أوضاع سيناء تزداد سوءاً: تردٍّ أمني ومعيشي

17 مارس 2019
الصورة
طفت على السطح مجدداً الأزمات المعيشية بمدن سيناء(فرانس برس)
نشط تنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش"، في محافظة شمال سيناء مجدداً، من خلال تنفيذ عدد من الاعتداءات التي أدّت لوقوع خسائر بشرية ومادّية في صفوف الجيش المصري، بعد هدوء نسبي ساد الأوضاع الأمنية في أعقاب الهجوم الدموي، الذي وقع جنوب مدينة العريش منتصف الشهر الماضي وأدى لمقتل 16 عسكرياً. وبالتزامن مع ذلك، طفت على السطح مجدداً الأزمات المعيشية في مدن شمال سيناء وتحديداً مدينة العريش، وسط خمول ما زال يصيب الجهات الحكومية بما فيها المحافظ محمد عبد الفضيل شوشة، الذي عيّن الصيف الماضي. وبعد فترة قصيرة من توقّف الهجمات الجوية المكثفة التي شنّها الطيران الحربي الإسرائيلي والمصري على مناطق متفرقة من سيناء، عاد "ولاية سيناء" للعمل من جديد، إذ تمكّن من تنفيذ هجمات على امتداد المحافظة، من رفح وحتى مناطق قريبة من مدينة بئر العبد، ما أدى لوقوع خسائر بشرية ومادّية في صفوف الجيش. وأكدت مصادر قبلية لـ"العربي الجديد"، أنّ التنظيم تمكّن من نصب حواجز وتفتيش عدد من السيارات في عدد من المناطق على الطريق الدولي، وسط غياب لقوات الأمن التي تتمركز في عدد من الكمائن الرئيسية على الطريق، بالإضافة إلى تنفيذه عدداً من الهجمات على أطراف مدينة العريش والشيخ زويد.

ويأتي هذا النشاط الواضح للتنظيم بعد مرور شهر كامل على بدء العام الثاني للعملية العسكرية الشاملة، التي أراد النظام المصري من خلالها السيطرة الكاملة على سيناء، والقضاء على تنظيم "داعش" فيها. إلا أنّ الأخير من خلال هجماته المتتالية يثبت بقاءه في الميدان، بالمستوى والقدرة ذاتها على إيقاع الخسائر البشرية والمادّية في صفوف الجيش، وفقاً للجغرافيا التي يحددها، وشكل الاستهداف الذي تريده قيادته، وهو ما يقلل من إمكانية القضاء على "ولاية سيناء" من خلال عملية عسكرية، مهما كانت القوة المستخدمة فيها، التي بلغت "القوة الغاشمة"، وفقاً لتصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبيل بدء عملية "سيناء 2018" العسكرية.

وفي تفاصيل الخسائر البشرية في صفوف الجيش المصري، قالت مصادر طبية في مستشفى العريش العسكري لـ"العربي الجديد"، إنّ الأيام الماضية شهدت هجمات عديدة استهدفت قوات الجيش المنتشرة في محافظة شمال سيناء، وأدت لمقتل وإصابة أكثر من 15 عسكرياً. وتنوعت جغرافية الاستهدافات بين مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وكذلك نوعيتها بين تفجير وقنص، بحسب المصادر التي أوضحت أنّ من بين القتلى ضباطاً برتب مختلفة، في حين لم يعلن ذلك في وسائل الإعلام الرسمية، وكذلك المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية.

وإزاء التصعيد الحاصل في الميدان، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية بياناً عن جهودها في "تطهير البؤر الإرهابية". وقال المتحدث العسكري العقيد تامر الرفاعي، قبل أيام: "قامت القوات الجوية على الاتجاه الشمالي الشرقي باستهداف وتدمير 15 وكراً للعناصر الإرهابية، وتدمير 4 عربات تستخدمها العناصر الإرهابية في تنفيذ عملياتها"، مضيفاً أنه "جرى القضاء على 46 فرداً من العناصر الإرهابية الشديدة الخطورة خلال تبادل إطلاق النيران في نطاق شمال ووسط سيناء، وضبط وتدمير والتحفظ على 17 سيارة تستخدمها العناصر الإرهابية، و14 دراجة نارية بدون لوحات معدنية، واكتشاف وتدمير عدد من المخابئ والأوكار التي عثر بداخلها على كميات من موادّ الإعاشة وعدد من الأسلحة والذخائر مختلفة الأعيرة، وكميات من الموادّ الشديدة الانفجار التي تستخدم في تجهيز العبوات الناسفة".

وأشار الرفاعي إلى "قيام عناصر المهندسين العسكريين باكتشاف وتفجير 204 عبوات ناسفة تمّت زراعتها لاستهداف قوات المداهمات على طرق التحرك في مناطق العمليات". كذلك "ضبط عدد من قذائف آر بي جي والهاون التي تستخدمها العناصر التكفيرية للهجوم على الارتكازات الأمنية، واكتشاف وتدمير 10 فتحات لأنفاق على الشريط الحدودي برفح". كما أعلن أنه "نتيجة للأعمال القتالية للقوات المسلحة بمناطق العمليات، قتل 3 جنود أثناء الاشتباك وتطهير البؤر الإرهابية".

