أودري هيبورن: 800 صورة تروي سيرتها

18 اغسطس 2019
الصورة
العرض في "أودري الحميمة" مُلك لشون هيبورن فيرّير (Getty)
يتشكّل معرض "أودري الحميمة" Intimate Audrey، المُقام في "مبنى فاندربورغ" في العاصمة البلجيكية بروكسل، لغاية 25 أغسطس/ آب الحالي، من عددٍ كبير من الصُوَر الفوتوغرافية التي يغلب عليها الأسود والأبيض، ومن كتبٍ ووثائق ودفاتر وتماثيل وملابس وكتابات مختلفة، موزّعة على 800 متر مربّع، في طابقين اثنين. بالإضافة إلى ذلك، هناك أشرطة تُبثّ على الجدران في أماكن متفرّقة، تظهر فيها الممثلة البريطانية أودري هيبورن، المولودة في "إيكسل" (بروكسل)، في 4 مايو/ أيار 1929، والمتوفاة في "تولوشوناز" (سويسرا)، في 20 يناير/ كانون الثاني 1993، في مناسبات مختلفة، كما يظهر فيها أصدقاء ومعارف لها، يحكون عنها، أو يحتفلون بها ومعها. 
المدينة السويسرية تولوشوناز تحتلّ مكانًا بارزًا في المعرض الذي يُنظّمه ابن الممثلة شون هيبورن فيرّير ـ من زوجها الأول مِلْ فيرّير (1917 ـ 2008)، الممثل والمخرج والمنتج الأميركي ـ منذ الأول من مايو/ أيار 2019، بمناسبة ذكرى مرور 90 عامًا على ولادتها. صُور ملوّنة لمنزل يُثير إعجاب أودري ويُريحها، فتطلبه لها كي تنعزل فيه أعوامًا عديدة قبل رحيلها. صُور كبيرة وأخرى صغيرة ستكون إحدى محطّات الجولة في الطابقين، التي تبدو أحيانًا دهاليز تقود الزائر في أروقة مُعتمة قليلاً، تتلاءم وأجواء المبثوث على الجدران من أشرطة، بعضها مُصوَّر مع مقرّبين إليها في مراحل عديدة من حياتها، أو في مناسبات عامّة أو خاصّة، وبعضها الآخر معنيّ باحتفالات أو حفلات.

ملصقات أفلام عديدة لها مُعلّقة على الجدران أيضًا، في أمكنة توحي بأنّها تُرحِّب بزوّار يأتون المعرض إما لاستعادة أزمنة يعرفونها أو يعيشونها مراهقين أو شبابًا، وإما لملء فراغات في علاقة متينة مع ممثلة حاضرة في وعي فردي وذاكرة جماعية، وإما للتنبّه إلى ما يُمكن أن يمنحه معرضٌ موصوف بالحميميّ من جديد ومختلف، كأنّ "التلصّص" الذي تشتهر به السينما تحريضٌ على الدخول إلى بعض هذا الحميميّ، في سيرة امرأة وممثلة وراقصة باليه، ومنشغلة بهموم إنسانية في دول مختلفة.

تعود التحضيرات الأولى للمعرض إلى 10 أعوام سابقة. لكن البحث عن مكان يُقدَّم مجّانًا دونه صعوبات جمّة، فـ"أودري الحميمة" لن يبقى مجرّد معرض تكريمي أو احتفالي فقط، لأنّ الهدف منه كامنٌ في التبرّع بإيراداته ـ المتأتية من ثمن بطاقة الدخول (15 يورو)، ومن بيع كتبٍ وأشرطة "دي. في. دي." مختلفة (بين 20 و35 يورو) ـ لـ"أورورديس" (منظّمة أوروبية تُعنى بالأمراض النادرة، مؤلّفة من أشخاص وجمعيات غير ربحية تهتمّ بتلك الأمراض)، ولمستشفيات جامعية في بروكسل.

في البداية، هناك فكرة إقامة معرضٍ كهذا على ملابس لأودري هيبورن، بيعت في مزاد علني في "كريستي" قبل أعوام: "لكن، بعد نحو ربع قرن على وفاتها، لن تكون هيبورن مجرّد امرأة ترتدي ملابس جميلة ومعاطف ساحرة"، كما في قولٍ لابنها شون، المنتبه حينها إلى ضرورة تجاوز هذه المسألة "إلى ما هو أبعد"، أي إلى "الحميميّ" في عالمها، مع 800 صُورة وشريط فيديو. الأشياء المعروضة كلّها في "أودري الحميمة" مُلك لشون هيبورن فيرّير، المحتفظ بأشياء كثيرة لها عنده. يقول إنّ البيع بالمزاد العلني غير هادفٍ إلى جمع ملايين الدولارات، فالرغبة كامنةٌ في أنّ يقتني الجيل الشبابي ـ وللممثلة حضورٌ كبير في نفوس مراهقاتٍ (تحديدًا) وأرواحهن وخيالهنّ ـ أشياء خاصّة بها. المعروف أنّ مبيعات المزاد العلني ذاك تُحقِّق 5 بالمئة فقط من مجموع المبيعات الخاصّة بأشياء لإليزابيت تايلور مثلاً. يقول شون إنّ أودري هيبورن غير مكترثة وغير جامعةٍ مجوهرات ثمينة، كتايلور.

رغم وفرة الصُوَر والتسجيلات والوثائق، التي تتيح للمهتمّ فرصة "التورّط" في حميمية الأشياء والمراحل والتفاصيل الخاصّة بهيبورن، ورغم اتّساع المساحة وسلاسة التجوّل وجمالية الإضاءة، التي (الجمالية) تُساعد على التمتّع بالمعروض، إلا أنّ ملاحظات قليلة تُساق في الجانب التنظيمي. صحيح أنّ هناك نصًّا غير طويل، مكتوب باللغات الفرنسية والفلامنكية والإنكليزية، يُفسِّر معالم صُور وحكاياتها بشكل عام، إلّا أنّ الصُور تبدو "عارية" أمام الزائر، لغياب أية معلومة عن مضامينها. فالمجموعات الخاصّة بوالدَي أودري هيبورن، أو بأجدادها لوالديها، مثلاً، تخلو من أسماء الأشخاص الظاهرين في الصُور، فيعجز الزائر عن معرفة من هم هؤلاء الأشخاص. أما الأشرطة المبثوثة على جدران قاعات مختلفة، وبعض القاعات مفتوح على قاعات الصُور والوثائق الموضوعة في خزائن زجاجية، فتتجوّل في محطات تاريخية مختلفة في سيرة الممثلة وراقصة الباليه، لكن من دون وفرة معلومات عن المناسبة أو الاحتفال، وإنْ يُدرك مهتمّون ومتابعون تفاصيل تلك المناسبات والاحتفالات.

ملاحظات كهذه لن تُغيِّب متعة التجوّل في حميمية أودري هيبورن وعالمها، رغم أن سيدتين تُعبّران عن استيائهما من غياب الإرشادات المباشرة والواضحة، فتقولان لعاملين في المعرض إنّ ثمن بطاقة الدخول أكبر بكثير من الفائدة المرجوة. في المقابل، هناك إشارات مبطّنة تقول لحظات ومحطّات من سيرتها، يتنبّه إليها زوّار يأتون المعرض لاستعادة أزمنةٍ ومناخات وحكايات. صُور كثيرة تبني علاقات معهم، وإنْ من دون معلومات مباشرة، فلعلّ أحد جوانب المتعة كامنٌ في غموضٍ كهذا، إذْ يُتيح الغموض فرصة أكبر للتأمّل في صناعة الصورة الفوتوغرافية مثلاً، وفي تطوّرها من ثلاثينيات القرن الـ20 إلى ثمانينياته؛ أو لمعاينة أحوال مراحل تاريخية تنعكس (الأحوال) في أزياء وديكورات وتفاصيل قليلة تُظهرها تلك الصُور.

أما ملصقات الأفلام، فمدخلٌ إلى عوالم سينمائية يعرفها كثيرون، وإنْ يكن هناك غير عارفين بها، فلعلّ تلك الملصقات تحرّضهم على مشاهدة بعض روائع سينمائية، لأودري هيبورن دور أساسي فيها. أما الوثائق، فمتنوّعة: جوازات سفر، مستندات، رسائل ومخطوطات بقلمها، سيناريوهات، كتب تُشكّل مصدرًا لأفلام لها، كـ"الحرب والسلم" (1956) لكينغ فيدور، المقتبس عن الرواية المشهورة (1865 ـ 1869) بالعنوان نفسه للروسي ليون تولستوي (1828 ـ 1910)، علمًا أن هناك نسخة قديمة من الرواية معروضة بين الوثائق تلك (تاريخ صدورها غير ظاهر للعيان).
إلى ذلك، هناك الـ"فيسبا" المشهورة، الظاهرة في "عطلات رومانية" (1953) لويليام وايلر، مع غريغوري بِكْ، موضوعة في مكان واسع ومنفرد، أمام ملصق كبير للفيلم، وهو المكان الوحيد المسموح للزوّار أنْ يتصوّروا فيه، كما مع التمثال الصغير لأودري هيبورن، الذي يستقبل الزوّار على مدخل المعرض.
تعليق: