تعطيل العقوبات الأميركية...إجراءات أوروبية لتعويض الشركات وإبقائها في إيران

21 مايو 2018
الصورة
العقوبات الأميركية تهدد استثمارات الشركات الأوروبية في إيران(فرانس برس)
بدت تحركات أوروبا لحماية مصالح شركاتها من العقوبات الأميركية ضد إيران، أكثر جدية، عبر تفعيل إجراءات من شأنها تعطيل العقوبات داخل بلدان الاتحاد الأوروبي، وتعويض الشركات التي تتعرض لأضرار.
وتخطت ردود الفعل الأوروبية، حالة التذمر، على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في وقت سابق من مايو/أيار الجاري، وإعادة فرض العقوبات على طهران، ما يتسبب في خسائر بعشرات مليارات الدولارات للشركات الأوروبية، التي توجهت للاستثمار في إيران في أعقاب الاتفاق الذي جري توقيعه في 2015.

وأضرار العقوبات لن تقتصر على إيران وحدها، فالعديد من الاقتصادات والشركات الأوروبية والآسيوية والأميركية أيضا، ستتضرر، حيث أبدت العديد من الحكومات والشركات العالمية قلقاً كبيراً حيال الخطوات الأميركية.
وقال وزير المالية الفرنسي برونو لو مير، أمس الأحد، إن بلاده تنظر فيما إذا كان بمقدور الاتحاد الأوروبي أن يعوض الشركات الأوروبية، التي قد تواجه عقوبات من الولايات المتحدة بسبب تعاملها مع إيران.

وأشار لو مير إلى قواعد الاتحاد الأوروبي التي يرجع تاريخها إلى عام 1996، والتي قال إنها قد تسمح للاتحاد بالتدخل بهذه الطريقة لحماية الشركات الأوروبية من أي عقوبات أميركية، مضيفا أن فرنسا تريد من الاتحاد أن يشدد موقفه في هذا الصدد.
وفي عام 1996، حين حاولت الولايات المتحدة فرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تجري معاملات تجارية مع كوبا، أجبر الاتحاد الأوروبي واشنطن على التراجع بالتهديد بعقوبات انتقامية.

وقال لو مير لتلفزيون "سي نيوز" وإذاعة "أوروبا 1": "هل سنسمح للولايات المتحدة بأن تكون الشرطي الاقتصادي للعالم؟ الإجابة لا".
وستتأثر شركات على غرار بيجو ورينو للسيارات وتوتال النفطية وسانوفي للأدوية وإيرباص للطائرات الفرنسية، وكذلك سيمنس وفولكس فاغن الألمانيتين بالإضافة إلى شركات من النمسا وإسبانيا.

وسبق أن أعلنت شركة صناعة الطيران الأوروبية إيرباص، عن عقود مع ناقلتين إيرانيتين، هما "إيران إيرتور" و"طيران زاغروس" لبيع 100 طائرة في المجمل، في صفقة تقدر قيمتها بنحو 10 مليارات دولار.
كما تواجه شركة النفط الفرنسية العملاقة توتال، خطر خسارة عقد بقيمة 5 مليارات دولار للمساعدة في تطوير حقل غاز بارس الجنوبي، إذا لم تحصل على استثناء أميركي من العقوبات. كذلك تتواجد شركة صناعة السيارات الفرنسية بيجو ستروين بقوة في إيران، حيث تبلغ نسبة حصتها في السوق 30%.

ودفعت هذه الخسائر المحتملة، الاتحاد الأوروبي إلى طرح إجراءات من شأنها تفادي العقوبات الأميركية وربما تعطيلها، وهو ما كشفت عنه المفوضية الأوروبية، يوم الجمعة الماضي، حيث أطلقت إجراءات "تعطيل للعقوبات" يتعين على الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي المصادقة عليها، وترمي إلى طمأنة الشركات الأوروبية التي استثمرت في إيران بعد توقيع الاتفاق النووي.
وقالت المفوضية إن "إجراءات التعطيل تمنع الشركات الأوروبية من الامتثال للعقوبات الأميركية". ويسمح قانون "التعطيل" هذا للشركات والمحاكم الأوروبية بعدم الامتثال للقوانين حول العقوبات التي يتخذها بلد ثالث، ويقضي بعدم تطبيق أي حكم يصدر عن محاكم أجنبية على أساس هذه التشريعات داخل الاتحاد الأوروبي.

وكان هذا التشريع الأوروبي أقر العام 1996 للالتفاف على العقوبات الأميركية على كوبا لكن لم يتم استخدامه. وتأمل المفوضية في أن يبدأ تطبيق هذه الإجراءات مطلع أغسطس/آب مع دخول العقوبات الأولى التي أقرتها الولايات المتحدة مؤخرا حيز التنفيذ.
وأعلن المفوض الأوروبي للطاقة ميغل آرياس كانيتي، أن المفوضية شكلت لجنة لإزالة العقبات أمام الاستثمار في إيران، والحد من تداعيات الحظر على تحويلات العملة الصعبة، وفق ما نقلته وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء "ارنا"، عن كانيتي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الطاقة الإيراني بيجن زنغنه في طهران، مساء السبت الماضي.

وتبدو الخطوات الأوروبية لتعطيل العقوبات الأميركية او الحد من تداعياتها صعبة، في ظل تعدد القوانين الأميركية المطبقة خارج الحدود، والتي تردع الشركات المتعددة الجنسية عن القيام بأعمال تجارية مع بلد أو كيانات تستهدفها.
وغالبا ما تلجأ الولايات المتحدة إلى "عقوبات ثانوية"، تستهدف أشخاصا غير أميركيين، يتعاملون مع أفراد وبلدان وأنظمة ومنظمات على صلة بالدولة المستهدفة بالعقوبات.
ولم تخف مجموعة توتال الفرنسبة للنفط مخاوفها من هذه العقوبات، حيث قال باتريك بوياني، رئيس مجلس إدارة المجموعة في كلمة في واشنطن: "ما أن تعيد الولايات المتحدة العقوبات الثانوية، لن تبقى لدينا إمكانية البقاء في شركة متعددة الجنسية".
وأضاف "لا يمكنني أن أترأس مؤسسة تمثل حوالى 100 بلد، ولا تستطيع الوصول إلى المصارف الأميركية لأن 90% من تمويل توتال مرتبط بالمصارف الأميركية".

وطبقت الولايات المتحدة "العقوبات الثانوية" في حالة إيران وكذلك على كوريا الشمالية وروسيا. وهذه العقوبات ليست السلاح الوحيد المتوفر لأميركا خارج أراضيها، فقانون "الممارسات الأجنبية الفاسدة" الصادر في 1977 يتيح لها تعقب الشركات بدعوى الفساد.
وحتى الآن، تمكنت واشنطن من معاقبة عدد كبير من الشركات الأوروبية من خلال هذا القانون. ففي 2008، اضطرت شركة سيمنس الألمانية إلى دفع غرامة قدرها 800 مليون دولار لأنها قدمت رشى في الأرجنتين أو في فنزويلا.

وفي 2014، اضطرت شركة ألستون الفرنسية لدفع 772 مليون دولار عن قضايا فساد في إندونيسيا ومصر والسعودية والبهاماس. وكانت توتال نفسها ضحية في 2013 واضطرت الى دفع حوالى 400 مليون دولار عن قضايا فساد. ويحتفظ مصرف "بي ان بي" الفرنسي بذكرى مؤلمة عن ذلك بعدما اضطر في 2014 إلى دفع غرامة بلغت 8.9 مليارات دولار عن صفقات أبرمت خارج الولايات المتحدة.