وفي التعقيب على ذلك، قال باحث في شؤون سيناء إنّ "الجيش بات أمام المزيد من المعاناة في مواجهة تنظيم ولاية سيناء، في ظلّ استمرار هجمات الأخير، رغم العملية الشاملة والقصف الجوي المكثّف"، مؤكداً أنّ ذلك "يستدعي تغييراً حقيقياً في استراتيجيات عمل الجيش في سيناء، وكذلك خريطة انتشاره، التي باتت مكشوفة لدى قيادة التنظيم، التي تستهدف أماكن تمركز قواته، وفقاً لاختيار دقيق، بما يحقق نتائج إيجابية لصالح التنظيم". ويظهر من البيان الجديد للجيش في أعقاب انتهاء العام الأول من العملية الشاملة، أن "ولاية سيناء" لا يزال يحظى بقوة عسكرية قادرة على إحداث المزيد من الهجمات خلال الفترة المقبلة، رغم كل الاستنفار الأمني الحاصل في سيناء منذ أكثر من عام. وهذا يؤكد مرة أخرى فشل العملية العسكرية الشاملة، وأنّ الجيش المصري بات يواجه معضلة حقيقية في سيناء لا يمكن تجاوزها.

في غضون ذلك، طفا على السطح عدد من الأزمات المعيشية في محافظة شمال سيناء مجدداً، بعد تحسّن نسبي ساد في أعقاب توقّف الحصار الذي كان مفروضاً على المحافظة منذ بدء العملية العسكرية في فبراير/ شباط عام 2018. وبرزت الأزمات الإنسانية في جداول وصل المياه لمنازل المواطنين، وتعبئة المحروقات للسيارات في مدينة العريش التي تمثّل مركز الثقل في المحافظة، وكذلك انقطاع للتيار الكهربائي بشكل شبه كامل عن مدينة الشيخ زويد، وما تبقى من قرى في محيط مدينة رفح التي جرى تهجير سكانها على يد الجيش المصري، فيما غابت الجهات الحكومية عن حلّ الأزمات أو التعقيب عليها، برغم عشرات المناشدات التي غصّت بها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية.

وفي السياق، قال إبراهيم عودة، أحد سكان مدينة العريش لـ"العربي الجديد"، إنّ "عدداً من المناطق كالريسة والمساعيد وحي أبي صقل، تشتكي من أزمة حقيقية في المياه الواصلة إلى المنازل، بسبب عمل المياه بنظام الجدول في غالبية مناطق العريش منذ أكثر من عام، وكذلك بسبب حالة التهالك والأعطال التي أصابت خطوط المياه، فيما لا وجود لأي تحرّك من قبل الجهات الحكومية، رغم التواصل معها، وإبلاغ الدوائر المختصة بالأزمة". وتابع: "على ما يبدو هناك تعمّد حقيقي بإبقاء أزمة المياه على حالها، رغم مرور أشهر طويلة على ظهورها، بدون وجود تحرّك جدّي لإنهائها من قبل إدارة المحافظة، وخصوصاً بعد قدوم المحافظ الجديد محمد عبد الفضيل شوشة في أغسطس/ آب الماضي".

كما اشتكى سائقو السيارات في سيناء، وتحديداً العريش، من استمرار أزمة تعبئة المحروقات والغاز، وفقاً لجدول أسبوعي يتم إعداده من الجهات الحكومية، وعدم إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل بدء العملية العسكرية الشاملة، ما زاد من معاناة السائقين. ويضطر هؤلاء للوقوف لساعات طويلة في محطتي تعبئة الغاز والوقود في مدينة العريش، في ظلّ الأجواء الباردة التي تعيشها المحافظة بسبب فصل الشتاء، وسط تجاهل إدارة المحافظة والجهات الأمنية للأزمة، والاستمرار في تنظيمها بدون السعي لحلّها، رغم قدرتها على ذلك، من خلال إعادة نظام التعبئة الطبيعي، ولا سيما مع خفوت نشاط العملية العسكرية الشاملة التي كانت سبباً في هذه الأزمات الطارئة التي يعيشها أبناء سيناء في الوقت الحالي.

في الوقت نفسه، لا تزال أزمة انقطاع التيار الكهربائي عن مدينة الشيخ زويد وما تبقى من قرى في محيط مدينة رفح قائمة، في انتظار إنجاز خط الجهد العالي الذي يجري العمل فيه منذ أسابيع عديدة، بعد مناشدات كثيرة تم إطلاقها من سكان المناطق السابقة الذكر. وتعطلت الحياة بشكل كامل لأشهر عديدة في هذه المناطق، بسبب تأثير أزمة الكهرباء على مناحي الحياة كافة، وأهمها المياه، إذ يعتمد السكان على الكهرباء في سحب المياه من الآبار. مع العلم أنّ أزمة الكهرباء في مناطق الشيخ زويد ورفح شبه دائمة منذ الانقلاب العسكري عام 2013، رغم انخفاض عدد السكان هناك في الأشهر الماضية، في ظلّ استمرار العمليات العسكرية وما يصحبها من تهجير قسري لآلاف السكان، في كلتا المدينتين منذ أكتوبر/ تشرين الأول عام 2014.

تعليق: