أمينة رشيد... رحيل ذاكرة التمثيل المغربيّ

01 سبتمبر 2019
الصورة
فنانة مقتدرة تشكّل حصانة لتاريخ الشاشة المغربيَّة (Getty)
+ الخط -
للسينما المغربية أسماء فنية متميّزة، أسّست مسارها فنانات مغربيات مناضلات، لم يدرسن السينما وتقنياتها، من كاميرا ومونتاج وسيناريو وإخراج، وغيرها من أمورٍ تتطلّب دراسة عميقة، وبحثًا رصينًا في المدارس والمعاهد، بل تعلّمْنها من احتكاكهنّ التلقائي العميق بالمسرح، وبأعلامه الكبيرة، الذين طبعوا المسرح المغربي، منذ سبعينيات القرن الـ20، فتعلمنّ مبادئ التمثيل، وصنعن لأنفسهنّ شهرة كبيرة في الوسط الشعبي المغربي، ضمن جمعيات وفرق مسرحية محترفة، وخصوصًا في الدار البيضاء والرباط، فصرن منذ أواخر الثمانينيات الفائتة، يلِجنَ عالم السينما والتلفزيون بسهولة، ويشاركن في أفلام سينمائية ومسلسلات وبرامج مختلفة.

هؤلاء أصبحن مألوفات، كما أنهنّ أنّثن فضاء الشاشة المغربية باحترافية عالية، قلّ نظيرها اليوم مع الجيل الجديد، رغم بروز أسماء فنية جديدة وجريئة، تتميّز بتجربة تمثيلية مغايرة عن الجيل الأول، في المواضيع الممنوحة لها، أو في طريقة الأداء، فمنح بعضها لنفسه آفاقًا جديدة، وشهرة واسعة تعدّت أفق السينما المغربية ودول المغرب العربي.

جميلة بن عمر (1936)، المعروفة باسم أمينة رشيد، المتوفاة مساء الإثنين 26 أغسطس/ آب 2019، إحدى اللواتي حقّقن أحلامهنّ على الشاشة المغربية منذ خمسينيات القرن الـ20، يوم كان عمل المرأة في التمثيل شبه مستحيل، بسبب التقاليد والبنية القبلية للمجتمع، التي رزح المغرب تحتها بعد الاستقلال. لكنّ رشيد استطاعت أن تدخل عالم التمثيل، وتصنع لنفسها مكانة متميّزة في تاريخ حافل بالمسرحيات والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، فحصلت على تتويج وجوائز، خلال مسار فني طويل.

لها ملامح قوية ونخوة، ولباس مغربي أنيق، اعتاده كثيرون في أفلامها الكوميدية والدرامية. عام 1955، وقفت للمرة الأولى أمام كاميرا الفرنسي هنري جاك، مخرج فيلمٍ مقتبس عن مسرحية لموليير. ثم توالت أعمالها السينمائية والمسرحية بشكل كبير، فاق عددها 60 عملًا مسرحيًا، وأكثر من 3000 عمل تلفزيوني وسينمائي، فصارت وجهًا مألوفًا ومحبوبًا لدى المغاربة والعرب، علمًا أنّها لم تتخلّ عن المسرح أثناء عملها في السينما، فحافظت على الجمهورين معًا. غير أنّ علاقتها بالسينما توطّدت بشكل كبير مع بداية عملها في الإذاعة عام 1962.

"غدًا لن تتبدّل الأرض"، و"سارق الأحلام"، و"البحث عن زواج امرأتي"، و"لا لا حبي"، و"كيد النساء"، و"فيها الملح والسكر أومابغاتش تموت" ، و"القلوب المحترقة"، و"ملائكة الشيطان"، و"رحيمو"، و"أياد خشنة"، و"عايدة"، و"النية تغلب"، و"مغربيات من القدس"، وغيرها. بمثل هذه العناوين الفنية، تمكّنت أمينة رشيد من الدخول إلى قلوب المغاربة، بأدوار سينمائية متميزة في تشخيصها، لا يمكن اليوم تصوّر السينما المغربية من دونها. كأنّها تملك قوة سيزيفية لضخ دماء جديدة في شرايينها، ومحاربة الرداءة والابتذال البصريين، بقدرتها على التواصل مع الجمهور المغربي بكافة أطيافه، واختراق بنية متخيلة بحوارات ومشاهد بسيطة، لا تزال اليوم محفورة عند أبناء جيلنا.
فنانة مقتدرة، تنتمي إلى قلّة قليلة جدًا من ممثلي اليوم، الذين يُشكّلون حصانة فنية لتاريخ الشاشة المغربية، بماضيها العريق الذي بنى مجده ثلة من الكبار، ممن استطاعوا الالتحام بالجماهير، انطلاقًا من أدوارٍ صغيرة ومشاهد قليلة، جعلتهم يحتلّون منزلة رفيعة عند المشاهد المغربي، الذي وجد في هذه الأسماء مناعة فنية ضد التفاهة المقننة التي بدأت تكتسح الإبداع الفني، والمخطّط لها منذ بداية تسعينيات القرن الـ20 تقريبًا، ليس على المستوى الفني فقط، بل على المستوى الثقافي أيضًا ببعده الأنثروبولوجي الواسع، حيث الكلام السخيف والتهريج المجاني هو ما يؤثّث فضاء الشاشة، ويصنع عوالمها "الإبداعية" المبتذلة.

المساهمون