أوسلو.. الوهم الموعود

22 سبتمبر 2017
+ الخط -
بعد هزيمة العراق عام 1991في الحرب التي شنتها عليها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، اعتقدت القيادة الفلسطينية أنّ ظهرها أصبح مكشوفاً، وأنّ الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انفجرت لتعلي صوت الفلسطينيين وتوقف عنجهية الاحتلال؛ آن لها أن تقطف ثمرتها سياسياً لعدّة أسباب، فكانت القناة السرية للمفاوضات الثنائية في أوسلو التي نتج عنها اتفاق المبادىء الذي تم توقيعه في 13 سبتمبر/ أيلول من عام 1993.
على الرغم من اختلاف الفلسطينيين على جدوى هذه الاتفاقية، ووجود معارضة شديدة لها داخل منظمة التحرير الفلسطينية وخارجها، استطاعت حركة فتح أن تمضي في توقيعها والمضيّ في تنفيذ استحقاقاتها، وخصوصا الشق الأمني منها، على اعتبار أنّ دولة فلسطينية على حدود عام 1967 ستنشأ بعد خمس سنوات تحصيلا لهذه الاتفاقية، في وقت تلكأت فيه دولة الاحتلال عن تنفيذ التزاماتها من انسحابات تقود لإقامة هذه الدولة.
مرّت الأيام ولم تقم الدولة الفلسطينية عام 1999، وكانت لقاءات كامب ديفيد عام 2000 للتفاوض، لتأكيد الاتفاقيات والخلوص إلى النتيجة التي كان مفادها بأنّ إسرائيل ترفض الانسحاب من القدس الشرقية، وتريد أن تبقي الغور مع الحدود الأردنية تحت سيطرتها، فكانت العودة بلا اتفاق، وأعقب ذلك انفجار انتفاضة الأقصى بعد شهرين عقب اقتحام شارون لساحات المسجد الأقصى.
نتج عن اتفاقية أوسلو انقسام في الساحة السياسية الفلسطينية، وفي الشارع الفلسطيني بشكل عام، لأسباب عدّة، حيث يراها السياسي والمواطن الفلسطيني تفريط بالحق الفلسطيني، بعد أن كان مطلب الفلسطينيين، ومعهم العرب والمسلمون، تحرير كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد قزّمت اتفاقية أوسلو الحلم الفلسطيني إلى 20% من الأرض، وتنازلت من دون تفاوض عن باقي الأراضي التي وقعت تحت الاحتلال عام1948.
عند توقيع الاتفاقية، تمّ ترويج أنّ الضفة الغربية وقطاع غزة، ستصبحان سنغافورة الشرق الأوسط، وأنّ الأوضاع الاقتصادية ستتطور إلى أحسن الأحوال، وسيتم القضاء على البطالة، كما ستكون هناك مدن صناعية وتجارة دولية متبادلة تنعش حالة الركود، وتمضي في عملية التطور التي حرم منها الشعب الفلسطيني، بسبب وجود الاحتلال، لكنّ المفاجأة كانت أنّ اتفاقاً اقتصادياً جانبياً يسمى اتفاقية باريس، كانت منظمة التحرير قد وقعت عليه، وقد تمّ فيه تقييد الحركة الاقتصادية الفلسطينية إلى أبعد حدود، وجعلتها تابعة غير مستقلة، وذلك في غالبية الشأن الاقتصادي السيادي الفلسطيني، فلا حرية في إنتاج الكهرباء ولا حرية في استخراج المياه ولا استيراد وقود من الدول المنتجة، وتم تحديد أسعار السلع فيها بما يتناسب مع أسعار السوق الاسرائيلية، وغيرها من القيود على غالبية السلع السيادية التي من شأنها إنعاش الحالة الاقتصادية الفلسطينية التي قد تسهم في حرية القرار السياسي.
بعد انفجار انتفاضة الأقصى واجتياح كامل المدن الفلسطينية، تراجعت دولة الاحتلال عن تطبيق ما تم التوقيع عليه، وحافظت على وجودها في المدن التي انسحبت منها من خلال الاقتحامات اليومية والاعتقالات التي تتم بحق الشبان الفلسطينيين، وبذلك حرمت السلطة الفلسطينية من وجود مناطق سيادية خالية من الوجود الإسرائيلي، كما أنّها استمرت في عملية الاستيطان ومصادرة الأراضي التي يتم التفاوض عليها، وقد توقفت هذه العملية، بسبب اشتراطات السلطة بوقف الاستيطان، وهذا الأمر لم يتم.
اليوم تشترط إسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات بأن تعترف السلطة الفلسطينية بيهودية الدولة، وبدون شروط، وقد غاب الحديث عن القدس بصورتها العربية، وأصبح الأمر يدور عن تبادل أراضٍ من خلالها قد يفقد الفلسطينيون جزءاً مهماً من القدس وأراضي الغور المحاذي للحدود الأردنية.
الحالة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو سيئة جداً، إذ أصاب التردي والتراجع كل مكونات الحالة الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها تماهي حركة فتح باعتبارها حركة ثورية مع سلطة ضعيفة مقيدة، ما انعكس على حالة النضال الفلسطيني بشكل عام، ولم يعد بإمكان السلطة ونتيجة القيود الأمنية التي قيّدت أمرها من خلالها عقب انتهاء انتفاضة الأقصى والسماح للولايات المتحدة بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على يد الجنرال دايتون، أصبح صعبا عليها البحث عن طرق وبدائل تجبر إسرائيل بقبول ما تم الاتفاق عليه، والمضي إلى الأمام نحو استقلال الأراضي الفلسطينية المحتلة عام1967م، وأصبح انتظار المجهول سيد الموقف.
0D0DAAE2-9C11-45A6-8AFB-12332414478A
جمال حاج علي (فلسطين)