إعادة قراءة في بيان البرادعي

10 نوفمبر 2016
الصورة

البرادعي: مارست السلطة بعد "3 يوليو" عنف وخداع (19/1/2016/Getty)

+ الخط -
خرج علينا الدكتور محمد البرادعي، من دون سابق إنذار أو تنويه، يوم الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، ببيان حول ما جرى، وما كان في مشهد "30 يونيو" و"3 يوليو" من العام 2013 في مصر، حيث كان البرادعي نفسه جزءاً رئيسياً من ذلك المشهد، والذي انتهى بإطاحة أول رئيس مدني منتخب في مصر بعد عام من تسلمه المنصب.
ولأن الأحداث التى عصفت بالمجتمع المصري، والتي تعرّض لها البرادعي في بيانه، ولدوره فيها، محل خلاف عميق بين المصريين، أدى إلى انقسام مجتمعي حاد، بل وصل الأمر إلى حد الحديث عن فسطاطين، أو شعبين، وكل منهما يرى أنه من يملك الحقيقة الكاملة، وأن الفريق الآخر في ضلال، وبدا الأمر وكأن الصراع هو ما بين الأخيار والأشرار، من أبناء الوطن الذي لم يعد وطناً واحداً للجميع. من هنا، كان الاهتمام البالغ بذلك البيان، وتناوله محللون ومراقبون عديدون بالتعليق، وإن كانت التعليقات، فى أغلبها، ركّزت على صاحب البيان، ومواقفه، أكثر من اهتمامها بما جاء في البيان. وكان المثير في تلك التعليقات أن الرجل تعرّض لهجوم ونقد حاد من كلا الفريقين، المؤيد لمسار "30 يونيو" و"3 يوليو"، والمعارض المقاوم لذلك المسار، مع ترحيبٍ، على خجل من بعضٍ ممن اعتبروا، في البيان، عودة كاتبه إلى جادّة الصواب، وتصويب لموقفه الخاطئ.
وبعيداً عن "شخصنة" الأمر، كان لابد من إعادة القراءة لبيان البرادعي، من منظور مختلف، فى محاولة لاستخلاص بعض الحقائق بشأن ما جرى من أحداثٍ تاريخيةٍ شديدة الأهمية، وغير مسبوقة، حيث تم إقصاء رئيس الجمهورية المدني الذي جاء عقب ثورة شعبية، في انتخاباتٍ حرة ونزيهة، جرت خلال إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للبلاد، وتحت إشرافه بطبيعة الحال، بل قام بمباركتها، وبتسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب في مراسم عسكرية احتفالية. وفي 3 يوليو/ تموز 2013 ، بعد عام من ذلك المشهد الديموقراطي غير المسبوق، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة باحتجاز ذلك الرئيس وإقصائه عن منصب الرئاسة بالقوة، مستنداً على تحرّك جماهيري منظم ضده، ودعوة مجموعة من الرموز السياسية، كان البرادعي من أبرزهم، وكان منهم من شارك في الانتخابات الرئاسية نفسها.
وتتطلب منا إعادة القراءة للبيان أن نتعامل معه باعتباره من مصادر البحث، ونعمل على
تحقيقه طبقاً لمناهج البحث التاريخي قدر الإمكان، ونبدأ تقييم الرواية التي تضمنها البيان، فهي ليست رواية رسمية، لأنها على الرغم من أنها صادرة عن شخصٍ كان يشغل منصباً رسمياً رفيعاً، وتتناول وقائع حدثت خلال فترة شغله المنصب، ومشاركته في الأحداث السابقة على ذلك، إلا أنها تأتي بعد تركه المنصب بأكثر من ثلاث سنوات، فهي تندرج تحت توصيف المذكرات أو الشهادات الشخصية، فتعتبر من مصادر البحث التاريخي، ولكن من الدرجة الثانية، ولا ترقى إلى مصداقية الوثائق الرسمية، أو الوقائع الثابتة. وتأتي في إطار الشهادات المجروحة لشبهة الدفاع عن النفس، أو تصفية الحسابات. ولكن، يبقى أن أهميتها في أنها مصدر يساهم في فهم ما جرى من تغيير، بمطابقة ما ورد فيها مع الوقائع الفعلية، خلال تلك المرحلة شديدة الأهمية من تاريخ مصر المعاصر، والتي تعيش مصر توابعها.
وبالنسبة لتقييم صاحب الشهادة، فهو، بأي مقياسٍ، كان أحد أيقونات ثورة 25 يناير، فقد تطلعت إليه جماهيرها، خصوصاً من الشباب، باعتباره أول من نادى، في أواخر عهد حسني مبارك، بأن الحل يكمن في التغيير، وليس في مجرد الإصلاح من داخل النظام، كما كان يطالب بعضهم. وترأس ما تعرف بالجمعية الوطنية للتغيير في عام 2010، لكنه لعب دوراً ملتبساً خلال وقائع الثورة، وحتى تخلي مبارك عن السلطة، وخلال مرحلة حكم المجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي، كما ذكر فى بيانه، عندما أشار الى تنسيقه مع المجلس العسكري للقيام بالاتصال بالأميركيين طلباً للمساعدة، كما ورد في البند 8 من البيان. وأحجم عن الترشح للرئاسة، ثم تحول إلى المعارضة الحادة للرئيس محمد مرسي، وشكل ما تعرف بجبهة الإنقاذ وترأسها، بعد شهور قليلة من تولي مرسي منصب الرئاسة، وجمعت الجبهة رموزاً معارضةً تطالب بإجراء انتخاباتٍ رئاسية مبكرة.
