غزّة والجماهير العربية

04 ديسمبر 2018
+ الخط -
رزحت غالبية البلدان العربية تحت نير الاستعمار الذي اكتوت ببطشه وظلمه، بعد أن نهب خيراتها، وأفسد جزءا كبيرا من نخبها الفكرية والسياسية، لتبقى تدور في فلكه، وتأتمر بما يراه يُصلح أحواله لا أحوالها، وما يكون في مصلحة مواطنيه، لا مواطني تلك البلدان تعيسة الحظ. عمل الاستعمار الفرنسي على تحطيم الإنسان الجزائري، بعد أن قتل نحو عشرة ملايين جزائري خلال سنوات سيطرته 133 عاماً على الجزائر، ولم يكن ظلم الإيطاليين في ليبيا أو البريطانيين، في مصر وغيرها، يقل عن البطش المعهود في تلك الحقبة.
ظهرت إسرائيل دولة احتلال في المنطقة العربية، نتيجة طبيعة ممتدة لهيمنة الغرب على المنطقة العربية، بعد التخلص من الدولة العثمانية وتفتيتها وتقسيم تركتها على دول الاستعمار.
تفوقت إسرائيل الوليد الشرعي للاستعمارعلى من أنشأ كيانها وسددّ لها رميها، فطال بطشها وقسوة سلوكها الإنسان والحجر والشجر، إذ تمكنت من هدم وتدمير مئات من القرى والمدن الفلسطينية، وشرّدت ملايين من الفلسطينيين، لتتمكن بعد ذلك من السيطرة الجغرافية الكاملة على فلسطين العربية، ومعها جزء من المحيط القريب، ثمّ تمكنت من السيطرة بالرعب والخوف على نفوس زعماء الدول العربية والإسلامية، الذين عجزوا من خلال منازلاتهم فيما تسمّى حروبا عديدة من الصمود أو تحقيق شيء من الحلم العربي، والفلسطيني بإعادة شيء من الأراضي العربية المحتلة.
لقد تذرّعت الدكتاتوريات العربية باحتلال فلسطين، لتظهر نفسها بصورة ثورية صدئة، كانت سبباً أو قل وسيلة وأداةً لترهيب كل صوت وطني مخلص يريد الإصلاح في وطنه، ليهاجَم بالخيانة والعمالة ليكون مكانه السجن والتعذيب، وأحياناً القتل أو الإخفاء سنوات طويلة. لقد أملت الشعوب العربية عقودا طويلة من حكامها، لتحقّق لها أمانيها وأحلامها بتحرير فلسطين والأراضي المحتلة أولاً، وبعد ذلك النهوض بواقع المواطن العربي الفقير ووطنه الجريح. ولكن، ومع مرور الزمن، ازداد ارتهان هذه الأنظمة للدول الكبرى، وفي مقدمتها أميركا وتعاونت أو بالأحرى تواطأت ضد بعضها، كما حدث مع العراق، وما حدث كذلك بالتعاون والتآمر لإحباط نهضة الشعوب في ربيعٍ غير مكتملٍ، للتخلص من ظلم هذه الأنظمة، وأخيراً ها هي تهرول، وقد انفرط عقد أغلبها لإعلان علاقاتٍ مفتوحةٍ مع عدوها الوهميّ خلال العقود الماضية، ضاربة بعرض الحائط كل صور الدجل الذي مارسته في العلن، وكل طموحات الجماهير الصادقة العاجزة.
اليوم يتجدد الأمل لهذه الجماهير، عندما ترى الفئة الضعيفة الفقيرة التي لا تملك من وسائل القوة أكثر من إرادتها التي انْبَنت بإيمانها بعدالة قضيتها، وقناعتها أن لا رجاء ولا أمل من هذه الأنظمة، إنّها غزّة المحاصرة التي لم يبق من وسائل حصارها سوى منع الهواء عنها، وقطع الطريق على أمواج بحرها، هي اليوم تصنع معجزة باعتراف أعدائها حيث تصمد صموداً إعجازياً بالنظر والمقارنة ما بين من يحاصرها وما يمتلكه من أحدث ما توصلت إليه عقول البشر من تكنولوجيا حربية، أمام شعبٍ أعزل، استطاع بإرادته أن يغزل من الرمل درعاً، ومن عسف النخيل إعصاراً.
قلبت غزة في المواجهة، أخيرا، مع جيش الاحتلال، الأعراف الحربية وعلومها. عجز الجنرالات ووزراء الحرب عن إيجاد دواء لهذه الظاهرة الصاعدة من الصمود والثبات والإثخان، ففي وقتٍ يركع فيه كل ضعيف في هذا العالم لهذه الدولة، وفي وقتٍ يتسابق فيه الجبناء والمنافقون وذوو المصالح لخدمتها، يفتحون لها أبواب العالم في الاقتصاد والسياسة والتجارة، تعجز هذه الدولة وكل من والاها وناصرها من أنْ تنال من قدرات غزة وعزيمتها.
لقد عبّر سياسيون ومعلقون ومواطنون عديدون، في أقطار عربية عديدة، عن إعجابهم وفخرهم بغزّة المقاومة، وقد قالها كثيرون أنّ روحهم المفقودة خلال عشرات السنين بدأت تعود إليهم، وأنّ أملهم المفقود دبّت فيه الحياة. وقد قالها مواطنون، في دولٍ عربية عديدة؛ إنّ لعنة غزة المقاومِة ستعود، لتطال كل من تآمر على فلسطين وشعبها، ولن يطول بهم الزمان، ليلقي بهم في مزابله التي يستحقونها.
0D0DAAE2-9C11-45A6-8AFB-12332414478A
جمال حاج علي (فلسطين)