10 يوليو 2020

حتى الآن تمكنت أسواق المال العالمية من التماسك بشكل جيد والصمود أمام الضربات القاتلة التي تلقتها في حلبة الصراع مع جائحة كورونا. ومنذ منتصف شهر مايو/ أيار الماضي تمكنت البورصات في أميركا وأوروبا من الانتعاش والصعود التدريجي من المستويات الدنيا التي بلغتها في الأيام المظلمة في شهري مارس/آذار وإبريل/نيسان الماضيين. 

وتشير البيانات الرسمية في الاقتصادات الكبرى، إلى أن مؤشرات البورصات الرئيسية حققت قفزات كبرى في كل من لندن وألمانيا والولايات المتحدة والصين مقتربة من مستوياتها قبل الجائحة. ولكن رغم هذه القفزات فإن السؤال الذي يؤرق المستثمرين، هو عما إذا كان هذا الانتعاش سيتواصل وسط عودة جائحة كورونا للتفشي مجدداً في أميركا وبعض الدول الأوروبية بعد انحسارها خلال مايو والتحديات التي تفرضها الانتخابات الرئاسية في أميركا على مضاربات المستثمرين. 

في هذا الشأن يرى الاقتصادي الأميركي، غاري شيلينغ، في تعليقات نقلها موقع "ماركت ووتش"، أن هنالك تفاؤلاً وسط المستثمرين في أسواق المال. ويقول الاقتصادي شيلينغ، "المستثمرون يعتقدون أن فيروس كورونا سيكون تحت السيطرة، وأن أموال التحفيز المالي والنقدي التي ستضخها الحكومة ستقود إلى إنعاش الاقتصاد في الولايات المتحدة". 

كما يرى الاقتصادي شيلينغ، أن الضغوط التنازلية التي ستعاني منها الأسهم الأميركية أثناء رحلتها للتعافي ستفيد سندات الخزانة الأميركية، لأنها سترفع من جاذبيتها. لكن مقابل تفاؤله بارتفاع السوق الأميركي خلال النصف الثاني من العام الجاري، فإنه لا يستبعد أن تهبط البورصة الأميركية في العام المقبل وربما تبلغ نسبة الهبوط 40% بحسب توقعاته. 

وما يبرر توقعات الاقتصادي الأميركي لهبوط الأسواق في العام المقبل، هو التداعيات السالبة لتوسع الكتلة النقدية على أصول الأسهم الأميركية وأصول الشركات عموماً، وهو ما يعني أن أسعارها السوقية قد لا تعكس القيمة الحقيقية لأصولها. 

ويلاحظ في هذا الصدد، أن المستثمرين زادوا مشترياتهم من الذهب الذي ارتفعت أسعاره فوق 1800 دولار للأوقية لأول مرة. وعادة ما يلجأ المستثمرون للذهب للتحوط من فقاعات الأصول المالية واضطرابات العملات الرئيسية. كما يبرر محللون مشتريات الذهب بتوقعات ضعف سعر صرف الدولار.

ويقول وارن باتيرسون، رئيس استراتيجية السلع بمصرف آي إن جي في هذا الصدد: "دوافع الذهب للتماسك أعلى  من 1.800 دولار للأوقية قوية للغاية، خاصة مع ضعف الدولار، وارتفاع الإصابات بفيروس كورونا، وشكوك من قادة الفيدرالي في قوة التعافي الاقتصادي بالولايات المتحدة".

من جانبها رفعت مجموعة "سيتي غروب" من توقعاتها السابقة لمؤشر "أس آند بي ـ 500"، المؤشر الرئيسي في سوق المال الأميركي، إذ رفعته من 2700 نقطة إلى 2900 نقطة بنهاية العام الجاري. 

ويرى محلل الأسواق في" سيتي غروب"، توباس ليكوفيتش، أن أسواق المال تواجه خلال النصف الثاني من العام مجموعة من التحديات على رأسها الانتخابات الأميركية وتزايد حالات الإصابة بالفيروس في الولايات المتحدة، ولكنه يشير كذلك إلى تحديات أخرى أقل أهمية بالنسبة للمستثمرين، من بينها نزاعات التجارة بين واشنطن والصين. 

وحتى الآن يرى العديد من المستثمرين في سوق المال الأميركي أن ما يهم في الانتخابات الأميركية هو من سيسيطر على مجلسي الكونغرس وليس الرئاسة نفسها، لأن صناعة القرار المالي تتم في الكونغرس رغم السلطات التنفيذية الممنوحة للرئيس. 

لكن هنالك توقعات جنونية للأسواق أطلقها استراتيجي الاستثمار بشركة " كابيتال ويلث" في نيويورك، جيف سكوت. إذ توقع سكوت في تعليقات نقلتها قناة "سي أن بي سي" التلفزيونية الأميركية، أن " مؤشر أس آند بي ربما سيتجاوز حاجز 4000 نقطة خلال عام من الآن". ويقول سكوت إن الاقتصاد الأميركي ينمو بمعدل أفضل من توقعات خبراء الاقتصاد. 

على صعيد الاقتصادات الناشئة والصين، حتى الآن ارتفعت الأسهم الصينية بنسبة 40% من مستوياتها المنخفضة في مارس/ آذار الماضي، ومن المتوقع أن تواصل الارتفاع وفقاً لتحليل نشرته مجلة الإيكونومست البريطانية. كما ارتفعت كذلك مؤشرات رئيسية في أسواق المال الناشئة رغم ما تعانيه من ضعف مالي ونقدي على صعيد تدهور عملاتها مقابل الدولار والنقص الذي تعانيه في التمويلات. 

لكن هنالك الكثير من المجاهيل التي تحكم أداء أسواق المال العالمية بسبب جائحة كورونا والمدى الذي ستبلغه في التفشي والتأثير. ويرى العديد من خبراء الاستثمار بالمصارف التجارية الكبرى، أن البورصات العالمية ربما ستواصل التأرجح صعوداً وهبوطاً إلى حين السيطرة على الجائحة، ولكنها في النهاية ستحافظ على أداء جيد وسط ضخ الحكومات العالمية والبنوك المركزية المزيد من الترليونات في الأسواق. 

ويقول العديد من المستثمرين في أوروبا وأميركا إنهم باتوا يشترون ما تشتريه البنوك المركزية، فإذ تدخلت تلك البنوك لشراء سندات الخزانة فإنهم يشترون السندات، وإذا تدخلت لدعم شركات مشرفة على الإفلاس فإنهم يشترون أسهمها. وفي مقابل هذه التوقعات المتفائلة تبقى أسواق المال رهينة لجائحة كورونا ويترقب المستثمرون أنباء السيطرة عليها.