ثم كان، وجبهة الإنقاذ، في صف واحد مع ما تعرف بحركة تمرد ذات الطابع الشبابي، والملتبس أيضاً، والدعوة إلى تظاهرات 30 يونيو 2013، ثم كان في صدارة المشهد الذي قاده القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع، الفريق عبد الفتاح السيسي، ومعه أعضاء بارزون فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورموز دينية وسياسية وشبابية، في يوم 3 يوليو 2013، حيث أعلن السيسي خارطة المستقبل التي عطلت الدستور، وكلفت رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة شؤون البلاد (رئيساً مؤقتاً)، وحدّدت خطوات محددة لفترة انتقالية سنة، تنتهي بتعديل رئيسي للدستور، وانتخاب برلمان، ورئيس جديد للجمهورية، والأهم هنا أن البرادعي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية (المؤقت)، وأصبح جزءاً من السلطة السياسية المؤقتة، تحت الإشراف المباشر لقيادة القوات المسلحة، كما أوضحت في بياناتها قبل "3 يوليو"، وبالتحديد في بيان الأول من يوليو الذي أمهلت فيه كل القوى السياسية مدة 48 ساعة للتوصل إلى اتفاق، أو أنها ستطرح خريطة للمستقبل، وتشرف على تنفيذها.
وقد تولى صاحب الشهادة منصبه رسمياً في التاسع من يوليو، في اليوم التالي لأحداث الحرس الجمهوري، والتي سقط فيها نحو مائة قتيل مدني، بينهم نساء وأطفال، وتقدم باستقالته في 14من أغسطس/ آب، وهو يوم فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقوة المسلحة.
غادر صاحب الشهادة، وبعد تركه المنصب الرفيع، مصر، وابتعد، ولم تخرج تصريحاته فترة
طويلة عمّا ورد في خطاب الاستقالة بأنه خرج لعدم قدرته على تحمل مسؤولية "الدم"، الذى أريق فى فضّ الاعتصامات.
بقي البرادعي محل اهتمام من مختلف أطياف الشارع السياسي، مع زيادة الفجوة بين مؤيديه ومعارضيه، وتضاؤل التيار المؤيد له، وضعف الحزب الذي أسسه (حزب الدستور)، وكان قد تخلى عن رئاسته مبكراً، وبقى الجميع فى حالة ترقب لموقفٍ من الرجل، يكشف فيه عن ما جرى فى كواليس "30 يونيو" و "3 يوليو" بشكل واضح ومحدّد، حتى جاء ذلك البيان محل القراءة، بعد أكثر من ثلاث سنوات من تركه المنصب ومغادرته البلاد.
وبعيداً عن وجهة النظر الشخصية للبرادعي فيما جرى من أحداث، مثل اعتباره أن سقوط القتلى والجرحى في فترة مشاركته فى المشهد ما بعد 3 يوليو، وحتى قبل عملية فض ميداني رابعة والنهضة واستقالته، كانت "اشتباكات" بين مؤيدي الرئيس السابق وقوات الأمن على حد قوله، أو اعتباره إن ما حدث من السلطة بعد "3 يوليو" يمثل عنفاً وخداعاً، وانحرافاً عن مسار الثورة، على حد قوله أيضاً، فإننا بتحليل مضمون البيان بموضوعية، نخرج بعدة حقائق عما جرى من وقائع سبقت "30 يونيو" و"3 يوليو"، وواكبتهما، ولحقتهما، أهمها أن تظاهرات الجماهير لم تكن عفوية ولا مفاجئة، وإنما تم ترتيبها بعناية من كل الأطراف المناوئة للرئيس مرسي وجماعته. والحقيقة الثانية والأهم أن تحرّك المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان سريعاً وحاسماً، ولم يكن هناك مجالٌ لأي مناوراتٍ أو تحركاتٍ سياسية، على أى مستوى محلي أو عربي أو أجنبي، قد تؤدي إلى تراجع في الموقف، وهو ما لم يدركه البرادعي سوى في وقت متأخر، بينما أدركه غيره من المشاركين فى المشهد منذ البداية، وقبلوا به.
ولأن التاريخ لا يتعامل مع النيات، حسنة أم سيئة، ستبقى الوقائع، والنتائج الملموسة على الأرض، الحكم الحقيقي على الأحداث. وعلى من شاركوا فيها، أياً كان دورهم، وموقعهم، ولا شك أن ما آلت إليه الأحوال في مصر، وما قد تؤول إليه، خيراً أو شراً، هي مسؤولية مباشرة على كل من شارك في تلك الأحداث.
والأهم أن دماء المصريين التي أريقت، من كل الأطراف، ستبقى معلقةً في رقاب كل من شارك في تلك الأحداث.