أميركا وصداقة العراق

أميركا وصداقة العراق

29 يونيو 2016
الصورة
+ الخط -
في البدء كان النفط، ولم تكن أميركا وقتها قد كشفت عن مخالبها وأنيابها. كانت في المظهر على الأقل غيرها اليوم، خارجة للتو من عزلتها الدولية، وداخلة إلى أسواق العالم. في حينها، بدأ مغامرون من تكساس علاقةً أوليةً مع تجار عراقيين، يقايضون عبرها النفط الأبيض (الكيروسين) بالتمور والأصواف. بعدها اكتشفوا، ومن ورائهم المؤسسة العسكرية، أن العراق ليس موقعاً استراتيجياً وحسب، بل هو بحيرة نفط أيضاً. يومها، دخلوا في صراعٍ غير مكشوف على النفط مع بريطانيا المالكة مفاتيح العراق وخزائنه. ولاحقاً، كان النفط وحده قد وضع العسكر الأميركيين على أبواب البصرة، وحوّل العلاقة الأولية إلى مصالح وسياسات واستراتيجيات قابلة للنمو والتطور، وهو وضعهم بعد ستة عقود على أبواب بغداد. لكن، هذه المرة اختلفت أميركا عن الماضي، إذ أصبحت لها أنياب ومخالب.
هذه واحدة من "خاطرات" أحاطت بذهني، وأنا أقرأ، في نسخةٍ عتيقة من "دليل العراق المختصر" الذي عمّمته وزارة الحربية والبحرية الأميركية (هكذا كان اسمها) على جنودها في حملتها العسكرية الى العراق، في أربعينيات القرن الراحل. فيه كشف لطبيعة العلاقة التي كانت أميركا تريد تأسيسها مع العراق والعراقيين، بعد أن شعرت أن لها دوراً مطلوباً، وأن ثمّة فراغاً في الإقليم الذي يشغل العراق مركزاً حسّاساً فيه، لا يمكن لقوةٍ دوليةٍ أن تملأه وحدها. في حينه، شكلت أميركا بالنسبة لآبائنا الذين عرفوا غدر الإنجليز ومكائدهم مضافةً إجبارية، لم يكن منها بد، ورأوا أن يختبروا نياتها قبل أن يولوها ودّهم. هي، من ناحيتها، كانت تريد صداقتهم، وعيونها على النفط دائماً.
كتبت في دليلها هذا أن نجاحها أو فشلها في حملتها العسكرية في العراق يعتمد على ما إذا كان العراقيون يحبّون الجنود الأميركيين أم لا. ولذلك، هي توصي جنودها بالاقتراب من العراقيين، ومحاولة فهمهم وجعلهم أصدقاء، وعدم السماح لأي عائقٍ بأن يثبّط من هممهم، واعتبار ذلك من أهم واجباتهم، وسوف تساعد تلك العلاقة على فهم الناس والبلد معاً، ويحصل الجندي من خلالها على أفضل الخبرات التي ربما يُسعد أميركيين قليلين الحظ بالحصول عليها.
وبحسب الدليل المذكور، العراقيون من أكثر الشعوب انفتاحاً ومرحاً، بضعة أفراد منهم يشيعون بهجةً كثيرة في حياتهم، وخارج محيط عملهم، وإذا ما كان الجندي الأميركي مستعداً للتقدّم خطوة لفهمهم، فإن كل شيء سيكون متاحاً له، وسوف يكتشف أن ثمة اختلافاً في العقائد والعادات والسلوك عما اختبره في بلده، لكن ذلك لن يعني شيئاً له، حيث هو لم يذهب إلى العراق لكي يغيّر معتقدات العراقيين، أو عاداتهم، إنما عليه أن يعمل بالمبدأ القائل "عش، ودع غيرك يعيش".
وقد يكتشف الجندي المحارب في العراق أن بين العراقيين أنفسهم خلافات دينية وعشائرية، ربما يحاول هتلر استغلالها لمصلحته. وعليه، في هذه الحال، أن يسعى، ما استطاع، إلى أن يجمعهم، ويوحّد بينهم من أجل القضايا المشتركة بين الولايات المتحدة والعراق.
وحذّر الدليل الجنود الأميركيين من الدخول مع العراقيين في نقاشاتٍ بخصوص السياسة الخارجية، فربما تفسّر وجهات نظرهم بأنها تعبّر عن الموقف الرسمي للولايات المتحدة، وقد تسيء إلى علاقة واشنطن بحلفائها، أو تساعد الدعاية النازية وسط المجتمع العراقي.
ويصف الدليل العراقيين بأنهم "رجال محاربون شديدو البأس، وعلى درجةٍ عاليةٍ من المهارة في حرب العصابات، والواحد منهم يعادل بضعة محاربين في بلد آخر. وإذا ما تحوّل إلى خصمٍ، فعليك أن تكون حذراً منه، وتذكّر أن لورنس العرب دخل التاريخ في الحرب العالمية الأولى بمثل هؤلاء الرجال".
لا تنسى واشنطن أن تذكّر جنديها المحارب في العراق أن الحصول على النفط هو الدافع الأساس في سعيها إلى بناء علاقة مع العراق. ولذلك، تتوجّه له: "إذا قدّر لك أن يكون واجبك حماية حقول النفط في كركوك، فعليك أن تدرك أن ذلك أكثر الواجبات أهميةً وخطورةً، لأن البترول يشكّل المصدر الأساس لتموين القطعات العسكرية المرابطة في منطقة الشرق الأوسط والهند، وهو يغذّي الأسطول الأميركي المرابط في البحر المتوسط. وعليك أن تتذكّر دائماً أن تلك المطقة النفطية ستشكل مكسباً مهماً لهتلر إذا ما استولى عليها!"
بعد ستة عقود، نسيت واشنطن وصاياها لجنودها، غزت العراق، وارتكبت من الأخطاء والخطايا ما لا يُحصى ولا يعد، وأسوأ ما فعلته تنصيبها مجموعة من الأفاقين واللصوص وتجار الدين لحكم البلاد، والبقية معروفة.