أنظر إلى البحر بمداه الشاسع

30 اغسطس 2019

أنظر إلى البحر بمداه الشاسع، وأجد نفسي أبتسم للأفق ولطيور النورس، تتقاذف الأمواج العبّارة التي تنقلنا عبر بحر المانش، مبحرة بنا في طريق العودة إلى مرفأ نيو هيفن. أستنشق هواءً بحرياً نقياً بملء رئتي، يعكر صفوه رائحة الوقود، لكني لا أهتم، أعود فأتنفس بسرعة وأنا أبتسم. يجذبني صفاء في أذنيّ لم أعهده منذ زمن، صوت الموج فقط يعلوه طبعاً صوت المحرك. 

لكن ذلك لم يثنِني عن البقاء على سطحها، تعبث الريح بخصل شعري المجعد وأحسّ بالامتنان، ممتنة لقدرتي على زيارة أماكن غير مطروقة، وعلى الابتعاد ولو لوقت قصير عن أسباب التوتر، ربما ممتنة على الأخص لقدرتي على الابتسام بغير سبب، فقد أضحى الابتسام سلعة صعبة الشراء، وخاصة لمن يعيش ظروفاً صعبة، السوريون منهم لهم حظوة في عدم القدرة على الاستمتاع بالحياة.

أقلب حساباتي على منصات الأخبار الاجتماعية أو كما يسمونها منصات التواصل الاجتماعي، والتواصل منها براء، فيعتصرني قلبي من كثرة الأخبار السيئة في كل مكان، وندرة ما يمكن تداوله على أنه خبر مفرح.

أخبار تفوق العرق الأبيض والعنصرية تجاه الآخرين في أميركا، وأخبار قمع التظاهرات السلمية في هونغ كونغ وهدم المساجد وسجن أقلية الإيغور المسلمة في مخيمات نائية في الصين، وقتل الهندوس للمسلمين في كشمير، ناهيك عن أخبار القتل والقصف والفساد واللامنطق في بلاد المشرق من سورية واليمن، وأخبار الجنون في البحرين والعراق ولبنان ومصر، التي لا أودّ الخوض في تفاصيلها لأنها ستجعلني في يأس مدقع. وفوق كل هذا أخبار احتراق الغابات المستمر في أمازون وجزر الكناري. 

نعيش في عالم جنوني تزداد فيه وتيرة اللاعقلانية بقوة، لا أدري أيها أكثر إثارة للأسى، تلك الأخبار السوداء وتأثيرها المباشر وغير المباشر على أنفسنا أم رؤية رجل متشرد في الشارع بعمر أبي يصارع الحياة من أجل البقاء وهو لا يجد ما يأكله.

لا أخفيكم سراً أن التأثير مضاعف إذا كانت امرأة بعمر أمي يبتعد عنها الناس من رائحتها النفاذة، ذاك مشهد يفطر قلبي ويعتصر الدموع في عينيّ، وأعود فأسأل نفسي، هل اقترب اليوم الآخر، حيث تنعدم الشفقة من قلوب الناس ولا يعلم المقتول بأي ذنب قتل!؟

في صغري لطالما انتظرت أن يصبح العالم أجمل، لكني كلما مضيت قدماً في هذه الحياة وجدت أن العالم دار للشقاء حقاً، وأنه لا مكان لنا نحن الأشقياء في جنة السعادة.

منذ بدأت قراءة رواية "1984" لجورج أورويل وأنا أرى العالم من خلال عدسة هذه الرواية، نظام واحد يحكم العالم، فقر مدقع، موالاة حمقاء عمياء للنظام الحاكم والأكثرية، مقتل العديد من الناس في حروب بروباغندا لإثبات وجهات نظر فقط، وسحق لأي أقلية تبصر نور المنطق والحق.

لا ألوم أحداً وألوم كل الناس، وشعورا اللوم والذنب يجرّاني إلى الثقب الأسود في الحياة، التي أستيقظ معها كل يوم بدون رغبة في الحياة أو الإحساس بفائدة أي شيء في هذه الدنيا، لذا تغدو القدرة على الابتسام من دون سبب نعمة لا يراها إلا فاقدها.

دلالات

تعليق: