إلى إسماعيل الإسكندراني في محبسه

13 يناير 2016
الصورة

بوستر تضامني مع اسماعيل الإسكندراني (إنترنت)

+ الخط -

خلاص، الأمور كلها أصبحت على المكشوف، يا إسماعيل، صحيح أن بعضهم ما زال يخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها، لكن الأغلب الأعم من الناس بات يعلم الحكاية، وما فيها من قبح وخسّة ودناءة، يعني، الكل، مثلاً، يعلم أنك لن تخرج من محبسك، لأن وكيل نيابة شجاعاً سيقول، في ختام تحقيقه معك، أنه اكتشف أنك لم ترتكب ما يخالف القانون أبداً، لأن "الصحافة ليست جريمة"، وأنه قرّر، عقب أمره بإخلاء سبيلك، أن يحقق مع مسؤولي الأجهزة الأمنية الذين أمروا بسجنك، وحرموك من رؤية والدتك المريضة، وأن يتهمهم بالبلاغ الكاذب، والإضرار بسمعتك، والتقصير الجنائي في أداء عملهم، موصياً كل مصري بقراءة كل مقالاتك وتحقيقاتك، لأنها تشكل مدخلاً مهماً لفهم الواقع المعقد في سيناء. يعني، لا أحد يحلم حتى بأن يحدث هذا الآن، مهما بلغت رومانسيته، أو حماقته، كنت قطعا ستجد من يوقن به قبل سنوات، أيام كان بعضهم يضحي بحريته وأمانه ورزق عياله، لكي يهتف في مظاهرة بعزم ما فيه: "إن في مصر قضاة لا يخافون إلا الله". كان زمان وجبر يا صديقي، لكنني متأكد أنك ستشاركني الرأي، أن في ذلك، على قسوته وألمه، خيراً كثيراً، لأنه سيساعد على تجذير الصراع، وتدمير ما تبقى من الوعي الزائف، الذي تولد لدينا عبر السنين، بفعل قراءة حسنة الظن للواقع، كان أخطر ما فيها ظنها أن الناس جميعاً في لحظات الأزمات، يحرّكهم الضمير والقيم والمبادئ، لا المصالح والمكاسب والامتيازات، وأحسب، ولعلك تشاركني الرأي، أن الأجيال التي بدأت العمل السياسي بعد الثورة ستجد نفسها مجبرة على الانطلاق من نقطة بدايةٍ ترى استحالة أي أمل في دولة اللواءات المبنية على الشعارات الوطنية والتمام يا فندم، وترى، أيضاً، استحالة أي أمل في تنظيمات الشعارات الإسلامية المبنية على السمع والطاعة والبيعة والعمل السري، وإذا كان بعضعم لا يزال، بحسن نيةٍ، يرى أنه من الممكن أن يعود بنا الواقع إلى حدود 25 يناير، فسيثبت له الواقع المرير أن الأحلام يصعب أن تعاد ثانية بحذافيرها، على عكس الكوابيس.   

للأسف، كثيرون يعلمون، يا إسماعيل، أنك لن تخرج من محبسك، إلا لأسبابٍ لا علاقة لأيها بالعدالة أو بالقانون أو بشموخ القضاء وحريته، على رأسها أن تصل الضغوط الدولية التي تمارسها المنظمات المهتمة بحرية الرأي والتعبير إلى درجةٍ تزعج نظام السيسي، فيقرّر الإفراج عنك، وعن بعض زملائك، من أجل تخفيف الصداع الذي يتعرّض له، أو ربما لنيل مكاسب اقتصادية وسياسية، مقابل الإفراج عنك، وبعض الصحافيين وسجناء الرأي. لكن، حتى ذلك لن يحدث إلا بعد أن تطمئنه أجهزته الأمنية بأن الإفراج عنك لن يشكل خطورة أمنية، لأنك ستبقى في مصر تحت قبضة الأمن ورقابته، ولن يكون بمقدورك أن تجد من ينشر لك كتابتك الجريئة المتجاوزة للخطوط الحمراء، لأن ذلك سيعيدك، ثانيةً، إلى سجنٍ قد يطول، ببركات القضاء الشامخ، وبعون من برلمان الأجهزة السيادية التي يكنّ ضباطها لك، ولكثير من رفاقك، كل العداء والبغض، وبمساعدة كومبارسات المواطنين "الشرفاء" الغيورين على أمن الوطن الذي تهدّده الحقائق التي تكتبها، عن سيناء وغيرها من بقاع الوطن التي يحجبون عنها التغطية الإعلامية، ليعيثوا فيها قتلاً وفساداً كما يحلو لهم.

للأسف، يا صديقي، حتى الذين يكتبون عنك بانتظامٍ ـ حريصون على ألا يطويك النسيان، كما

طوى آلاف المعتقلين المعلومين والمجهولين ـ يعلمون، علم اليقين، أن الصحافة التي كنت تمارسها هي في الحقيقة "جريمة شنيعة" في نظر عبد الفتاح السيسي وجنرالاته، لأنها صحافة حرة مستقلة، ولاؤها للعقل والضمير، لا تعترف بالخطوط الحمراء التي يضعها القاتل حول مسرح الجريمة، لينفرد بعرضه الهزلي، من دون رقيب ولا حسيب، لكن محبيك وأصدقاءك، مع ذلك، ينشرون دائماً صورتك ملحقة بعبارة (الصحافة ليست جريمة)، لأن هذا ما ينبغي أن يقال، ولأن هذا ربما جعل أحداً ما يهتم بالبحث عن كتابتك على شبكة الإنترنت، فيدرك كم كنت مشغولاً إلى أبعد حد بأن تتيح لسائر المصريين رواية الضحايا عما جرى، بعد أن فُرضت عليهم رواية الجاني وحده، لا شريك له، ولعله بعدها يفكر ألف مرة، قبل أن يصدّق، أن كل من يقتلون على أيدي أجهزة الأمن خارج إطار القانون، هم إرهابيون أشرار، ولعله، وهو يترحّم على شهداء الجيش والشرطة الذين يسقطون كل يوم، يتساءل عن أسباب قتلهم بذلك الشكل المخجل، الذي يدل على انخفاضٍ مريع في الكفاءة الأمنية، ولعله يتذكّر، بعد ذلك كله، سيل التصريحات التي تعهدت له بالقضاء على الإرهاب، في أسرع وقت ممكن، وتسليم سيناء متوضئة خلال أسابيع، فيذكّره ذلك بأهمية فضيلة الشك، فيكثر من الأسئلة، ويرفض السير في القطيع، من دون تأمل ولا تيقن.

...

والله ليك وحشة، يا إسماعيل، لم تعد صفحتك على "فيسبوك" متاحة للأسف، ومنذ غبت عنها وغابت عنا، أصبحت أفتقد حضورك وكتابتك وشغبك وغضبك وصخبك وطيبتك، وقدرتك على الجمع بين الإنجاز والهري بشكل مدهش، تعرف أنني استغربت، حين قرأت لأكثر من شخص من محبيك، وهم يكتبون كلاماً من نوعية "الذي يعرف إسماعيل الإسكندراني فقط من خلال الفيس بوك لا يعرفه جيداً، فهو أطيب بكثير مما يبدو عليه في الفيس بوك"، يعني، ربما يحبك الذين يكتبون هذا الكلام أكثر مني، وربما يعرفونك أكثر مني، لكنهم لا يعرفون أنني، وكثيرين غيري، مثلما أحببنا كتابتك الصحافية والبحثية المجتهدة والمحكمة، أحببنا شخصيتك "الفيسبوكية" المنطلقة على سجيتها، والبعيدة عن الاصطناع والتكلف، والتي لا تخجل من أن تسمي الأشياء بمسمياتها، ولا تتردّد في إعلان رأيها، مهما كان صادماً أو مربكاً، صحيح أن ذلك جلب لك عداوة المهاويس والمتعصبين من كل التيارات، وجعل صفحتك مطمعاً لهجوم "زومبيز" الإخوان و"ميلفات" السيسي، وأعضاء جمعية حماية أخلاق الطبقة الوسطى التي تتسامح مع القتل، لكن تقتلها البذاءة، وصحيح أيضاً أن ذلك كان يضايق بعض محبيك الذين كانوا يرون أنك تهدر طاقتك في ما لا طائل من ورائه، لكنهم ربما لم يدركوا أنك، بحرصك على أن تكون كما أنت، أن تصير كما تريد، تهرب من محاولة واقعنا السخيف ـ وعادته ـ في أن يحولك إلى صاحب دور، إلى شخصية افتراضية، إلى أي شيء، غير أن تكون صحافياً وكاتباً وباحثاً ورجلاً حراً على باب الله، لا أدري إذا كنت تجد خلف قضبان السجن الكريهة متسعاً لمناوشاتٍ، كتلك التي كنت تخوضها على الواقع الافتراضي، لكنني متأكد أنك حين تخرج من السجن، بإذن الله، ستخرج بعشرات الأفكار لمقالات ودراسات وكتب وبحوث وبوستات لا أول لها من آخر، ومتأكد أيضا أن بعض محبيك سيلومك، حين يراك تطيل البقاء على الفيس بوك، بدلاً من أن تقضي وقتك كله في كتابة ما رأيته وتعلمته واستلهمته من تجربتك المريرة التي أسأل العلي العظيم أن تكون أقصر مما يظن كل متشائم أو متفائل حذر.

...

أمس، سألني عنك قارئ لم يكن يتابعك، فأرسلت إليه هذه السطور التي كتبتها أنت عن نفسك تقول فيها: "أنا شاب تجاوز الأطروحات الإسلاموية، ونشاطه السابق مع جماعة الإخوان المسلمين، وانخرط في العمل المدني غير المسيس، ثم انضم إلى حملة "دعم البرادعي ومطالب التغيير"، التي وُصفت بأنها حملة متجاوزة للأيديولوجيات والتوجهات الفكرية، من غير مناهضة لأي منها، وتهدف إلى إيجاد بديل سلمي لحكم مبارك. كنت واحداً من هؤلاء المتفاعلين مع قضية مقتل الشاب السكندري خالد سعيد، تعذيباً على يد الشرطة في الشارع، ومشاركاً في تأسيس لجنة التنسيق بين شباب القوى الوطنية بالإسكندرية، تلك التي شاركت في إشعال فتيل 25 يناير 2011. أربع سنوات من الآمال والآلام، ومن العمل في قضايا المهمشين حقوقياً وصحافياً وبحثياً، حاولت فيها أن أصل سيناء بأسوان والنوبة، وأن أضم شلاتين إلى واحة سيوة، في معركةٍ وطنيةٍ، تناضل فيها الأطراف المصرية النائية ضد سردية العاصمة المركزية، وإقصائها وتهميشها. لكني، في النهاية، كغيري من شباب الثوار، لم أجد في المليون كيلومتر مربع متسعاً فاضطرت إلى الخروج المجهول الأجل"، وأرسلت له أيضاً رابطَين لاثنين من أجمل مقالاتك، الأول مقالك عن ميدان العتبة (كيف يحكي ميدان واحد قصة شعب؟) bit.ly/1UL0TXJ، والثاني مقالك عن كلاب الإسكندرية (كيف اختفت الكلاب من شوارع الإسكندرية) bit.ly/1UL18lu، وكأني باختيار هذين المقالين، كنت أختار وجهاً متميزاً لك، لكنه بات أقل حضوراً بعد كل ما اهتم به الكثيرون، من مقالاتك المهمة عن سيناء وأوضاعها وبزنس الجنرالات وحركة الجماعات الإرهابية على أرض الواقع. ولا أخفيك أن ذلك القارئ استمتع جدا بما قرأه لك في المقالين، وأرسل يشكرني على أن دللته عليهما، لكنه بعد يومين، قضاهما على ما يبدو في القراءة لك في المواقع الإلكترونية التي كتبت فيها، أرسل إلي رسالة قال فيها: "بقى بعد كل ده مش عايزهم يقبضوا عليه.. ده كان لازم يقعد بره مصر لغاية ما ربنا يفرجها".

