رسائل عفوية (2/2)

06 ديسمبر 2019

تعاهدنا أنا و"خي" على أن نتبادل الرسائل بعد أن فرقتنا الظروف، "خي" هو صديق منذ أيام الجامعة تجمعني به علاقة أخوّة تتخللها العديد من التشابهات والنقاشات العميقة، لكن خروجنا من سورية باعد بيننا. منذ أشهر قليلة عدنا للنقاشات وبمنطق مختلف، وفي لحظة تشوبها الوحدة، وأثناء حديثنا على منصة الإنستغرام، طلبت منه أن نتبادل النقاش مكتوباً، استخدمت جبران ومي كمثال رغم اختلاف حيثيات وظروف العلاقة هنا وهناك. اقترح كلٌ منا ثلاثة مفاهيم علينا أن نكتب عنها ما لا يقل عن ٥٠٠ كلمة، تعبر عن نظرته لهذا المفهوم. هنا الرسالة 2

أي "خي"،

أطلب من الله أن تكون هذه الرسالة مفتاحا لنقطة مضيئة في رأسك، موضوع رسالتي اليوم هو المسلمات أو البديهيات.

كنت أحاول أن أستفهم قليلا عن معاني بعض المفاهيم، ربما ليس بالعمق الذي أريده ولكن بطريقة تجبرني حقا على التفكير بها بشكل يتعدى استعمالي السطحي لها في حديثي اليومي،  من هذه المفاهيم كلمة مسلّمة أو بديهية، اللتان لطالما ارتبطتا في ذهني بالرياضيات أو بالدين، عن وعي أو غير وعي.

لكني أرى أنهما كلمتان مختلفتان رغم تشابههما، فالمسلمة تجعلني أفترض بلا وعي مني أنها حقيقة واقعة، واقتناعي بها هو جزء من طاعتي العمياء لما عليّ طاعته في هذا العالم. أي أنني أسلّم قطعا بها دون جدال أو تفكير نقدي به، تشبه الطريقة التي تربينا بها والتي تمنع بها الشك بأي من مسلمات الدين أو المجتمع أو العائلة. وخاصة ما يتعلق بأمور الغيبيات، وأصول الكون، وبدء الخليقة، وصولا للاحتمالات الرياضية اللامتناهية والتي لا مجال لدي سوى الاقتناع بها لأني لا أعرف التعامل معها، نكبر بعدها فنرى بأنها مسلمات موضوعة ويمكن التشكيك بها، وبأن هذه الحياة لا تسليم محققا فيها، لكنه مختار لصعوبة الإثبات أو دحض الحقيقة.

أما البديهية فهي تعني لي عند سماعها أو استخدامها أمرا واضحا وضوح الشمس، ظاهرا للعيان، يجب عليك تصديقه وإلا عليك أن تكذب عينيك اللتين ترى بهما، هو تسليم ولكنه واضح، يعتمد على سلوكيات البشر عموما، فأمر بدهي أن لا تستطيع النظر مباشرة للشمس، أو أن لا تمسك ظلك، أو أن تقول شكرا على فعل حميد.. كما أن البداهة تأتي من العفوية والارتجال، كأن تغلق عينيك عند عطاسك، أن تحس بالأمان لدى وجودك في بيئة مألوفة.. ربما تشبه بيئة الطفولة، أو ابتسامتك لدى إدراكك لرائحة تحفز عصبونات الذاكرة السعيدة أو رؤيتك لطفل يبتسم. 



يشابه هاتين الكلمتين، المعنى العالق في ذهننا لعبارة "الأمر المفروغ منه"، فهي تعني بشكل أو بآخر أنه أمر لا حاجة لنا بنقاشه أو الجدال بشأنه، الأمر الذي يوجد بنفسه ولا حاجة لإثباته، بحثت في معجم المعاني عن مرادفات، ولم أجد إلا خلاء وانتهاء، ربما العبارة الأقرب لما أحمله من فهم لتلك العبارة، هي "الكلام المفروغ منه" والتي بحسب معجم المعاني عرّفت بأنها الكلام التام الذي ليس بحاجة إلى تفسير. أحببت هذا المعنى لبلاغته.

لغتنا عظيمة تشبه مدينة بنيت على عدة مراحل تاريخية، شكلت كل مرحلة مدينة بحد ذاتها، وكل جيل يسكن في مدينة ما، كلما تتبحر وتتعمق باللغة تزور المدن المختلفة، ونحن في الجيل الحالي نعتمد على المدينة السطحية التي لا تعادل في جمالها ذرة من جمال الطبقات العميقة، بالإضافة إلى اعتمادنا على لغات أخرى شائعة كالإنكليزية.

المسلمات - البديهيات أو الأمور المفروغ منها، هي الترجمة المعتمدة لجملة Taking for granted من اللغة الإنكليزية، لكني أرى بقصوري أن ما تحدثت عنه سابقا يسقط المعنيين الأساسيين لهذه الجملة بحسب معجم كامبردج، الأول، وهو تجاهلك للأمر أو عدم تفكيرك به بسبب وجوده الدائم وبقائه على حاله تماما كوجود الشمس والهواء والرياح، أو الثاني بحسب المعجم الحر وهو،
البديهية أو المسلمة أو الفروغ من الأمر والتي تستعمل لترجمة عبارة Taking for granted لا تعادل برأيي المعنى الأخير المعبر عن مدى إهمال الناس للأمور البديهية أو المتواجدة بشكل دائم في حياتهم، وعدم تقديرهم لها والذي أستخدم فيه العبارة الإنكليزية.

منذ أيام، طلب مني أحد الأشخاص أن أبتعد عن عنه وأعطيه فراغاً يخصه (بطريقة قاسية)، فأمسكت نفسي عن البكاء.. وصرت أكتب بهستيرية على مدونتي محادثة نفسي: لا تبكي! لا تبكي! حياتنا ليست من المسلمات.. الصداقة ليست من المسلمات.. علاقاتنا مع الأشخاص ليست بديهية بل تحتاج للكثير من العمل.. لا تبكي! فالناس يمكنهم أن يفهموا اهتمامك على أنه سم خانق، وأنهم اعتادوا على محادثتي بقسوة لأنهم taking you for granted، وربما أكون على خطأ.