية الإيرانية بالعمل على خطة لتجهيز موقع نووي لاستئناف تخصيب اليورانيوم لتأمين احتياجات البلاد. والجدير بالذكر أن البرلمان الإيراني أصدر قراراً يسمح، فعلاً، بالعودة للمربع الأول وإيقاف العمل بالاتفاق إذا ما تم إثبات نقض الأطراف الأخرى تعهداتها.

وأوضح رئيس هيئة الطاقة الذرية علي أكبر صالحي المعنى الذي تحمله تصريحات لاريجاني في وقت لاحق، قائلاً إنه لا يقصد تشييد مفاعل جديدة لكنه يعني تجهيز الخطوات الاحترازية بشكل عملي لاستئناف نشاط البلاد النووي. وأكد نية بلاده اتخاذ إجراءات جدية ومشددة في حال استمر نقض الاتفاق.

أما لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية التابعة للبرلمان والتي تتابع مع أعضاء الوفد المفاوض عملية تطبيق الاتفاق لتقدم تقريرها للجنة المشرفة عليه، فستبحث في القريب العاجل موضوع تسريب الوثيقة، وهو الذي سيشكل قوة ضغط جديدة على الحكومة الإيرانية في الداخل، على الرغم من أن فحواها يصب لصالح برنامجها النووي. لكن البرلمان طالب في السابق بالحصول على نسخ من الوثائق غير المنشورة إلّا أنه لم يحظ بالموافقة، وهو ما أثار امتعاض البعض. ونقلت وكالة "فارس" عن النائب محمد حسن آصفري قوله إن المسؤولين في البلاد يتعاملون مع الملف النووي بإيجابية عالية، وهو ما زاد من مطالبات الغرب الذي اعتبر أنه نقض تعهداته، إلا أنه أكد على أن العودة للمربع الأول وإيقاف العمل بالاتفاق ليس بالأمر السهل حيث يحتاج ذلك لطي مراحل قانونية عديدة.

من جهته، يقول عضو لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في البرلمان الإيراني محمد جواد جمالي إن التعاون مع الوكالة يعني الموافقة على مواثيقها، والتي تحتوي بنداً واضحاً يؤكد ضرورة حفظ سرية المعلومات، متّهماً إياها بشكل مباشر بتسريب المعلومات للولايات المتحدة، التي يجب أن توافق بدورها على الشخصية التي تقود الوكالة، والتي تحتوي بدورها على أعضاء مرتبطين بأجهزة استخباراتية وأمنية غربية، على حد قوله.

ويضيف جمالي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنها ليست المرة الأولى التي تسرب فيها الوكالة معلومات مرتبطة بإيران، قائلاً إنها "على صلة مباشرة بعمليات اغتيال علماء نوويين إيرانيين في سنوات سابقة، والبرلمان يطالب الحكومة الإيرانية باتخاذ خطوات صحيحة واحترازية لمنع تهديد الأمن القومي الإيراني". ويرى أن تسريب هذه المعلومات يعني ضغطاً أكبر على إيران مستقبلاً، سواء كانت صحيحة أم خاطئة.

كلام جمالي يؤكده المحلل السياسي حسن هاني زاده لـ"العربي الجديد" قائلاً إن أميركا ستبدأ بشن حرب نفسية جديدة للترويج بأن طهران ستسرع من نشاطها النووي مجدداً لاستخدامه في أغراض عسكرية، متوقعاً دراسة الكونغرس لقرار عقوبات جديدة لفرضها على إيران مجدداً. ويفسر هاني زاده الموضوع مشيراً إلى أن "الوثيقة ترتبط باتفاق إيران النووي مع دول 1+5 لكنها جزء من الاتفاقية السرية التي تم التوقيع عليها بين إيران والوكالة سابقاً، والتي سميت بخارطة الطريق، ومن هذا الباب تعد جزءا من اتفاق ثنائي لا يشمل كل الأطراف. ويلفت إلى أن اللجنة المشرفة على تطبيق الاتفاق تعمل، حالياً، للحض على توجيه رسالة للأمين العام للوكالة، يوكيا أمانو، لمطالبته بتوضيح واتخاذ موقف حول الأمر، في خطوة مدروسة لمنع وقوع أمر مشابه مستقبلاً.

المساهمون