للأسف، هذه هي الحقيقة المرة التي تعلمها أنت، ويعلمها كل من يحبك، نحن نعيش في أيام لم

تعد فيها الكتابة مهنة آمنة على الإطلاق، حيث أصبح على الكاتب أن يحمي نفسه بنفسه، لأنه لن يجد من يتضامن معه، فضلاً عن أن يحميه، لعلك سمعت، في محبسك، عن محاولة الاغتيال التي تعرض لها الصحافي، أحمد جمال زيادة، عقابا له على فضحه محاولة الأمن الوطني تجنيده وهو في السجن. للأسف، مرّت محاولة اغتيال زيادة في صمت مخجل، شارك فيه حتى الذين تعرضوا للقمع أيام مبارك، والتي كان غاية ما فيها أن تجد نفسك عارياً في صحراء المقطم، ليس لأن الدولة كانت رؤوفة بالصحافيين والكتّاب، بل لأن مبارك كان يعتنق شعار (خليهم يتسلوا)، وكان يوقن بأن الكتابة ليست سوى "هبهبة"، لا طائل من ورائها، ولو كان يدرك أنها يمكن أن تشحن غضب الناس، وتشحذ هممهم وتزيد من وعيهم، لما تردد في أن يفعل ما يفعله السيسي الآن، لكي يحمي مصالحه ونفوذه، ويديم بقاء أسرته الأبدي في الحكم، بشكل أو بآخر، ولا أظن أن شيئا غير ذكريات يوم 28 يناير الماثلة في ذهن كل رجال دولة اللواءات الشائخة على روحها، هو الذي يدفع الجميع إلى ممارسة التوحش، بأقصى صوره وأقساها الآن، ليمنعوا أي ثغرة يمكن أن يتسرّب منها ما يذكر أحرار المصريين، بتلك الأيام التي امتلكوا فيها قدرتهم على تقرير مصيرهم، وفرضوا فيها إرادتهم على المترددين والخائفين والمتشككين والكارهين.

....

سيرة مبارك تذكّرني بما قلته لك من قبل، عن أحوال مصر التي باتت على المكشوف، من دون مواربة، يعني لعلك سمعت كيف استقبل أغلب الناس بفتور شديد خبر الحكم البات النهائي الذي دان مبارك و"نذليْه" جمال وعلاء بسرقة المال العام في قضية القصور الرئاسية، ليس لأنهم لا يعرفون أن مبارك لص رخيص، بل لأنهم يدركون أن من يسرق سيراميك قصره، وخلاطات حماماته، لن يتورع عن سرقة الخزانة العامة مراراً وتكراراً، ولأنهم يعرفون أن سرقات مبارك الكبيرة تمت الطرمخة عليها، لأن فتح ملفاتها ستكون له عواقب وخيمة على حماة البلاد، الذين ساعدوا في تهريب أمواله إلى الخارج، حين ساعدوا في تهريب حسين سالم ويوسف بطرس غالي.

لا أخفيك أنني فرحت بالخبر، ليس لأنني من هواة الانتصارات الصغيرة، بل لأنني عشت عمري كله في ظل عرش مبارك الذي كان الملايين يعتقدون أنه سيورث الحكم لأحفاده، فضلا عن أبنائه، وكانوا يعتبرون كل ما أكتبه، أنا وغيري، عبثاً لا طائل منه. لذلك، لا أستطيع أن أخفي فرحتي بأي هزيمة لمبارك وأسرته وأنصاره، لكن ذلك، في الوقت نفسه، لا يمكن أن ينسيني أن مبارك أصبح جثة هامدة، منذ رآه العالم يلعب في مناخيره في القفص، في صيف 2011، وهو المصير نفسه الذي أوقن أن عبد الفتاح السيسي ومحمد حسين طنطاوي والرئيس "الفاترينة" عدلي منصور سيشهدونه فيما بعد، كما شهده من قبلهما حسني مبارك ومحمد مرسي أيضا، وربما كان الفارق أن جميع هؤلاء سيحاكمون محاكماتٍ عادلة حقيقية، لا علاقة لها بالمهازل التي رأيناها في محاكمات مبارك ومرسي، لا أخفيك أنني لست متأكداً من أن هذا سيكون في حياتهم أو في حياتي وحياتك، يدينا ويديك طولة العمر والبال، لكنني متأكد أن ذلك سيحدث يوماً ما، وأنه لن تترك قضية تعرّض فيها أحد للظلم في مصر، إلا وأعيد فتح ملفاتها، وخضعت للتحقيق العادل المستقل عن الضغوط والمصالح، وإذا كنا ربما لن نشهد حدوث هذا، فما يسعدنا ويشرفنا، على الرغم من كل الأحزان التي تثقل القلب، أننا رفضنا تأييد الظلم وتبريره، ولن يذهب ذلك هباء، كما لن تذهب هباءً تضحيات كل شهيد أو جريح أو مسجون أو مظلوم، وسيحدث ذلك، ليس لمجرد أننا نحلم به على طريقة (كتاب السر) الخزعبلية، أو من باب "ثقة بالله هنكسب"، بل لأن ذلك حدث من قبل، وسيحدث مجددا.

....

لا أخفيك أن ما يشجعني على إعلان يقيني في العدل بقلب جامد الآن هو يقيني أنك لن تقرأ هذه الرسالة أصلاً. أمس، قرأت كلمات تشكو فيها زوجتك من أنهم منعوا عنك روايات لنجيب محفوظ، بعد أن قرأوا تفريغ الحوار الذي دار بينك وبينها في زيارة سابقة، والذي يكتبه مخبر يشارككما جلستكما، ويكتب كل كلمة تقولانها. طيب، لا أظنك بعد ذلك، يا إسماعيل، ستستطيع أن تقنع رواد صفحتك، بأن ما تكتبه فيها ليس إلا مجرد رأي تفضفض به عن نفسك، فها هي الدولة المصرية، بجلالة شمختها، تدرك خطورة كل ما تقوله على الأمن القومي. ولهذا أفرغت لك مخبراً مخصوصاً ليراقب ما ستقوله لزوجتك، ومع أنني أدري أن ذلك مؤلم وجارح ومقبض، لكنني حين قرأته ضحكت، بعد أن تخيلتك تقرّر تطليع عين المخبر بالحديث عن أكلاتك المفضلة التي افتقدتها في السجن، وقبل ذلك في الغربة، ولعل الله يفك سجنك قريباً، فتعود لتحنيسنا بعد كل أكلة بنت لذين تأكلها في مناكب المحروسة وعربياتها ومطاعمها.

لا أدري، هل سيطول سجنك يا صديقي؟، أم يكون شدة عابرة تزول قريباً؟، هل سيمدون في سجنك إلى ما بعد يوم 28 يناير، الذي ترتعد فرائص دولة اللواءات الشائخة كلما جاءت سيرته؟، هل ستنجح الضغوط الإعلامية الدولية في إخراجك قريباً ضمن مجموعة من سجناء الرأي؟ أم يقرر ضباط الأجهزة السيادية معاقبتك على كشفك فشلهم وجرائمهم في سيناء؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين، أو حتى التقريب. لكن، ما أعرفه أنني حزين، لأن السجن غيّب عني كتابتك وحضورك، وأنني أفتقد غضبك وشغبك وصخبك وطيبتك، لكنني أيضاً أحمد الله، لأنك، على الرغم من كل ما أنت فيه من معاناة كئيبة، لم تتعرّض للتصفية الجسدية، ولم تعانِ من الاختفاء القسري، ولم تتعرّض للتعذيب كفاك الله شره، ولا أخفيك، ربما لأنني جربت من قبل فترة قصيرة عناء السجن ووحشته، وثقله على النفس. أجدني أفكر في مصائر بعض أصدقائنا، فك الله سجنهم، وفيما ستفعله بهم تجربة السجن التي تظل كريهة ومقبضة، مهما حاول بعضهم إضفاء رومانسية عليها بحسن نية أو ببلاهة، لكنني، لعشمي في ربنا، وأملي فيك، أشعر دائماً أنك ستخرج من السجن أصلب مما دخلته، وأنه، حتى لو أضاف إليك أحزانا وآلاما، فسيضيف إليك أيضا الكثير من التجارب والأفكار التي ستجعلك كاتبا أكثر أهمية وأكثر استثنائية مما كنت عليه، وأنك لن تفقد أبداً قدرتك الرائعة على الجمع بين الصخب والعمق، والإنجاز والهري.

أشوف وشك بخير يا إسماعيل.